ما يقارب الـأربع شهور مكث الطبيب محمد ظاهر في سجون الاحتلال بعد اعتقاله بتاريخ 25-10-2024 من مسجد الشهيد كمال عدوان بعد حصار واقتحام مستشفى الشفاء ؛ متنقلا بين عدة محطات للاحتجاز والاعتقال، كانت البداية في منطقة "الجحيم" شرق جباليا وهي عبارة عن معسكرات لتدريب الجيش وفيها تعرض للضرب والتعذيب، والمحطة الثانية كانت في سجن سيدي تيمان الشاهد على عذابات الاسرى الغزيين وفيه استشهد العديد منهم.
تنقل الطبيب محمد بين عدة سجون من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب حتى تحرر في الدفعة السابعة من صفقة التبادل بين الاحتلال والمقاومة ليروي في شهادته لمؤسسة العهد الدولية عن رحلة العذاب التي عاشها الكادر الطبي تحديدا في الاعتقال.
جولات من التحقيق والتهمة طبيب
خلال جولات التحقيق المتكررة وجهت للطبيب محمد ظاهر عدة تهم كلها تتمحور حول تقديم العلاج للجنود المعتقلين لدى المقاومة، وتهمة الانتماء لمنظمة إرهابية؛ يقول الطبيب في رده على هذه التهم التي وجهت له: "لقد اعتقلتموني وأنا على رأس عملي كطبيب داخل المستشفى وإن كنتم تعتبرون المستشفى منظمة إرهابية فأنا فخور لأنني أنتمي لها ".
لم يكن هناك مراعاة للكادر الطبي ولم يفرق الاحتلال بين اسير واخر؛ فلقد تعرض كافة افراد الكادر الطبي للتعذيب الشديد ولربما في مرات عديدة بصورة أشد من بقية الاسرى بسبب ادعاء قوات الاحتلال أن الكادر الطبي لديه معلومات عن الجنود المحتجزين لدى المقاومة، وقد اشرفوا على علاجهم ويعلمون أماكن احتجازهم. وفي هذا الجانب يقول الطبيب محمد ظاهر:" كانوا يعتقدون أننا أشرفنا على علاج جنودهم وقلت لهم خلال التحقيق معي، حتى لو قدمت العلاج كطبيب لأي جندي ولأي شخص لا تستطيع أن تحاكمني بذلك نحن أطباء وهذه مهمتنا وقد أقسمنا أن نؤدي الخدمة لمن يحتاجها، حتى وان حكمت لسنوات طويلة سأخرج وأكمل مهمتي وأعلن للعالم أجمع أن تهتمي كانت طبيب".
والامر الاخر في قضية اعتقال الكادر الطبي حسب ما أفاده الدكتور ظاهر في شهادته لمؤسسة العهد الدولية أن الاحتلال اعتبرهم سبب في صمود الغزيين في شمال قطاع غزة وأنه لولا وجودهم رغم كل محاولات التهجير ما استطاع الناس الصمود.
في كل محطة من محطات السجون اختلفت وتنوعت وسائل التعذيب وكانت أسوأ هذه الأماكن قاعدة نفتالي التي تعرض فيها الاسرى للتعذيب والاذلال والاهانة النفسية إضافة إلى سياسة التجويع الممنهجة فكانت الوجبة التي تقدم للأسير لا تكفي حاجة الطفل الصغير كانت سياستهم قائمة على الإعدام والقتل بالتجويع فعن الطعام الذي كان يقدم لهم يقول الطبيب محمد ظاهر:" في الصباح كان يقدم لنا معلقة لبنة والظهر معلقتين من التونة وفي المساء معلقة لبنة واحدة؛ هذا كان طعامنا على مدار أيام وأشهر طويلة، جمعينا فقد من وزنه الكثير بسبب هذه السياسة" .
شهيد وغرفة الديسكو
من الوسائل التي اعتمدتها إدارة سجن سيدي تيمان في تعذيب الاسرى غرفة "الديسكو" وهي عبارة عن غرفة للتحقيق يتعرض فيها الأسير للموسيقى الصاخبة بشكل مستمر ولأيام متواصلة حسب مزاج المحقق ويبقى الأسير طوال هذه الفترة مقيد اليدين والأقدام ومعصوب العينين ويمنع من النوم بشكل نهائي.
وعن أوضاع الاسرى في منطقة البركسات يقول الطبيب محمد": كان برفقتي ما يقارب ال٥٠ اسير طيلة الوقت كنا مقيدي الايدي والأرجل وممنوع أن نرفع رؤوسنا ولا نملك سوى فرشة لا يتعدى ارتفاعها السنتميتر الواحد وبطانية مهترئة في ظل طقس بارد جدا"
كانت إدارة السجن تتعمد وبشكل يومي أن تسحب الفرشات والبطانيات من الاسرى منذ ساعات الصباح الباكر وتعيدها بعد منتصف الليل ويبقى الاسرى على الأرض وعلى الحديد ويحرمون من التحرك ومن النوم حتى على صعيد ملابسهم كانت مهترئة بالية ولا يملك الأسير أي غيار اخر.
ومن وسائل التعذيب التي مارستها إدارة السجون بحق الاسرى الهيئة التي يجلسون فيها سواء للعدد أو خلال التفتيش فيصف حال الاسرى ويقول:" كانوا يجبروننا الجلوس على الركب كل الساعات والنوم على البطن في ظل طقس بارد جدا وملابسنا مهترئة، كنا نجبر على هذا الحال بغض النظر عن أعمارنا وعن الحالة الصحية للأسرى وعن ظروفهم".
وفي شهادته على استشهاد أحد الاسرى يقول الطبيب ظاهر: كان معنا اسير من ذوي الاحتياجات الخاصة من مخيم جباليا تعرض للتعذيب بصورة كبيرة وكانوا يجبرونه على النوم على بطنه بالرغم أنه كان قعيد ولا يستطيع الحركة ومن شدة تعذيبه أصابه نزيف في مؤخرته ولم يستطع التكلم من شدة وجعه بقي على هذا الحال لعدة أيام حتى استشهد".
وعن هذا المشهد المؤلم يصف مشاعره كطبيب :" كانت مشاهدة وجعه وألمه الأصعب على نفسي لقد رأيته ينزف من مؤخرته وأنا كطبيب لم استطع أن أقدم له أي خدمة وقد طالبتهم أنني كطبيب أستطيع مساعدة الاسرى وتقديم العلاج لهم لكنهم رفضوا ذلك ممنوع عليك في قوانينهم أن تمارس مهنتك".
في إحدى المرات وخلال جولات التحقيق معي اصبت بكسور في يدي وكسور في صدري من التعذيب الذي تعرضت له وكنت اطالبهم أن يعطوني حبة أكامول ويرفضون إعطائي وجوابهم أنني ممنوع من العلاج وممنوع من مقابلة المحامين.
الامراض والحرمان من النظافة الشخصية
منع الاسرى من الاستحمام لفترات طويلة وبعد اشهر سمحوا لكل اسير الاستحمام مرة واحدة كل أسبوع، قاموا بقطع المياه الساخنة والاستحمام فقط بالمياه الباردة والمنشفة الواحدة كان يستخدمها من ٣-٤ اسرى وقطعة صابون صغيرة جدا لكل الاسرى.
الفرشات والبطانيات كانت مهترئة ومتسخة بشكل كبير كل هذا الواقع ساهم في خلق مشكلة الامراض الجلدية لدى الاسرى لاسيما مرض السكابيوس كانت تظهر على أجساد الاسرى بكتيريا ودمامل بصورة كبيرة ، ومع قلة النظافة وعدم تقديم العلاج زادت حالة الاسرى صعوبة وبعض الاسرى تحول لون الجلد عندهم للأسود وظهرت عليه كدمات زرقاء في كافة أنحاء الجسد كانت أشكال الاسرى بالفعل مرعبة ومخيفة للحال الذي وصلوا له.
كان في القسم اسرى كبار بالعمر تجاوزت أعمارهم الثمانين عام ولديهم أمراض مزمنة كالسكري والضغط ويحتاجون عناية ورعاية خاصة هذا إضافة إلى جانب الامراض الموسمية التي كانت تصيب الاسرى كالإنفلونزا والرشح والامراض السابقة التي كانت لدى بعض الاسرى قبل اعتقالهم ولم يتلقوا أي علاج لأي نوع من أنواع الأمراض.
رسالة الحياة له ولعائلته
خلال اعتقال الطبيب محمد ظاهر بعد حصار مستشفى الشفاء تعرض لإطلاق نار بشكل مباشر بعد عراك مع الضابط وظلت تعتقد عائلته أنه قد تم إعدامه ولم تعلم بأنه على قيد الحياة إلا بعد ثلاثة أشهر بعد تحرر أحد الاسرى الذين كانوا برفقته.
هم يحاولون كسرنا بكل طريقة وتحطيم معنوياتنا فطوال الثلاث شهور وأنا أعلم أن زوجتي وأولادي قد استشهدوا، وكانوا خلال جولات التحقيق يخبرونني أن عائلتك وأثناء خروجهم من المنزل وقع قصف بجانبهم وقد قتلوا على اثره. فيقول الطبيب عن هذه اللحظات الصعبة:" خلال اعتقالي التقيت بأحد الاسرى الذين اعرفهم وكان يعمل في الدفاع المدني سألته عن أولادي هل تم دفنهم استغرب من سؤالي وأخبرني أن اولادي علي قيد الحياة لم استطع تصديق الخبر واخبرته انا انسان قوي وقد فقدت الكثير من عائلتي شهداء لذلك اخبرني هل دفنوا أولادي فاقسم لي أن هم بخير".
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...