لطالما شكلت غزة وأهلها عنصراً فارقاً في تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي منذ نكبة 1948 م ، وتهجير الآلاف إلى هذه البقعة الساحلية ، مروراً بحصارها على مدى 18 عاما حتى أصبحت سجناً بشرياً كبيراً يُزج داخله أكثر من مليوني فلسطيني ، وكان مقدراً لأهلها معايشة تجارب الإعتقال وظروفه ، وبحسب بيانات واحصائيات لمؤسسات فلسطينية رسمية ، قُدر عدد الحالات الإعتقالية التي تعرض لها الغزيين منذ العام 1967 م ، بأكثر من ربع مليون حالة اعتقال شملت فئات مختلفة من أبناء قطاع غزة ، من إجمالي نحو مليون حالة اعتقال وما يزيد من كافة الأراضي الفلسطينية .
وعلى الرغم من تراجُع الاعتقالات منذ سنة 2005، بعد انسحاب الاحتلال الكامل من أراضي قطاع غزة، إلا أن عمليات الاعتقال لم تتوقف، بعد أن أبقى الاحتلال حصاره على غزة براً وجواً وبحراً، إذ كانت تُسجَّل شهرياً حالات اعتقال لمواطنين من قطاع غزة، كأن يتم اعتقالهم من عرض البحر ، حيث يعملون في مهنة الصيد ، وآخرون كان يتم اعتقالهم في أثناء تنقلهم عبر حاجز بيت حانون / إيرز ، بينهم مرضى، بينما تم اعتقال بعضهم بعد اجتيازهم الحدود الشرقية أو الشمالية لقطاع غزة في اتجاه الأراضي المحتلة سنة 1948 .
لقد عانى أسرى غزة الكثير من القهر والظلم بفعل الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية التي طالت جميع الأسرى والمعتقلين، إلا أن أسرى القطاع كان لهم النصيبٌ الأكبر من هذه الانتهاكات بسبب سياسة الانتقام والقوانين المجحفة والقرارات الجائرة التي مورست بحقهم خاصةً بعد أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط بتاريخ 25 حزيران/يونيو 2006 م.
قبل السابع من أكتوبر ، كانت سلطات الاحتلال تحتجز في سجونها ما يقارب من 192 أسيراً من قطاع غزة ، يتواجد غالبيتهم في سجني نفحة ورامون في صحراء النقب ، ومنهم قيادات مؤثرة في الحركة الأسيرة، أمثال: ضياء الآغا وأيمن العواودة وحسن سلامة، وبينهم عشرات يعانون أمراضاً مختلفة، ويتعرضون، كبقية المرضى، للإهمال الطبي المتعمد، ولعل أصعب الحالات كانت للأسرى ، يسري المصري، مراد أبو معيلق، شادي حلاوة، ويوسف مقداد، بالإضافة إلى الأسير المريض المبتور الساقين، ناهض الأقرع ، وعشرات ممن دخل في قائمة عمداء الأسرى التي ضمت 28 أسير من القطاع ، أقدمهم هو الأسير ضياء الآغا المعتقل منذ ما قبل اتفاق أوسلو، بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر 1992، أي منذ 31 عاماً ، ويُعتبر عميد أسرى قطاع غزة ، وهو واحد من بين 25 أسيراً من القطاع يمضون أحكاماً بالسجن المؤبد (مدى الحياة)، لمرة واحدة أو لعدة مرات، أعلاهم حكماً هو الأسير حسن سلامة المعتقل منذ 17أيار/مايو 1996، والذي صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد 48 مرة.
على مدار سنوات من المعاناة داخل السجون الاسرائيلية ، قدّم أسرى غزة العديد من الشهداء ، نتيجة التعذيب والإهمال الطبي المتعمد الذي مورس بحقهم داخل أقبية التحقيق والزنازين وغرف السجون ، لعل أبرزهم الشهيد الأسير عبد القادر أبو الفحم الذي استشهد في 11 تموز/يوليو 1970 خلال مشاركته في إضراب سجن عسقلان، والذي يُعتبر أول شهداء الحركة الأسيرة في الإضرابات عن الطعام ، وكذلك الشهيد راسم حلاوة الذي استشهد في 20 تموز/ يوليو 1980 خلال مشاركته في إضراب سجن نفحة ، بينما يُعتبر الشهيد خضر الترزي أول شهداء الحركة الأسيرة خلال انتفاضة الحجارة، والذي استشهد جرّاء التعذيب في 9 شباط/فبراير 1988 ، أما الشهيد أسعد الشوا فكان أول مَن استشهد من بين الأسرى جرّاء استخدام القوة المفرطة وإطلاق الرصاص المباشر عليه ، بهدف القتل ، في حادثة هي الأشهر في معتقل النقب الصحراوي بتاريخ 16 آب/أغسطس 1988 ، هذا بالإضافة إلى عشرات آخرين توفوا بعد خروجهم بفترات متفاوتة، متأثرين بأمراض أصيبوا بها داخل السجون ، أمثال: فايز بدوي، محمود أبو مذكور، وليد الغول ، وغيرهم الكثير .
أسرى قطاع غزة ، ما قبل السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023 م ، كانوا جزءاً من 5000 أسير فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي ، يعانون ما يعاني بقية الأسرى من التعذيب والتنكيل والاهمال الطبي والحرمان من زيارات الأهالي ، غير أن اليوم وبعد أحداث السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023 م ، بدأ اعتقال أسرى غزة يأخذ منحى آخر أشد قتامةً وسواداً داخل سجون الاحتلال ، سلسلة تكاد لا تنتهي من الانتهاكات والجرائم التي تنفذ بشكل ممنهج وتحظى برعاية من أعلى المستويات في دولة الاحتلال ، انتقاماً لما بات يعرف بطوفان الأقصى .
واليوم ، وبسبب حرب الإبادة التي تمارسها دولة الاحتلال بحق قطاع غزة وأهله ، وفي إطار استمرار الاحتلال تنفيذ جريمة الإخفاء القسري بحقّ المئات من معتقلي غزة ، أصبحت أعداد أسرى غزة بالآلاف ، غير أن الأرقام الرسمية التي تقدمها المؤسسات الحقوقية الفلسطينية عن أعداد الأسرى والمعتقلين في داخل السجون ، لا تشمل الكثير من أسرى غزة ، فلا احصائيات دقيقة عن أعدادهم ، سوى ما أعلنت عنه إدارة السّجون في بداية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بأنّ هناك (1627) معتقلا من غزة ممن يصنفهم الاحتلال (بالمقاتلين غير الشرعيين) ، علماً أنّ هذا المعطى لا يتضمن كافة المعتقلين من غزة ، وتحديداً من هم في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال ، وأبرزها معسكر سدي تيمان ، الذي ذاع صيته بنهج التعذيب والاجرام الذي كان يمارس بحق المعتقلين داخله ، حتى أن البعض أطلق عليه اسم " معتقل غوانتانامو الإسرائبيي " ، والذي شهد خلال الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة ، من حرب الفرقان و العصف المأكول على اعتقال المئات من الفلسطينيين من قطاع غزة ، غير أن معركة طوفان الأقصى أزالت الكثير من خبايا هذا المعتقل سيئ السمعة التي لم يكشف عنها النقاب سابقاً.
معتقل سدي تيمان وتعني باللغة العربية " حقل اليمن " ، هو قاعدة عسكرية إسرائيلية في صحراء النقب جنوبي إسرائيل ، وفي حربها على غزة عامي 2008 و2014 أقام جيش الاحتلال الإسرائيلي معسكرات اعتقال في القاعدة لمئات الأسرى الفلسطينيين من القطاع ، لكن منذ الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي ، تم تحويل القاعدة بشكل جزئي الى معتقل بعد تمرير بعض قوانين الكنيست، وأقيمت 4 أقسام بداخله ، يتسع كل منها إلى 200 أسير ، اعتقل الجيش الإسرائيلي فيها مئات الفلسطينيين من قطاع غزة ، ومارس بحقهم أبشع أنواع التعذيب والتنكيل ، حتى كانت حادثة الاغتصاب التي تعرض لها أسير من غزة لم يذكر أسمه ، وقام بها مجموعة من الجنود داخل المعتقل ، فتحت هذه الحادثة الباب على كم الانتهاكات التي تمارس بحق الاسرى ، وكشفت واقعاً مرعباً لا يمكن تخيله .
ويعتبر معتقل " سدي تيمان "، إحدى المحطات الكبرى لعمليات التعذيب الوحشية والجنسية والتجويع والجرائم الطبية، التي حدثت بحق أسرى غزة خلال الحرب، وهو نموذج لسياسات الاحتلال العنصرية التي عملت بها المنظومة الاسرائيلية وبتعليمات مباشرة من وزير الداخلية المتطرف بن غفير .
ووفقاً للبيانات التي سمح جيش الاحتلال بنشرها ، فهناك نحو 700 معتقل يتواجدون في معتقل سدي تيمان ، كما أعلن الجيش عن استشهاد 36 معتقلاً من قطاع غزة داخل المعتقل ، وحسب تقديرات أخرى فإن هناك الآلاف من المعتقلين من قطاع غزة يتواجدون داخل المعتقل ، يعيشون ظروفًا في غاية القساوة والصعوبة، ويستخدم الاحتلال بحقهم أشكالًا مختلفة من التعذيب ، منها اذلالهم من خلال تعريتهم بشكل مقصود ، وإبقاؤهم مكبلي الأيدي والأعين طوال الوقت ، واستخدام أساليب الشبح المختلفة بحقهم، وحرمانهم من العلاج، وتصويرهم بشكل مهين، وحرمانهم من النوم وإطلاق الكلاب البوليسية عليهم لتنهش لحمهم، عدا عن الاعتداءات الجنسية التي يتعرض لها الأسرى، بالإضافة إلى تقديم وجبات طعام بنوعيات رديئة للغاية وبكميات قليلة جدًا ، وحرمانهم من أدنى حقوقهم الإنسانية كتوفير الملابس ، والمنع من الاستحمام لفترات طويلة جدًا ، والتعرض لدرجة الحرارة العالية ، وإجبارهم على الركوع على الأرض البحصية أو على الإسفلت، ويقضي الأسرى أيامهم وهم مقيدو اليدين ومعصوبو الأعين طوال النهار، ولا يسمح لهم بالحديث مع بعض، ومن يتحدث ينال عقابه الشديد .
وفقاً لتقارير حقوقية وإعلامية إسرائيلية ، أشارت هذه التقارير ، إلى أن الجنود في معسكر سدي تيمان ارتكبوا في هذا المعسكر انتهاكات حقوقية فظيعة في حق المعتقلين ، وهو ما صرحت به المديرة التنفيذية لمركز الدفاع عن الفرد " هموكيد " جيسيكا مونتيل ، لمحطة البي بي سي إن المؤسسة قدمت عريضة للمحكمة العليا لإغلاق سجن "سدي تيمان" الذي يعتبر غير مؤهل للبشر ، حيث يتم احتجاز الأسرى مكبلي الأيدي على مدار 24 ساعة ، ولا يحصلون على ما يكفي من الطعام، ويتعرضون للعنف الشديد الناتج عن الاكتظاظ، وبعض حالات التعذيب تنتهك الحد الأدنى من المعايير.
في ديسمبر/كانون الأول 2023 بدأت أول التقارير عن هذه الانتهاكات تظهر، إذ تحدثت صحيفة هآرتس الإسرائيلية آنذاك عن حالات تعذيب للأسرى في هذا المعسكر، ثم تلتها فيما بعد تقارير إعلامية وحقوقية أخرى في السياق نفسه ، فبينت مجموعة من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية أن هناك أدلة كبيرة تراكمت حول ما يحدث في معتقل سدي تيمان من انتهاكات وأوضاع قاسية يعاني منها المعتقلين ، فيتم تكبيل أطرافهم بصورة أدت إلى بتر الأعضاء، وتعصيب العينين لفترات طويلة حتى أثناء تقديم العلاج الطبي وقضاء الحاجات، واحتجاز بعض المعتقلين تحت طائلة الضرب والانتهاكات ، وإجراء العديد من العمليات الجراحية دون تخدير ، وعليه طالبت هذه المنظمات بوقف تعذيب المعتقلين في معتقل "سدي تيمان" وإغلاق المعتقل .
و أشارت صحيفة " هآرتس " الإسرائيلية ، أنها حصلت على شهادات من داخل المعسكر تفيد أن أفراداً من الوحدة 100 ( الوحدة العسكرية بالجيش الإسرائيلي التي تتولى حراسة الأسرى في المنشأة ) قد شاركوا في حوادث عنيفة عدة تجاه الأسرى الفلسطينيين ، وأضافت إفادة جندي خدم في سدي تيمان بأن الوحدة استخدمت العنف ضد المعتقلين، وفي إحدى المرات أمروا الجميع بالاستلقاء على الأرض وألقوا على الفور قنبلة صوتية في وسط الزنزانة ثم ركلوهم بعنف ، كما أضاف الجندي أيضا أن الجنود كانوا أحيانا يسحبون المعتقلين جانبا ويعتدون عليهم بعنف، وقال: ضربوهم بالهراوات، ورأيت أسنانا وضلوعا مكسورة".
وأشارت الصحيفة في حينه إلى أن 36 أسيرا فلسطينيا قتلوا في "سدي تيمان" منذ بداية الحرب الإسرائيلية في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
كما كشف تقرير للأمم المتحدة، استند على مقابلات مع معتقلين أفرج عنهم، أن آلافاً من الفلسطينيين ممن اعتقلوا في غزة ، اقتيدوا قسرا إلى مراكز اعتقال في إسرائيل حيث تعرض الكثير منهم للتعذيب ولقي العشرات منهم حتفهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي .
وأفاد التقرير بأن كثيراً من أولئك الذين اعتقلوا في غزة منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول تم اعتقالهم من نقاط تفتيش خلال فرارهم من الهجوم العسكري الإسرائيلي، أو في المدارس والمستشفيات التي كانوا يحتمون بها.
وأضاف التقرير أن المعتقلين كان يتم في كثير من الأحيان تعصيب أعينهم وتصفيد أيديهم قبل نقلهم إلى إسرائيل ووضعهم في مراكز عسكرية "أشبه بالأقفاص" وإجبارهم على البقاء لفترات طويلة عراة.
لاحقاً وفي ضوء التقارير الإعلامية الصادرة عن معسكر سدي تيمان ، أتاحت هذه التقارير للطواقم القانونية بالكشف عن أماكن احتجاز المعتقلين، وتنفيذ زيارات محدودة لبعض معتقلي غزة ، فبدأت الشهادات الصادمة تتكشف وتتصاعد ، وقد وثقت العديد من المؤسسات الحقوقية عشرات الشهادات لمعتقلين غزة عن جرائم التّعذيب الممنهجة التي استخدمت بحقّهم ، في مختلف أماكن الاحتجاز بما فيها السّجون المركزية إلى جانب المعسكرات ، والتي أدت إلى استشهاد العشرات من معتقلي غزة، الذين يواصل الاحتلال إخفاء هوياتهم، إلى جانب عمليات الإعدام الميداني.
في شهادات حية، وثقت الجانب المفزع مما يتعرض له أسرى غزة في معتقل سدي تيمان، نقل الأسير المحرر وليد أنور الخليلي من قطاع غزة، شهادة مروعة لما يتعرض له الأسرى داخل المعتقل.
وقال الخليلي الذي أفرج عنه مؤخرًا من معتقل “سدي تيمان”، في شهادة للتلفزيون العربي، إن الأسرى هناك يصرخون بشكل هستيري من شدة التعذيب، مؤكدًا استشهاد عدد منهم تحت التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له، وكشف الخليلي أن 3 أسرى داخل المعتقل استشهدوا وهم معلقون من أرجلهم، مشيرًا إلى أن الأسرى يعلقون من أرجلهم لساعات طويلة أثناء التحقيق، وأردف قائلا: أن جنود الاحتلال أخبروه أنه وباقي الأسرى، سيكون مصيرهم الموت داخل المعتقل.
وكان من أبرز الشهادات التي وصفت واقع معتقل سدي تيمان، شهادة المعتقل الصحفي محمد عرب، وهو الأسير الوحيد الذي تمكن المحامي خالد محاجنه من زيارته في معتقل سدي تيمان.
قال الاسير عرب، أن إدارة معسكر سدي تيمان تُبقي المعتقلين مقيدين على مدار 24 ساعة، ومعصوبي الأعين،
يتعرضون لعمليات تعذيب وتنكيل واعتداءات بمختلف أشكالها ومنها اعتداءات جنسية، ومنها عمليات اغتصاب أدت مجملها إلى استشهاد معتقلين، كما أنّ عمليات الضرّب ، والتّنكيل، والإذلال، والإهانات لا تتوقف، ولا يُسمح لأي معتقل الحديث مع أي معتقل آخر، ومن يتحدث يتم الاعتداء عليه بالضرّب المبرّح، حتى أصبح المعتقلين يتحدثون مع أنفسهم .
ويحاط الأسرى بالكلاب البوليسية على مدار الوقت، ويُسمح لكل أربعة معتقلين استخدام دورة المياه لمدة دقيقة، ومن يتجاوز الوقت يتعرض “للعقاب”، وينامون على الأرض، ويستخدمون أحذيتهم كمخدات للنوم.
وبالنسبة للاستحمام، كشفت شهادات الأسرى أنّ الوقت المتاح مرة واحدة في الأسبوع لمدة دقيقة، ويُمنع النوم خلال النهار، أما على صعيد الطعام فهو عبارة عن لقيمات من اللبنة، وقطعة من الخيار أو البندورة وهي الوجبة التي تقدم لهم على مدار الوقت، كما أن العديد من المرضى والجرحى بُترت أطرافهم، وتمت إزالة الرصاص من أطرافهم دون تخدير”.
وضمن سلسلة شهادات لأهال من قطاع غزة انتزعوا حريتهم، في الـ19 من شهر كانون الثاني/يناير الماضي، بعد اعتقالهم من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي، كشف عدد منهم عما تعرّض له الأسرى من تعذيب قاسٍ وإجراءات تعسفية مروّعة، خلال احتجازهم في أماكن مجهولة.
وأفاد الأسرى المحررون بأن الجيش الإسرائيلي ينفذ جرائم مروعة بحق معتقلي غزة، "كمطالبتهم بالنباح قبل إعطائهم وجبات الطعام، أو ترداد أغان خاصة بإسرائيل وبصوت عال. فضلا عن عمليات التعذيب والتنكيل بحقهم".
في شهادته ، قال الأسير المحرر الطفل خالد محمد نظمي جنيد ( 14 ) عام ، من جباليا البد / شمال قطاع غزة وكان قد أعتقل مع اخوته من منزلهم في جباليا بتاريخ 11/2/2024 ، أنهم تركوا لساعات في البرد الشديد قبل أن يتم نقلهم إلى سجن البركسات في منطقة بئر السبع ، وفي الليلة الأولى لاعتقاله اقتيد إلى غرفة التحقيق التي كانت عبارة عن غرفة صغيرة جدا متر بمتر وأرضيتها من الحصى والأرض كانت ممتلئة بالمسامير الحديدية وكان الطفل لا يزال بدوم ملابس بعد انتزاعها منه من قبل الجنود أثناء الاعتقال ، نام في هذه الزنزانة مدة أربعة أيام متواصلة تعرض فيها للضرب والتعذيب والرش بالمياه الباردة ، وهو لا يستطيع أن يقوم بأي شيء .
وأشار الطفل خالد أن من أساليب التعذيب التي تعرض لها خلال التحقيق أيضا أن الضابط كان يطفئ السيجارة في أذنه بالإضافة إلى سكب الكلور الحامي على جسده.
بعد السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023 شن الاحتلال أكبر الحملات الاعتقالية بحق الالاف من أبناء الضفة الغربية والقدس وأراضي ال48 ، وصلت الى ما يزيد عن 10 آلاف و 700 حالة اعتقال ، وشملت مختلف الفئات من أبناء الشعب الفلسطيني ، من الرجال وكبار السن والنساء والأطفال ، لكن هذه الأرقام لا تشمل آلاف المعتقلين من قطاع غزة بعد حرب الإبادة ، حيث يحتجزهم الاحتلال تحت بند " المقاتل غير الشرعي " ويحرمهم من كافة الحقوق الانسانية والقانونية بما في ذلك زيارة المحامين والمؤسسات الدولية التي تغيب تماما عن ما يحدث للأسرى هناك ، متنكراً بذلك لكل الاتفاقيات والعهود الدولية التي تصون حق أسرى الحرب .
وقد أشارت عدة مؤسسات حقوقية فلسطينية ، كهيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني ، أن المنظومة القضائية للاحتلال الإسرائيليّ، قد ساهمت في ترسيخ جريمة الإخفاء القسريّ وأباحت استخدام جرائم التّعذيب بحقّ معتقلي غزة ، وذلك من خلال احتجاز الآلاف من معتقلي غزة استنادا لقانون (المقاتل غير الشرعي) الذي أصدره الكنيست عام 2002 ، ومع بداية حرب الإبادة ، أدخل الاحتلال تعديلات قانونية على قانون «المقاتل غير الشرعي» وهو أشبه بالاعتقال الإداريّ، ومن أبرز هذه التعديلات، تمديد توقيف المعتقل لمدة (45) يوماً، وإتمام مراجعة القضائية بعد (75) يوما، ومنع المعتقل من لقاء المحامي لمدة (180) يوما، مع الإشارة إلى أنّ الاحتلال رفض السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة المعتقلين والأسرى في السّجون والمعسكرات.
يعتبر معتقل سدي تيمان المحطة الأولى من محطات التعذيب التي يمر بها أسرى غزة، لكن هذه المعاناة تستمر وتتوالى مع نقلهم الى معسكرات أخرى يتواجد فيها أسرى غزة، وأهمها قاعدتا عناتوت وعوفر في الضفة الغربية ، كما يتواجد عدد منهم في معتقل عتصيون.
في شهادات عكست الفظائع المستمرة بحق الأسرى الغزيين في سجن عوفر ، أشار عدد من الأسرى قولهم إنّ ما يتعرّضون له في السجون الإسرائيلية هو فاشية مطلقة ، ومعاملة تتجرد من كل قيم الإنسانية والأخلاق ، وأضافوا أن رحلة المعاناة تبدأ منذ لحظة الاعتقال، مرورا بالنقل في العربات والشاحنات العسكرية ، ويتم التنكيل بالأسرى بكل الوسائل والطرق .
في شهاداتهم عن ما مروا به في الاعتقال، أشار كلٌ من الأسرى، محمد جاموس (44 عامًا)، الذي اعتقل منذ 3 مارس/ آذار الماضي، والمعتقل الإداري فادي عياد (39 عامًا)، والأسير فادي هويدي (38 عامًا)، الى حجم الاجرام الذي مورس ضدهم وضد بقية الأسرى، وتحدث المعتقلون عمّا تعرّضوا له من وحشية على يد قوات الاحتلال، حيث أُجبروا على خلع ملابسهم، وتعرّضوا للضرب والتعذيب والتنكيل، وتقييد الأيدي والأرجل، وعصب العيون.
وقال المعتقلون إنّهم لا يُصدّقون أنّهم لا يزالون على قيد الحياة، "بعد أنّ حوّلتهم هذه الوحوش المسعورة لفرائس تلذّذت بجوعنا وعطشنا وصراخنا ومرضنا".
وأضاف الأسرى أنّهم يمضون وقتهم منذ لحظة اعتقالهم "جالسين على أقدامهم أو منبطحين على بطونهم، وممنوعين من التعبير عن الألم والوجع مهما تعرّضوا للتعذيب".
وقالوا استخدم جنود الاحتلال الكلاب: في الاعتداء علينا وترهيبنا، بالإضافة إلى الغاز المسيل للدموع وغاز الفلفل الذي كانوا يضخّونه داخل غرفنا دون أي سبب ، حتى أنّ غالبية أسرى غزة فقدوا الوعي مرات عديدة تحت الضرب".
وأكدوا أنّهم كانوا شاهدين على استشهاد عدد من الأسرى تحت الضرب، منهم الأسير الشهيد إسلام سرساوي، وأوضحوا أنّ جميع الأسرى اليوم "مرضى بعد أن أُنهكت أجسادهم، وباتوا فريسة للمرض والاصابات من جرّاء الضرب والتعذيب في ظل الحرمان من العلاج والأدوية".
المتابعات المستمرة لعدد من المؤسسات الحقوقية الفلسطينية ، بينت أن هناك تصاعداً جديداً في أعداد معتقلي غزة ، مع استمرار حرب الإبادة واستمرار عمليات الاعتقال في شمال غزة، ووفقا لإعلان الاحتلال مؤخرا فإن حصيلة عمليات الاعتقال في شمال غزة تجاوزت الألف حالة اعتقال.
وضمن شهاداتهم أفاد أسرى غزة في معسكر عوفر أن إدارة المعسكر وبشكل ممنهج تستخدم فتحة الزنازين (لعقابهم) ، ويتم ذلك من خلال إجبار المعتقلين المقيدين بإخراج أيديهم حتى الإبط من فتحة الزنزانة، وقيام السّجانين باستخدام عدة أدوات بضرب أيدي المعت
مواد مشابهة
أجنة خلف القضبان:ثلاث أسيرات حوامل يواجهن الجوع والقمع في سج...
تحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من ناب...
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي: من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...