السبت 9 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الأسيرة الفلسطينية .. حكاية صمود تكتب خلف القضبان

17 مارس 2025 قراءة 7 دقيقة

في ظل جدران تتنفس ظلما، وتحت قبة من صمت العالم المطبق، تحاصر الأجساد لكن الأرواح تعلو فوق القضبان. هنا، خلف أسلاك الزمن المتعفنة، تسجل حكايات لا تروى إلا همسا بين دماء الجراح ودموع الأمهات المعلقة في فراغ الزنازين. أمهات يذبلن في زنازين بلا نوافذ، يحملن ذكريات أطفال لم يعودوا، أو صرخات مواليد أول أنفاسهم كانت رائحة الصدأ. زوجات يمسكن بصور بالية لأزواج اختفوا تحت الركام أو تحت تراب الشهادة، وقاصرات لم تعرف طفولتهن إلا قيود المعتقل ووجوه السجانين الذين يحفرون الخوف في عيونهن كل صباح. 

هنا، تولد الحياة مكبلة، طفل يبكي دون حضن، وأم ترضعه دمعة ساخنة بدل الحليب. هنا، تدفن الأحلام تحت صرخات الاستجواب، وتسلب الأمومة لمن تحمل جنينها تسعة أشهر في بطن الظلام. منهن من ودعت زوجها بإشارة خلف الزجاج العازل، ومنهن من رأت والدها يسحق تحت آلة الموت ثم تلقى عليها تهمة "المقاومة". هذه الجدران لا تحجز أجسادا فحسب، بل تطحن قلوبا تحمل تاريخ شعب كامل.

تصاعد غير مسبوق في انتهاكات الاحتلال بحق الأسيرات

في السابع من أكتوبر 2023، لم تكن الأرقامُ مجردَ أرقام، كانت 490 امرأةً تُمسحُ أسماؤهنَّ بدمعِ الوطن، من بينهن 21 أسيرة يُختَزَلُ مصيرُهنَّ بين قضبانِ السجونِ ودهاليزِ التحقيق، و71 أسيرةً عُدنَ من ظلامِ السجونِ ضمنَ "صفقة طوفان الأحرار".

تشهد سجون الاحتلال الإسرائيلي تصاعداً لافتاً في وتيرة اقتحام زنازين الأسيرات الفلسطينيات، خاصة بعد سبتمبر/أيلول 2024، حيث حوّلت إدارة السجون كافة تفاصيل الحياة اليومية للأسيرات إلى أدوات تعذيبٍ ممنهج، وفقاً لتقارير حقوقية. 

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، شهد سجن "هشارون" – المُستخدم كمحطة انتقالية قبل نقل الأسيرات إلى سجن "الدامون" – عمليات اقتحامٍ عنيفة من قبل وحدات قمعية (اليماز)، رداً على احتجاجات الأسيرات ضد سياسة العزل الانفرادي

تداعيات دولية.. وصمتٌ مُريب

رغم إدانة منظمات دولية لهذه الانتهاكات، ووصفها بأنها "خرقٌ فاضح للقانون الدولي"، لا تزال آلة القمع الإسرائيلية تواصل انتهاكاتها، وسط غياب آليات دولية فعّالة لحمایة الأسيرات، خاصةً مع استمرار احتجاز 21 أسيرة، بينهن أطفال وأمهات ومريضات. 

هذه الانتهاكات ليست سوى فصلٌ آخر من سجلّ الاحتلال الأسود، الذي يحوّل حتى جدران السجون إلى أدواتٍ لاستهداف كرامة الفلسطينيين، بينما تُواصل الأسيرات كتابة ملحمة صمودٍ تفضح وحشية الآلة العسكرية الإسرائيلية.

 

شهاداتٌ تكشف "استراتيجية إهانة ممنهجة

كشفت شهاداتُ أسيراتٍ فلسطينياتٍ أُفرج عنهن مؤخراً عن انتهاكاتٍ خطيرةٍ تعرضن لها خلال فترة اعتقالهن في سجون الاحتلال الإسرائيلي، تتراوح بين التعذيب الجسدي والنفسي، والإهمال الطبي المتعمد، وظروف احتجازٍ لا إنسانية. 

روت الصحفية الفلسطينية المحررة في صفقة طوفان الأحرار رولا إبراهيم حسنين لمؤسسة العهد الدولية، والتي اعتقلت بتاريخ 19 مارس / آذار الماضي 2024 معاناتها هي والأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بعدما قضت 10 أشهر في غرف مظلمة محرومةً من طفلتها الرضيعة.

وتقول: "إن الأسيرات الفلسطينيات تعرضن لانتهاكات خطيرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدة أن قوات الاحتلال تعمدت إذلالهن من خلال تفتيشهن عاريات ومصادرة ملابسهن الخاصة في انتهاك صارخ لخصوصيتهن كنساء".

وتضيف في شهادتها أن سياسة التجويع الممنهجة التي تعرضت لها الأسيرات، مشيرة إلى أن الطعام المقدم "لا يكفي لإطعام عصفور" أدى إلى فقدان العديد من الأسيرات لأوزانهن، وأكدت أن نوعية الطعام وكميته كانت محدودة ورديئة للغاية، في إطار سياسة متعمدة للضغط على الأسيرات.

 وقالت " رولا" : "أن إدارة السجون مارست شتى أشكال القهر النفسي والاعتداءات، حيث تعرضت الأسيرات للضرب والتنكيل، بالإضافة إلى الاقتحامات الليلية للزنازين والتفتيش المستمر، هذه الممارسات لم تراعِ أي قانون دولي أو إنساني، مما أثر بشكل كبير على الحالة النفسية للأسيرات" ، مضيفة أن قوات الاحتلال  سعت بكل ما أوتيت من قسوة إلى تدمير الروح الإنسانية للأسيرات، فكانت الأساليب التي تعرضن لها قاسية، حيث أمرنا بالوقوف لساعات طويلة في البرد القارس، فضلاً عن التفتيش العاري الذى ينتهك خصوصياتنا الجسدية، فيما صادرت قوات الاحتلال أدوات المطبخ، وممتلكاتنا وملابسنا الشخصية بلا رحمة.

بدورها، كشفت الناشطة الفلسطينية والصحفية بشرى الطويل التي أُفرج عنها ضمن المرحلة الأولى في صفقة طوفان الأحرار لمؤسسة العهد الدولية ، عن تفاصيل صادمة لمعاناتها خلال فترة اعتقالها، واصفة ما تعرضت له بأنه "الأصعب" في حياتها. فقد اعتُقلت عدة مرات سابقة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، لكن اعتقالها الأخير كان "همجيا وشرسا أكثر من أي وقت مضى". ووصفت الطويل سجن الدامون بأنه "مقبرة للأحياء بكل معنى الكلمة"، مشيرة إلى أن الأسيرات كنّ معزولات تماما عن العالم الخارجي، حيث سُحب التلفاز والراديو، ومُنعن من الزيارات. كما تحدثت عن الظروف السيئة داخل السجن، حيث إن الطعام كان سيئا للغاية "ولا يقدم للبشر، نأكل فقط لنبقى على قيد الحياة. الشوربة عبارة عن مياه قد تجد فيها حشرات"، والمياه عادمة وغير نظيفة وتسبب الأمراض.

إن إدارة سجون الاحتلال "لا تحترم قدسية شهر رمضان ولا تراعي طقوسه الدينية، ولا تتيح لهن حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية، بل تعرقل ذلك عمدا وتفرض قيودا على قراءة القرآن جهرا والصلاة إضافة إلى عدم احترام الضباط لخصوصية الأسيرات أثناء دخولهم الزنازين، وتعمد إدارة السجون إبلاغ الأسيرات بمواعيد خاطئة للإفطار وتقديم طعام فاسد وقليل جدا، وأكدت أن جميع الأسيرات فقدن وزنهن بسبب سوء التغذية والحرمان من العلاج، مشيرة إلى وجود حالات مرضية مستعصية لم تُجرَ لها أي فحوصات طبية.

وعن فترة اعتقالها التي دامت 11 شهرا أضافت بشرى أنها تعرضت لاعتداءات وانتهاكات عديدة على أيدي جنود الاحتلال منذ اعتقالها من منزل صديقتها بمدينة البيرة في الضفة الغربية المحتلة. وأردفت أن جنود وضباط الاحتلال اعتدوا عليها بالضرب المبرح بطريقة وصفتها بأنها همجية، كما رفعوا السلاح في وجهها وهددوها بالقتل. وبينت أن من أصعب المواقف التي عانتها خلع الحجاب عنها، مؤكدة أن ذلك كان مؤلما أكثر من الضرب، حيث جرى تقييد يديها وأخذها إلى معتقل الدامون بقسم الأسيرات. واختتمت حديثها بالإشارة إلى صمود الأسيرات في وجه كل هذه الانتهاكات والأوجاع غير المسبوقة بحقهن.

نمطٌ ممنهج: من التفتيش العاري إلى سياسة التجويع

تتطابق شهادات المحررات مع عشرات الروايات التي وثقتها منظمات حقوقية، والتي تؤكد تعرض الأسيرات لتفتيش جسدي عارٍ مصحوب بإهانات لفظية وحرمان من الاحتياجات الأساسية كالغذاء الكافي والملابس والأغطية وتعذيب نفسي عبر التهديد بالاعتقال المُجدد أو إيذاء الأهل بالإضافة للإهمال طبي متعمد، خاصةً مع وجود أسيراتٍ يعانين من أمراض مزمنة. 

بحسب تقارير "هيومن رايتس ووتش"، تحوّل سجن الدامون إلى "رمزٍ لانتهاك حقوق الأسيرات"، حيث تُحتجز نساءٌ وأطفالٌ في زنازين مكتظة، تُمنع فيها الزيارات العائلية، وتُخزَّن الأدوية الأساسية في ظروف غير ملائمة. وتُشير منظمة "بتسيلم" إلى أن 70% من الأسيرات المُحررات تعرضن لشكلٍ من أشكال التعذيب الجسدي. 

وأوضحت مؤسسة العهد الدولية أن الأسيرات يواجهن أوضاعًا صعبة وتزداد سوءًا يوما بعد يوم ، شاملة التعذيب والتنكيل وسوء الطعام والإهمال الطبي، إلى جانب حرمانهن من الزيارات والتواصل مع محاميهن، مما يجعل ظروف احتجازهن أكثر قسوة.

 وأشارت مؤسسة العهد الدولية إلى أن محاولات الاحتلال لكسر إرادة الأسيرات عبر هذه الانتهاكات باءت بالفشل، فهن حوّلن الزنازين إلى ساحاتٍ للصمود، فيما طالبت المؤسسات الحقوقية والمنظمات الدولية إلى التحرك العاجل لوقف هذه الجرائم والانتهاكات المستمرة، والعمل على فضح سياسات الاحتلال، ومحاسبة قواته على جرائمها التي تنتهك القانون الدولي.

كل أسيرة هنا هي قصيدة ألم معلقة على جدار الزمن، شاهدة أن الظلم مهما طال فلن يخرس صرخة الحقيقة التي تولد من رحم العذاب. فمن بين الدماء والقيود، تخلق إرادة لا تنكسر، لأن كل امرأة هنا تعرف أن سجانيها يخافون من شيء واحد: أن تلد القضبان ثورة لا تقهر.

مواد مشابهة