السبت 9 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الأسيرات في العيد: دموع تخنقها القضبان

4 أبريل 2025 قراءة 3 دقيقة

تحت جدران السجون الشاهقة، حيث يُختَزَن الضوء خلف القضبان، تمسك الأسيرات الفلسطينيات بأطراف أيامهن. يأتي عيد الفطر عليهن كضيفٍ ثقيل، يحمل في جعبته مرارة الحرمان، وقسوة الاحتلال التي لا تعرف رحمةً ولا إنسانية. فالعيد هنا ليس أكثر من يومٍ عابرٍ يُذكّرهن بأنهن ممنوعات حتى من حقّ الفرح. 

كيف تحتفل أمٌ بابنها وهي تراه عبر زجاج الزيارة السميك؟ كيف تهنئه بالعيد وهي تعلم أن الحلوى التي أعدتها له لن تصل إليه؟ الأمهات الأسيرات يخفين دموعهن خلف ابتسامات هزيلة، يلعبن دور القويّات أمام أطفالهن، بينما قلوبهن تنزف غيظاً وعجزاً. بعضهن يحتفظن بقطعة قماشٍ من ملابس أطفالهن، يتعطرن بها في صباح العيد، وكأنها آخر ما تبقى لهن من عالمٍ خارج القضبان.

سجون الموت: حيث يصبح العيد ذكرى أليمة

في ظل حرب الإبادة على غزة، تحولت السجون إلى مقابر للأحياء. جدرانٌ تئن تحت وطأة الصمت، وغرفٌ مكتظةٌ ببشرٍ تحولوا إلى أرقام. الأسيرات هنا يعانين الظروف الاعتقالية القاسية بحقهن من تنكيل وضرب، وتفتيش جسدي عارٍ مصحوب بإهانات لفظية وحرمان من الاحتياجات الأساسية كالغذاء الكافي والملابس والأغطية و تعذيب نفسي عبر التهديد بالاعتقال المُجدد أو إيذاء الأهل بالإضافة للإهمال طبي متعمد، خاصةً مع وجود أسيراتٍ يعانين من أمراض مزمنة. الأمراض الجلدية تنتشر كالنار في الهشيم، والدواء حلمٌ بعيد المنال. حتى مواد التنظيف أصبحت سلعةً ثمينة، وكأن الاحتلال يريد منهن أن يمتن موتاً بطيئاً، موتاً بلا ضجيج.

تمرّ أيام العيد والأسيرات محرومات من أبسط حقوقهن: زيارات الأهل ممنوعة، والرسائل محجوبة، وحتى أصوات الأحبة عبر أمواج الراديو صارت ذكرى بعيدة. العائلات تنتظر خارج السجون وكأنها تنتظر معجزة، بينما الأسيرات داخل الزنازين تلذن بالذكريات، وكأنها جرعة دواءٍ أخيرة. حتى المحامين لم يسلموا من التضييق، فباتت القضبان لا تحجز الأجساد فقط، بل تحجز العدالة أيضاً، الأسيرة هنا ليست سجينة فحسب، بل ذكرى أيضاً ، تحاول كل يوم أن تتذكر ملامح أهلها قبل أن تسرقها السنون . 

*طقوس العيد خلف القضبان: حين تصبح المقاومة احتفالاً

رغم كل شيء، تحاول الأسيرات في سجون الاحتلال صنع عيدهن الخاص:

- يستيقظن قبل الفجر ليغسلن وجوههن بالقليل من الماء المخصص للشرب

- يتبارين في تنظيف زنازينهم بأدوات بدائية

- يلبسن "أجمل" ما لديهن من الملابس المتوفرة.

- يصنعن حلوى العيد من بقايا السكر والخبز

لكن هذا العام، حتى هذه الطقوس البسيطة ممنوعة. صلاة العيد الجماعية محظورة، والتنقل بين الزنازين ممنوعة، والتفتيشات المهينة تزداد. العيد في السجون لم يعد مناسبة، بل أصبح اختباراً آخر للصمود.

عيدٌ خلف القضبان: فرحةٌ تُسرق وألمٌ يُورّث

عندما يُمنع الفرح، تصبح الذاكرة هي الملاذ الأخير والوطن البديل. الأسيرات في العيد يتذكرن:

- صوت الأذان في قريتهن ومدنهن.

- رائحة كعك العيد في بيت العائلة

- ضحكات الأطفال وهم يلعبون في الأزقة والأحياء.

- لون السماء في يوم عيدٍ مضى.

بعضهن يختلين بأنفسهن في زاوية الزنزانة، لتغلق عينيها وتسبح في بحر الذكريات، وكأنها سفينة النجاة الوحيدة من واقعهن المرير.

العيد في سجون الاحتلال ليس مناسبة، بل جرحٌ مفتوح. كل "تهنئة" هنا هي تحدٍ وصمود، ورغم فرحتهن المسروقة، إلا أن أملهن لا يُسجن. ففي زنازينهن المظلمة يصنعن من القهر فرحاً، ومن الألم صموداً، ومن الذل كرامة. فهي الحكايةُ التي تبدأُ من جُرحٍ ولا تنتهي عند حدودِ السماء، إنها من تحملُ بيتَها على كتفِها، وتزرعُ قمحَ الأملِ في أرضٍ تشظّتْ تحتَ دبّاباتِ الاحتلال، في عينَيها وطنٌ يرقصُ فوقَ أسلاكِ الحدود، وفي يديها خبزٌ يُعجنُ بملحِ الدموعِ وقصصِ السجون. كل عام وأسيراتنا أقرب إلى الحرية. فمهما طال الليل، لا بد من فجرٍ يشرق على زنازينهن، فجرٌ يحمل لهن عيداً بلا قيود وقضبان، لن يدوم الألم وسيأتي العيد لا محالة.

مواد مشابهة