غزة- أمل حبيب
دارت عجلات الجيب العسكري، غادة تجلس في المقعد الخلفي، وصغيرها يركض نحوها، يحاول اللحاق بالمركبة، وسؤال واحد يخرق صمت الجنود الذين يوجهون فوهات بنادقهم لأمه "وين ماخدين إمي؟"!
لحظة واحدة تمر على الإنسان لا يستطيع الخلاص منها، تلاحقه كأنها حصلت لتوها، هذه اللحظة عاشتها الأسيرة المحررة غادة خروب التي تروي لنا تفاصيل اعتقالها وذاك المشهد العالق في ذاكرتها!
تقول المحررة إن الجنود لم يأبهوا بصراخ ابنها المعاق وتوسله لهم بتركها لحظة اعتقالها من مدرسة عمرو بن العاص التي تؤوي نازحين في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة خلال شهر ديسمبر 2023.
قوات الاحتلال حاصرت المدرسة واقتحمتها، ثم بدأت باعتقال بعضاً من النازحين بداخلها.
تقول المحررة عن ذلك اليوم: "سمعنا أصوات انفجارات قوية وأصوات الدبابات تتجه إلينا، كانوا يطلقون النار في مكان مكان حولنا".
الخوف سيطر على جميع النازحين الذين اختبأوا داخل صفوف المدرسة، حتى اجتاح صوت عبر المكبرات يطالبهم بالخروج إلى ساحة المدرسة، فعرف الجميع أنه لا مفر من ألم جديد!
تسرد غادة التفاصيل حيث تم تعرية جميع الرجال وتركهم فقط بالملابس الداخلية، واخراجهم على دفعات كل دفعة عبارة عن 5 رجال ومنهم زوجها، وقد أخرجوهم عراة لساحة مسجد التقوى المجاورة للمدرسة.
طوابير النساء والأطفال تبعت بالرجال، وهناك طلب أحد الجنود من المحررة الوقوف جانبًا بجوار باب المسجد.
تقول:" بعد التدقيق بهويتي تم تفتيشي بشكل كامل، ثم سؤالي عن يوم 7 أكتوبر، وإن كنت فرحت بذلك اليوم"، أضافت: "قال لي الجندي حماس قتلتنا ودخلت علينا، فقلت له نحن أناس عاديين، وليس لدي صلة بهم وليس لدي أقارب على صلة بهم".
كانت كل أسئلته تدور حول عناصر حماس وأماكن تواجدهم وأماكن الأسرى، لم تمتلك غادة الإجابات التي يريد، فأمر الجندي باعتقالها.
على الفور قامت إحدى المجندات بتعصيب عينيها وربط أيدي الأسيرة بمربط بلاستيكي إلى الأمام، ووضعها داخل جيب عسكري برفقة ست معتقلات وقاموا بنقلهم إلى منطقة زيكيم.
أصعب لحظة مرّت على الأسيرة كانت عندما اقتادوها إلى الجيب، تشرح ألمها بالقول:"لحقني ابني من ذوي الإعاقة صار يصرخ "خذيني معك"، تابعت: "طلبت منهم أخذ ابني معي، أخبرتهم هذا مريض ومعاق، هو بحاجتي، فرد عليّ أحد الجنود "نحن لا نعتقل مجانين".
كنت أنظر إلى زوجي الذي وضعوه داخل حفرة وهو عاري والى ابني الذي أوقعوه أرضًا وذهبت معهم.
لا تتوقف مشاهد القهر والألم في حكايا الأسيرات، تكمل غادة شرح تفاصيل الاعتقال حيث كانت تمشي خلفهم دبابة عسكرية وعليها رشاش موجه عليهم طيلة الطريق حتى أنزلوهم بمنطقة زيكيم وأجلسوهم على الحصى لمدة ساعتين.
تم نقل الأسيرات إلى مكان آخر، وأثناء الطريق كانوا يضربونهن على رؤوسهن وأيديهن وكانوا يشتموهن بألفاظ سيئة، حتى وصلوا لموقع بجوار معتقل عانتوت بالقرب من جبال القدس، وهناك تعرضت الأسيرة غادة لنوبة سكر وفقدت الوعي، فلم يأبه أحد الجنود بأنها مريضة سكر.
لا ينام الألم داخل المعتقلات، تقول المحررة إن الجنود كانوا يطرقون الأبواب صباحًا بصوت عالي ثم يتناوبون على الصراخ"، أما عن وقت الطعام فأوضحت أن الأسيرات كنّ يتناولن الطعام وهن مربوطات الأيدي بمرابط بلاستيكية، حيث يحاولن مساعدة بعضهن وقت الأكل.
أثناء عملية النقل يبدأ الضرب وتعصيب الأعين والإهانة، ففي إحدى المرّات طلبت المجندة من غادة تقبيل علم (اسرائيل) فرفضت فأصروا عليها تقبيله إلى أن أغمى عليها مرة أخرى، فكل من ترفض تقبيل العلم يقوموا بضربها على رأسها بقوة.
مضت الأيام قاسية على الأسيرات في سجن الدامون، بعد تحقيق طويل وتفتيش وإهانة وتعذيب نفسي، إلى أن جاء يوم الثامن من فبراير العام الماضي 2024، حيث أبلغهن نائب مدير السجن بأمر الافراج عنهن في هذا اليوم.
استقبلت غادة الخبر بفرح لأن فصول الألم في السجن ستنتهي، ولأنها ستحتضن أطفالها وتطمئن على صحة ابنها.
لا يشبع الجنود من الدماء حتى آخر لحظات من الإفراج عن الأسرى، حيث تؤكد غادة بأنها كانت تسمع صوت ضرب وإهانة الأسرى الرجال الذين كانوا مع الأسيرات لكنهن لا يرونهم.
بعد 47 يومًا من الاعتقال وصلت المحررة إلى المحافظة الجنوبية دون حضن واحد لعائلتها الموجودة في شمال وادي غزة.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...