السبت 9 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

أمهات في ظلال القضبان: حكايات الصمود والألم من سجون الاحتلال

21 مارس 2025 قراءة 6 دقيقة

في ظلال السجون القاتمة، حيث يُخنق الضوء قبل أن تُسلب الأرواح، تتراءى الأمهات الفلسطينيات كأشجار زيتونٍ شامخة، تتحدى الرياح والاقتلاع بجذورٍ ضاربة في عمق الوطن. قلوبهن معلقة بين أملٍ يزحف ببطء وألمٍ يعتصر الروح، حيث ينتظرن أبناءهن خلف القضبان أو يتشبثن بحريتهن المسلوبة. تحت وطأة الصمت والقسوة، ينسجن من صبرهن حكايات صمودٍ ترويها الجدران، في مشهدٍ يوميّ يصرخ بصوتٍ مكتوم، يبحث عن ضميرٍ عالميّ يصغي.

في يوم الأم، حيث تتفتح القلوب للاحتفاء بعطاء الأمهات، تظل 14 أمًا فلسطينية رهينات جدران السجون القاتمة، محرومات من أبسط حقوقهن الإنسانية: عناق أبنائهن. في زنازين الاحتلال، تقبع 25 أسيرة فلسطينية، يعانين ظروفًا تنوء تحت وطأتها الأرواح، تاركات خلفهن عشرات الأطفال يتامى الأحضان، يفتقدون دفء أمهاتهم في صمت موجع.

المرأة الفلسطينية صبر على العذابات وصمود في وجه المحن

كانت الأشهر الأخيرة فصلًا داميًا في قصة المرأة الفلسطينية، حيث تصاعدت الانتهاكات كسياط تنهال على أجسادهن وأرواحهن، في ظل حرب إبادة جماعية تطال الشعب الفلسطيني في كل أرض يقيم عليها. الأسيرات، ومنهن الأمهات، يعشن قهرًا لا ينتهي، وسط تنكيل يومي يمزق كرامتهن وينتهك إنسانيتهن، دون أن يرف جفن للمحتل أو يتحرك ضمير العالم. ومنذ فجر هذه الحرب الظالمة، انطلقت حملات اعتقال واسعة ابتلعت عشرات الآلاف من الأرواح، بينهم 500 امرأة فلسطينية، بعضهن أمهات، وبعضهن رهائن تُستخدمن كأدوات ضغط لكسر إرادة أحبائهن.

تبدأ مأساة الأم الفلسطينية مع اقتحام جنود الاحتلال لملاذها الآمن في جنح الليل، حيث تُنتزع من بين أطفالها بعنف، تحت وميض السلاح وصرخات الصغار التي تملأ الفضاء رعبًا. لا تتوقف رحلة عذابها عند الاعتقال، بل تمتد إلى لحظات النقل والتحقيق القاسية، حيث تُساق إلى الزنازين وسط الإهانات، وتُعذب نفسيًا وجسديًا في مسرحية من الوحشية. ومنذ بدء هذه الحرب، حُرمت الأسيرات من لقاء أهلهن، عُزلت عن العالم الخارجي، ومُنع الصليب الأحمر من زيارتهن، فيما وضعت العراقيل أمام المحامين، لتبقى الأم الفلسطينية في سجنها وحيدة، تحمل في قلبها حنينًا لا ينطفئ وألمًا لا يُحتمل.

هكذا تستمر مأساة الأم الفلسطينية: اعتقال يسرق حريتها، عزلة تقتل أملها، ومعاناة تُخلف في الروح ندوبًا لا تُمحى، في صورة تتكرر يومًا بعد يوم، تناشد ضميرًا عالميًا ما زال صامتًا.

رحلة العذاب في مراكز التحقيق

بعد أن تُنتزع الأسيرات من أحضان بيوتهن، تبدأ فصلًا جديدًا من المعاناة في مراكز التحقيق التابعة للاحتلال. هناك، تُساق النساء إلى دوامة من القسوة: ساعات طويلة من الوقوف في ظروف تفتقر إلى أدنى معاني الإنسانية، يُحرمن خلالها من النوم والطعام، ويُواجهن تهديدات متواصلة بالعنف بكل أشكاله، كل ذلك بهدف انتزاع اعترافات أو معلومات تحت الضغط. وفي ظل هذا الجحيم، تُمنع الكثيرات من لقاء محاميهن، فتتفاقم آلامهن، تاركة ندوبًا عميقة في أجسادهن وأرواحهن، لا تُمحى بمرور الزمن.

سجن الدامون: زنزانة القهر والحرمان

في أروقة سجن “الدامون”، حيث تحتجز الغالبية العظمى من الأسيرات الفلسطينيات، تتكثف مأساة الإنسانية. ازدادت ظروف هذا السجن قسوة بعد السابع من أكتوبر، لتصبح جحيمًا لا يُطاق، خاصة في الأسابيع التي تلت ذلك اليوم. تتعرض الأسيرات لاعتداءات متواصلة: عزل انفرادي يخنق أرواحهن، تنكيل ممنهج من وحدات القمع، ومصادرة ممتلكاتهن الشخصية، حتى أُجبرت بعضهن على النوم على الأرض الباردة لنقص الأغطية والملابس. في ظل البرد القارس، تبقى الأسيرات أسيرة ملابس اعتُقلن بها، دون تغيير، بينما تُمارس إدارة السجن سياسة التجويع، فتحرمهن من شراء الطعام وتقدم لهن وجبات هزيلة تفتقر إلى الكم والجودة، إلى جانب الإهمال الطبي المتعمد الذي يفاقم معاناتهن.

الجرائم الطبية: أرواح تُزهق في صمت

في ظل جدران السجون، تستمر سياسة الإهمال الطبي كجريمة ممتدة عبر عقود، تُحرم الأسيرات من الرعاية اللازمة رغم أمراضهن المزمنة أو إصاباتهن الناتجة عن الاعتقال. تُمنع الأدوية عنهن، ويُؤخر العلاج حتى تتفاقم حالاتهن، في انتهاك صارخ لحقوقهن الإنسانية. ومن بينهن ريماء بلوي من طوباس أم حامل في شهرها الثالث، أم لطفلتين، تُصارع ظروفًا صحية صعبة وسط إهمال متعمد. لا فحوصات طبية، ولا رعاية كافية، ولا غذاء يلبي احتياجاتها أو جنينها. هكذا، تُترك هذه الأم وغيرها في مواجهة مصير مجهول، بين ألم جسدي وحرمان نفسي، في ظل صمت عالمي يزيد من وطأة معاناتهن.

أمهات الأسرى: قلق يعانق السماء وصمت يقطع الأوصال

في ظلال السجون الحديدية، حيث يُسجن الضوء قبل الأجساد، لا يقتصر الألم على الأسرى المكبلين بالقيود، بل يتسلل كالظل الثقيل ليغمر قلوب عائلاتهم، ويتربع على صدور أمهاتهم خارج الأسوار. آلاف الأمهات الفلسطينيات يحملن في أرواحهن قلقًا لا يهدأ، كطائر جريح يرفرف بين ضلوعهن، عيونهن معلقة بأفق بعيد، تبحث عن خبر يحمل نسمة أمل، أو صوت ابن يعانق مسامعهن عبر جدران الصمت. لكن الأسرى، جميعهم دون استثناء، يعيشون في عزلة قسرية، محرومين من أبسط خيوط التواصل مع أحبائهم، بفعل إجراءات احتلالية قاسية تقطع أوردة الحياة بين القلوب، وتترك الأمهات في دوامة من الترقب والحنين.

قصص من دماء القلب

ومن بين هؤلاء الأمهات الأسيرات، تتساقط حكايات كالدموع على صفحات الزمن، كل قطرة تحمل وجعًا لا يُروى. هناك حنين جابر من طولكرم، أم لشهيدين، تحمل في صدرها جرحين نازفين، كأن القدر كتب عليها أن تعيش موتًا مضاعفًا، ومع ذلك تقاوم بصمتها السجون. وفي زاوية أخرى من الظلام، تكابد فداء عساف من قلقيلية آلام السرطان، في زنزانة باردة تحولت إلى شاهد على صراعها المزدوج بين المرض والأسر، كأنها تحارب جيشين بجسدٍ واحدٍ منهك.

وفي الخليل، تقاسمت شقيقتان، إيمان وأفنان زهور، مصيرًا مريرًا، أمهات معتقلات يفترشن الأرض الباردة ويلتحفن سماء لا تعرف الرحمة، كأن الأخوة في الأسر أصبحت نغمة حزينة في أغنية الوطن. ومن نابلس، تتشابك أيدي أم وابنتها، دلال الحلبي وإسلام، في قيد واحد، كأن الاحتلال أراد أن يسجن الأمومة ذاتها، ويحرمها حتى من لحظات العناق. وهناك آية الخطيب، التي اعتقلت قبل السابع من أكتوبر، لا تزال تنتظر بصيص حرية كشمس لم تشرق بعد، في انتظار يمتزج بالصبر والألم.

اعتقالات غزة: جرح ينزف في صمت

وبعد حرب الإبادة التي اجتاحت غزة كعاصفة سوداء، والتوغل البري الذي مزق أوصال الأرض، تعرضت نساء فلسطين لاعتقالات وحشية، كجزء من سياسة انتقامية تستهدف الروح قبل الجسد. أمهات، طالبات، ناشطات، وحتى قاصرات، جُررن إلى المجهول في ظروف لا تطيقها الإنسانية، تحت وطأة سياسة الاختفاء القسري التي حجبتهن عن العالم، كأنهن أصبحن أشباحًا بلا أثر. لم تُحصَ أعدادهن بدقة، لكن أوجاعهن تُكتب بحبر الدم على جدار الصمت.

ومن بين هذه القصص المؤلمة، تبرز حكاية سهام أبو سالم أسيرة مسنة من غزة، كشجرة زيتون عتيقة تقاوم الاقتلاع. اعتقلت مع بناتها الاثنتين، كأن الاحتلال أراد أن يسلبها عائلتها قطعةً قطعة. وبعد أمد طويل، أُطلق سراح إحدى ابنتيها، لكن الأم ظلت رهينة الجدران، تحمل في جسدها المنهك آثار الزمن والأمراض، تفاقمها الجرائم الطبية التي تُمارس في صمت. إنها ليست مجرد أسيرة، بل رمز لأمومة تُسجن وتُعذب، ومع ذلك تظل واقفة كجبل يتحدى الريح.

في هذا الواقع القاتم، تظل أمهات الأسرى يعشن بين الألم والأمل، كشموع تحترق لتنير الدرب لأبنائهن، في انتظار لحظة تتحطم فيها القيود، وتعانق فيها القلوب بعضها بعضًا، تحت سماء حرة تحمل عبير العدالة.

مواد مشابهة