في زوايا الزنازين، حيث يُمسك الفجر بخيوط ضوئه الأولى، تُعلن الأسرّة الصلبة عن يومٍ مختلف. إنه عيد الفطر، لكنّ جدران السجن لا تعرف معنى "العيد"، ولا تُفرِّق بينه وبين أيّام القيد الطويلة. هنا، حيث تُختَزَن الأنفاس خلف القضبان، تصبح الفرحة مقاومةً، والابتسامة تحدّياً، والبكاء صلاةً خفيّة.
كيف يكون العيدُ وأيدي الأمهاتِ الأسيرات خاويةً من دفء أطفالهن؟ كيف تُهنّئ المُصابة بالسكّري أو بآلام الظهر وهي تُمسك قطعةَ حلوى لا تليق بمرضها، لكنّها كلّ ما استطاعت زميلاتها تجميعَه من "السكرّة" الممنوعة؟ تُخفي الأمّهات دموعهنّ حين يسألهنّ الأطفال عبر الهاتف: "ماما، متى نراكِ؟"، بينما تبتسم المريضات رغم الألم، لأنّ العيدَ واجبٌ مقدّس، حتى لو كان الجسدُ مُثَقّلاً مخطوفا بالقيود.
في زنازين الأطفال، تُقلّب الأيادي الصغيرة أوراقَ الزيارات الباهتة وكأنّها بطاقاتُ عيد. يروي الصغار لبعضهم حكايات "الزهرة والحنظل" التي سمعوها من والديهم، ويحلمون بلحظةٍ واحدة خارج الجدران. بعضهم لم يَرَ البحرَ قطّ، أو يجرّب طعمَ "الكعك" الطازج، لكنّهم يتشاركون قطعةَ شوكولاتةٍ كأنّها كنز. العيدُ هنا ليس ضحكاً، بل درسٌ في الكرامة: فحتّى الطفولة تُشرّع أبوابَها أمام القضيّة الكبرى.
العيد في السجون .. ألم وقهر مضاعف
يعيش الأسرى داخل السجون المحاطة بالجدار الشاهقة وداخل الغرف المغلقة ظروفاً صعبة، ويُعاملون بقسوة ولا إنسانية، تعذيب، وتجويع، تنكيل وإذلال، ضرب وقمع متواصل، انتهاكات مستمرة واعتداءات صهيونية مضاعفة .
يستقبل الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال عيد الفطر وسط واقع كارثي وعقوبات صهيونية حرمتهم من كل حقوقهم التي كفلتها كل الشرائع والمواثيق الدولية والإنسانية. يمر عليهم دون زيارات من أهلهم وعوائلهم ، ودون أن يسمعوا كذلك رسائل أهاليهم عبر الراديو، ودون أي شكل من أشكال التواصل مع العالم الخارجي. تجردهم سلطات الاحتلال وإدارة سجونها من كامل حقوقهم، حيث التضييق على زيارات المحامين، وقمع متواصل وتنكيل مستمر، إلى جانب مصادرة جميع مقتنيات الأسرى.
يأتي العيد بالتزامن مع حرب الإبادة في قطاع غزة وظروف السجون السيئة جدا في ظل الانتهاكات غير المسبوقة، فبدأت الأمراض الجلدية المعدية تنتشر بين الأسرى بشكل كبير، وفوق ذلك يحرمون ويحرم الأسرى المرضى بشكل عام من العلاج.
العيد .. أيام ثقيلة في سجون الاحتلال
العيد في السجون مناسبة إسلامية سعيدة، لكنها ثقيلة ومؤلمة، وتمر ساعاتها المعدودة وأيامها المحدودة ببطء شديد، الحياة والمشاعر فيها مختلفة، ورغم كل شيء، يحاول الأسرى صنع عيدهم الخاص، يستيقظون قبل الفجر ليغسلوا وجوههم بالقليل من الماء المخصص للشرب، يتبارون في تنظيف زنازينهم بأدوات بدائية، يلبسون "أجمل" ما لديهم من ملابس السجن الموحدة، يصنعون حلوى العيد من بقايا السكر والخبز، يتلون التهاني بصوت خافت خوفاً من العقاب.
لكن هذا العام، حتى هذه الطقوس البسيطة ممنوعة. صلاة العيد الجماعية محظورة، والتنقل بين الزنازين ممنوعة ، والتفتيشات المهينة تزداد. العيد في السجون لم يعد مناسبة، بل أصبح اختباراً آخر للصمود.
العيد في سجون الاحتلال .. جرحٌ مفتوح
يعاني الأسرى الأمرين في المناسبات الدينية ، ما بين الحرمان والشوق والحنين للأهل، وظروف الاحتجاز الصعبة وما يتعرضون له من تعذيب قاسٍ واعتداءات وضرب وتنكيل، إضافة إلى سوء الطعام وقلته، كما ونوعا، وتردي الأوضاع الصحية مع استمرار سياسة الحرمان من العلاج والإهمال الطبي المتعمد.
اشتد كل هذا وأكثر بعد 7 أكتوبر، ما جعل حياة المعتقلين جحيما، فالعيد هذا العام، سيكون مختلفا من حيث اشتداد الظروف قساوة وفظاعة المعاملة، مع استمرار التحريض الإسرائيلي الرسمي على الأسرى؛ في ظل انقطاع زيارات الأهل والقيود المفروضة على زيارات المحامين وعدم السماح لممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة السجون ورفض الاحتلال تزويده بأعداد معتقلي غزة وأسمائهم، ما جعل الآلاف منهم خلال الحرب في عداد المختفين قسرا. يتعرضون لانتهاكات دون حسيبٍ أو رقيب، من فظائع تبدو واضحة عند خروجهم في صفقات التبادل، بينما تغض المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان نظرها عما يحدث من انتهاكات.
العيد في سجون الاحتلال ليس مناسبة، بل جرحٌ مفتوح. كل "تهنئة" هنا هي تحدٍ، كل ابتسامة مقاومة، كل دمعة شهادة. الأسرى يعلمون أن فرحتهم مسروقة، لكنهم أيضاً يعلمون أن الأمل لا يُسجن. ففي زنازينهم المظلمة، يخلقون من القهر فرحاً، ومن الألم صموداً، ومن الذل كرامة.
كل عام وأسرانا الأبطال يصنعون من قضبان سجونهم مشاعل أمل، وكل عام وهم أقرب إلى الحرية. فمهما طال الليل، لا بد من فجرٍ يشرق على زنازينهم، فجرٌ يحمل لهم عيداً حقيقياً، عيداً بلا قيود، بلا قضبان، بلا احتلال.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...