منذ بداية الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين قام باعتقال مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، وأقدم على محاكمتهم أمام المحاكم العسكرية كمجرمين، ولم يعترف قط بأنهم في معظمهم، ينطبق عليهم تعريف أسير حرب، وبالتالي لا تجوز محاكمته، وإنما يجب الإفراج عنه بشكل فوري بعد انتهاء الأعمال العدائية (المادة 118 من اتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949).
كما رفضت دولة الاحتلال معاملة المقاتلين الفلسطينيين بموجب اتفاقية جنيف الثالثة، على اعتبار أن صفة أسرى الحرب لا تنطبق إلا على أفراد القوات المسلحة وأعضاء حركات المقاومة المنظمة لأحد أطراف النزاع ، وبما أن المقاومين الفلسطينيين لا ينتمون إلى أي دولة، فإنهم غير مؤهلين للحصول على الوضع القانوني لأسرى الحرب باعتبارهم مقاتلين غير شرعيين ، ولا يتطلب الأمر لاحتجازهم في السجن – حسب القانون الإسرائيلي- أكثر من أمر اعتقال موقّع من رئيس الأركان.
وخلال عقود ، دأبت قوات الاحتلال الإسرائيلية على اتباع سياسة الاعتقال بشكل منهجي وواسع النطاق بحق الفلسطينيين ، وبحسب تقرير أممي، بلغ عدد الذين اعتقلتهم إسرائيل منذ عام 1967 وحتى 2006 قرابة 800 ألف شخص، بينما وصل عدد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية نهاية أغسطس/آب 2023 ( أي قبل معركة طوفان الأقصى بشهر واحد) حوالي 5 آلاف فلسطيني، بينهم أكثر من ألف معتقل إداري بدون محاكمة.
يشكّل ملف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي واحدة من القضايا الأكثر إلحاحًا في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث يعاني المعتقلون من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تتراوح بين التعذيب النفسي والجسدي، مرورًا بالعزل الانفرادي، وانتهاءً بالإهمال الطبي المتعمد ، ورغم الإدانات الحقوقية الدولية ، تمضي إسرائيل في سياسات التضييق بحق الأسرى ، مستندة إلى قوانين وتشريعات تشرعن هذه الانتهاكات.
شرعنه الانتهاكات والتعذيب
في 1 مارس/آذار 2023 صادقت الهيئة العامة للكنيست في قراءة تمهيدية على اقتراح قانون للعقوبات ينص على عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين ، يقف وراءه حزب "الصهيونية الدينية" الذي يتزعّمه بتسلئيل سموتريتش ، ويعتبر هذا المشروع أحد بنود اتفاق تشكيل الائتلاف الحكومي مع حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو، وحزب قوة يهودية بزعامة إيتمار بن غفير، ورغم أن القانون لم يمرر، واعتبرته أوساط سياسية إسرائيلية أنه شعبوي، فإنه يشكل بيئة خصبة للعنف والتعذيب المنظم ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين ، تمامًا كما أن وصف وزير الدفاع الإسرائيلي لسكان قطاع غزة بأنهم حيوانات بشرية يعني أمرًا واحدًا بالنسبة للجنود أو السجانين: أنهم يجب قتلهم إما بالقصف أو التجويع أو التعذيب حتى الموت.
الانتهاكات الممنهجة لحقوق الأسرى الفلسطينيين هي تعبير عن سياسة انتقامية تجاه الأسرى ، قادها وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير منذ ما قبل 7 أكتوبر، والتي تهدف إلى الإضرار بظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية من خلال التشريعات القانونية، والتي من ضمنها ، إصدار تعديل على قانون الاعتقال الاداري ، يقضي بإلغاء الافراج المبكر عن الأسرى الفلسطينيين وقانون سحب الجنسية والإقامة من أسرى ومحررين مقدسيين ومن الأراضي المحتلة عام 1948، ومشروع قانون يقضي بترحيل عائلات الأسرى والشهداء ، كما أصدر " بن غفير " قرارات بهدف التضييق على الأسرى ، كمنع الأسرى من العلاج ، فقد صادقت ما تسمى " بالهيئة العامة للكنيست " بالقراءة التمهيدية ، على مشروع قانون يهدف إلى حرمان الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال من تلقي العلاج وإجراء العمليات الجراحية ، كذلك أمر " بن غفير " بإغلاق مخابز " البيتا " في السجون ، بالإضافة إلى إصدار قانون تقليص المياه عن الأسرى حيث تم وبتوصية من بن غفير، أصدرت السجون قراراً بالتحكم بكمية المياه في أقسام الأسرى، وقطع المياه الساخنة عنهم، ووضع أقفال على الحمامات المخصصة للاستحمام، كذلك تقليص المدة التي يمكن للأسرى الاستحمام فيه.
التعذيب كأداة للقمع
وثّقت تقارير حقوقية عديدة استخدام التعذيب كأداة لقمع الأسرى الفلسطينيين، بما في ذلك الضرب المبرح، الحرمان من النوم، التقييد لفترات طويلة، والضغوط النفسية الشديدة. كما اتهمت جهات حقوقية إسرائيل باستخدام سياسة الإهمال الطبي كأداة تعذيب عبر حرمان المعتقلين من الفحوصات والعلاجات الطبية وحجب المعلومات الطبية الحيوية، كما تطرقت منظمة الصحة العالمية -في تقرير لها نشر في مايو/أيار 2023- إلى السياسات التي تتبعها إسرائيل بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، ابتداء من غياب البروتوكولات الموحدة المتعلقة بالتحقيقات الطبية والعلاج في مرافق السجون، وصولاً إلى سياسة الإهمال الطبي خاصة مرضى السرطان وأصحاب الأمراض المزمنة الذين لا يحصلون على العلاجات والأدوية اللازمة.
وأشارت منظمة الصحة أيضاً إلى ما وصفتها ممارسات غير أخلاقية بما فيها تكبيل المعتقلين المرضى في أسرة المستشفيات، وعدم وجود متابعة طبية مناسبة عند خروجهم، إضافة إلى عدم حصول الأسرى المضربين عن الطعام على الرعاية المناسبة.
في تقريرها بشأن الاعتقالات التعسفية، أشارت المقررة الخاصة لحقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز إلى السياسة الإسرائيلية طويلة الأمد ضد الفلسطينيين، والتي تسببت في حرمانهم لأجيال من حريتهم علاوة على عدم تمتعهم بأبسط حقوقهم التي يمنحها لهم القانون الدولي.
وأشارت إلى أن الإجراءات الإسرائيلية الممتدة على مدار عقود من الاحتلال حولت الفلسطينيين إلى "سكان جُردوا من صفة المدنيين" وبالتالي حرمانهم من أي حماية قانونية،
ومن ثم يصبح الفلسطيني دائماً عرضة للاعتقال لأنه مصدر تهديد للنظام القائم المبني على الهيمنة، ليتحول الحرمان التعسفي من الحرية والمعاملة القاسية والمهينة إلى سياسة إسرائيلية عامة موجهة ضدهم لإحكام السيطرة عليهم.
وكشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بعضًا من أشكال التعذيب، الذي لا يستثني الأطفال، وهو يتضمن إيثاق أطرافهم وهم عراة لالتقاط صور وفيديوهات ينشرها الجنود على وسائل التواصل الاجتماعي. ووصفت المنظمة هذه الأفعال بأنها "معاملة غير إنسانية واعتداء على الكرامة الشخصية"، مؤكدة أنها ترقى إلى جرائم حرب وعنف جنسي.
تعكس روايات الأسرى المفرج عنهم بعد السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023 وروايات السابقين من الأسرى المحررين وممن ذاقوا ويلات وانتهاكات الاحتلال ، على أن سجون الاحتلال الإسرائيلي تشهد أنواع تعذيب هي الأكثر بشاعة بحق الأسرى، وبشكل "لا يمكن تصوّره"، ويمكن القول أن النصيب الأكبر من التعذيب كان من نصيب الأسرى الغزيين تنفيذاً لسياسة الانتقام التي لجأ اليها الاحتلال بحق الأسرى بسبب احداث السابع من أكتوبر .
فيتعرض الأسرى للتنكيل والتعذيب على يد جنود الاحتلال والسجانين الإسرائيليين بصورة تفوق الوصف ، وفي شهادة أسرى داخل السجون حيث قالوا : " اليوم جميعنا مرضى ، حيث أُنهكت أجسادنا ، وبتنا فريسة للمرض والإصابات من الضرب والتعذيب ، ولا يُقدم لنا العلاج والأدوية " ، وأضافوا "منذ اعتقالنا نقضي معظم وقتنا على أقدامنا أو منبطحين على بطوننا، ومهما مورس من تعذيب لا يحق لك (الأسير) إخراج أي صوت أو التعبير عن وجعك، كما استخدمت الكلاب في الاعتداء علينا وترهيبنا، بالإضافة إلى الغاز المسيل للدموع وغاز الفلفل الذي كان يضخ داخل غرفنا دون أي سبب".
أشكال التعذيب
ويستخدم العدو الإسرائيلي أبشع وسائل التعذيب ضد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية كالهز أو الرجرجة، وتعريض الأسرى للبرد والحر، والضرب الجسدي العشوائي، والعزل والضغط النفسي، والحرمان من النوم، والحرمان من قضاء الحاجة، والخنق بالكيس ذات الرائحة النتنة، والتعذيب من خلال التعاقد مع العملاء، والتعذيب الجسدي المميت، والتعذيب اللفظي والمعنوي .
نشرت منظمة بيتسيلم الحقوقية الإسرائيلية تقريرا موسعا لها بعنوان "أهلا بكم في جهنم" في إشارة لما كان يردده سجانون عند وصول الأسرى للسجون، مضيفة أن "السجون تحولت إلى شبكات للتعذيب" ، وذكرت من أبرز أدوات التعذيب غاز الفلفل، وقنابل الصوت، وعصيًّا وهراوات خشبّية وحديدّيّة، وبنادق وأعقابها، وقبضات الخواتم الحديديّة، ومسدسات صعق كهربائية، والكلاب، والضرب، واللكم، والركل.
وبمتابعة شهادات الأسرى المحررين والمعتقلين في سجون الاحتلال ، فإن أبرز أشكال التعذيب التي تعرض لها الأسرى الفلسطينيين كانت :
- تعصيب العينين لساعات طويلة وأحيانا لأيام وأسابيع.
- تكبيل اليدين على مدار الساعة ولأسابيع، وشدها بشكل يؤدي إلى نزيف دموي وبتر للأعضاء.
- إجبار الأسرى على طأطأة رؤوسهم في وضعية القرفصاء والنوم على بطونهم لفترات تصل إلى أسابيع وشهور.
- الضرب الشديد بالهراوات والأحذية العسكرية وكابلات الكهرباء على مختلف أنحاء الجسد.
- الاغتصاب والاعتداءات الجنسية، إما بوضع عصي وأدوات حادة في الدبر أو من خلال الكلاب البوليسية،
- التجويع، إذ اتفقت شهادات أسرى أفرج عنهم على أنهم لم يشبعوا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما يقدم لهم من وجبات سيئة كمّا ونوعا وأغلبها أرز منقوع وبملاعق معدودة.
- التعطيش، حيث يحرم الأسرى من المياه 23 ساعة في اليوم، وفي ساعة واحدة عليهم شرب الماء وقضاء كافة احتياجاتهم من غسيل، واستحمام، ووضوء، وغيره.
- الصعق الكهربائي.
- الشبح بوضعيات مختلفة ولساعات طويلة، وحني الظهر بأسلوب شبح " الموزة"، وتقييد أيدي وأقدام الأسرى وإجلاسهم أو إجبارهم على الوقوف لفترات طويلة، وحرمانهم من النوم أو الراحة أو قضاء الحاجة خلال الشبح.
- إطلاق الكلاب البوليسية على الأسرى لتنهش لحومهم.
واجهت إسرائيل إدانات متكررة من قبل منظمات حقوق الإنسان مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، التي أكدت أن التعذيب في السجون الإسرائيلية يعد انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقية مناهضة التعذيب التي وقعت عليها إسرائيل. ومع ذلك، فإن غياب المحاسبة الدولية الفعالة أدى إلى استمرار هذه الانتهاكات.
أبرز الاتفاقيات والقوانين الدولية التي تنتهكها اسرائيل في تعاملها مع الأسرى الفلسطينيين
ورغم حظر التعذيب وفقًا للقانون الدولي، فإن إسرائيل تستخدم ثغرات قانونية لمنحه صبغة شرعية ، ففي عام 1999، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بحظر بعض أساليب التعذيب، لكنها تركت الباب مفتوحًا أمام ما يسمى "الضرورة الأمنية"، مما يسمح باستخدام القوة المفرطة أثناء التحقيق مع الأسرى الفلسطينيين.
ويعد التعذيب انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وفقاً لما جاء في اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، حيث تتضمن هذه الاتفاقيات عدداً من المواد التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو أللإنسانية والحاطة بالكرامة بشكل قطعي، وعلى رأسها المادة(3) المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، والمادة( 12) من اتفاقيتي جنيف الأولى والثانية، والمادتان( 17 و18) من الاتفاقية الثالثة الخاصة بأسرى الحرب .
ينتهك الاحتلال وبشكل ممنهج القوانين والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الأسرى الفلسطينيين، وخاصة اتفاقيات جنيف ، اتفاقية مناهضة التعذيب ، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، هذه الانتهاكات تجعلها عرضة للمساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الدولية الأخرى، رغم الحماية السياسية التي توفرها بعض القوى الكبرى.
ينتهك الاحتلال وبشكل ممنهج العديد من القوانين والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الأسرى الفلسطينيين ، ومن أبرزها:
اتفاقية جنيف الرابعة (1949):
المادة 3 من الاتفاقية تحظر المعاملة القاسية أو المهينة للأسرى وتضمن لهم حقوقًا أساسية مثل الرعاية الطبية والظروف الإنسانية.
المادة 76 تنص على حماية الأسرى الذين يتم احتجازهم في أراضٍ محتلة، وتوجب أن يتم توفير محاكمة عادلة لهم.
اتفاقية حقوق الطفل (1989):
إسرائيل تنتهك الاتفاقية الخاصة بحماية حقوق الأطفال عندما تعتقل أطفالًا فلسطينيين، حيث لا يتم احترام حقوقهم القانونية في محاكمة عادلة أو تقديم الرعاية المناسبة.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966):
تنص المادة 10 على حق الأسرى في معاملة إنسانية، بما في ذلك عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو المهينة.
اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب (1984):
إسرائيل متهمة باستخدام أساليب تعذيب نفسي وجسدي ضد الأسرى الفلسطينيين في العديد من الحالات.
القانون الدولي لحقوق الإنسان:
يشمل هذا القانون مجموعة من المبادئ التي تمنع استخدام التعذيب أو المعاملة القاسية، وتحترم حقوق الأسرى، وتؤكد على ضرورة محاكمتهم بما يتماشى مع معايير العدالة الدولية.
في ظل استمرار سياسات القمع والتعذيب بحق الأسرى الفلسطينيين، تزداد المطالبات بضرورة تدخل المجتمع الدولي لحمايتهم، وفرض عقوبات على إسرائيل بسبب انتهاكاتها المتواصلة. ومع غياب أي محاسبة حقيقية، يظل الأسرى الفلسطينيون في مواجهة مباشرة مع منظومة قمعية تستمر في انتهاك أبسط حقوق الإنسان بلا رادع.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...