الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

تنسم الحرية أخيرا، صاحب ثالث أعلى حكم بالسجن لإنسان حي.

20 فبراير 2025 قراءة 3 دقيقة

الأسير المحرر محمد عطية أبو وردة ، شاء القدر أن تطأ أقدامه حرا أول ما تطأ أرض غزة، الأرض التي منها انطلق طوفان تحريره.

وبين مولده في الخليل قبل تسعة وأربعين عاما، ومولده من جديد في غزة اليوم حرا، حكاية ثرية مفتتحها مخيم الفوار وختامها مخيم جباليا.

بعد مولده بسنوات ليست بالكثيرة، انضم محمد أبو وردة إلى ركب أشاوس الخليل المنضوين تحت لواء المقاومة، وانخرط في العمل المقاوم حتى برز كقياديي الشهيد عز الدين القسام، جناح حماس المسلح.

بلغ ذروة عمله في مشاركته ضمن عمليات الثأر المقدس التي أدمت العدو إبان إغتيال المهندس يحيي عياش وأسفرت عن مقتل عشرات الصهاينة المؤمنين بفكرة " كل مواطن هو جندي وقت الحاجة".

خلال مسيرة طويلة من تجنيد الشباب والتخطيط للعمليات والمساهمة في تنفيذ أخرى والبحث عن موارد وأسلحة، كانت قوات الاحتلال تلاحق أبو وردة، فتعتقله مرات، ويفلت أخرى، لكن اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 جعله أكثر المطلوبين وسلطت الضوء على خطورة أعماله وحقيقة قيمته.

عام 2002 نجحت قوات الاحتلال في اعتقال محمد أبو وردة ووجهت إليه تهم بالقتل المباشر لعشرات المحتلين، جعلت نطق الحكم عليه بعد عامين يسجل ثالث أعلى محكومية لسجين بمجموع ثمانية وأربعين مؤبدا.

لحظة تاريخية، جعلتها كلمات محمد أثمن حين رد على الحكم بقوله : " نحن لسنا القتلة، نحن من لنا الحق في هذه الأرض، ولن ينتهي نضالنا ضدكم أبدا"، وأضاف : " يمكنك أن تضيف أي عدد آخر من أحكام المؤبد كما تريد".

لحظة بدت أبعد بالكون عن أمل التحرر، اعتقد السجان فيها أنه انتصر، وأن تلك الكلمات شعارات ضحية مغرورة.

لكن اليوم، بعد عشرين عاما يقف محمد أبو وردة حرا طليقا متلفعا بثقته ذاتها التي أنطقته في قاعة محكمة المحتل، وشدت أزره خلف زنازينه.

قرر الاحتلال الإفراج عن محمد أبو وردة إلى غزة وليس إلى بلدته الخليل في محاولة لإنقاص فرحته والتنغيص عليه، لكن الاحتلال لا يعرف كيف لا يختلف أبناء هذه البلاد عن بعضهم سوى اختلاف الإخوة، ولا تتباين المدن هنا إلا تباين غرف البيت الواحد، وهو ما عبر عنه أبو وردة لحظة تحرره حين قال : " هم قرروا إبعادي لكنني في داري عند أهل غزة".

سنوات الاعتقال الظالمة الآن أصبحت خلفه لكنه يذكرها كفصل مرير وأعوام قاسية زادت وحشيتها منذ عام ونصف.

يقول أبو وردة إنه لم يفقد أمله يوما، بل كان على ثقة ويقين باللحظة التي يعيشها اليوم، ويتسلح بالصبر هو ورفاقه الأسرى في مواجهة ظلم السجان وقسوة الأيام، ولم يخيب الله لهم ظنا، بسواعد مقاومتهم التي وعدت ووفت على حد تعبيره، ويوجه كل شكر ووفاء لدماء وتضحيات غزة ويتمنى أن تتعافى جراحها قريبا.

بعيدا عن أسرته، زوجته وابنه، استقبلت غزة محمد أبو وردة حرا، وارتمى في أحضانها وهو يردد: " يسمونه إبعادا لكن روحي هنا"، ويقول إنه سيسعى للقاء حمزة طفله الذي لم يره إلا من خلف القضبان.

ونورا زوجته التي لم ينته انتظارها، وتتمنى أن يلتم شمله معهم في القريب العاجل، فهو لم ييأس يوما، وزوجته لم تتوقف يوما عن ترديد بيت الشعر: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما... يظنان كل الظن ألا تلاقيا. وقد جمع الله على محمد حريته المستحيلة، وسيجمع عليه شتاته بأهله وهو عليه هين.

مواد مشابهة