الأحد 10 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

المعتقلون من منازلهم: كوابيس متتالية لا تنتهي بالفرج!

24 يناير 2025 قراءة 4 دقيقة

غزة-تسنيم محمد

في هذه الحرب، عانت كافة مناطق القطاع من مراحل الإبادة المتنوعة، بدءًا بالقصف المتواصل والكثيف، مروراً بالحصار والتجويع، وانتهاءً باقتحام المنازل والتنكيل بساكنيها، وقد عرف سكان شمال القطاع

واحدة من أكثر الحملات وحشية وتدميرا في تاريخ الحروب الحديثة، ففي جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، عاش السكان حصارا لا هوادة فيه، منع عنهم الطعام والماء، وأي وهم بالأمان، في كابوس من الغارات الجوية والقصف المتواصل، حتى أن أجسادهم لم تتوقف عن الارتعاش طول الوقت.

وعلاوة على كل ذلك عاش سكان تلك المناطق المحاصرة مشاهد مروعة، لأطراف متناثرة في الشوارع، ومراكز إيواء مشتعلة، ومئات المصابين داخل المستشفيات المحاصرة، وعجز الفرق الطبية عن انتشال أي شهيد أو جريح، بسبب القصف المستمر.

وجد هؤلاء -وهم آلاف من الفلسطينيين- أنفسهم محاصرين داخل منازلهم، خاصة في جباليا، دون أية مقومات، أو أدنى قدرة على التحرك، حيث كانت الطائرات المسيّرة صغيرة الحجم من نوع "كواد كابتر"

تجوب الشوارع والأزقة، وتدخل المنازل عبر النوافذ، وتطلق النار على المواطنين، وتقتلهم عمداً، في مهمة تكاملت مع وظيفة الآليات المتمركزة في الخارج، التي تمنع المواطنين المحاصرين من النزوح نحو مناطق أقل خطراً، وتقتل كل من يجرؤ على مغادرة المنزل، أو يحاول التزود بالماء أو الطعام.

شاهد من قلب الحصار

يروي الأسير المحرر مصطفى حسونة 41 عاماً من مخيم جباليا، كيف كان يعيش مع عائلته رعباً يجمّد القلوب، وأوضاعاً معيشية كارثية بلا أية مقومات للحياة، لكنهم رغم ذلك كانوا يصرون على البقاء ورفض النزوح، مثلما اختار الكثيرون من الصامدين في شمال غزة البقاء حتى النهاية و مواجهة الموت، في ظل محاولات الاحتلال تهجيرهم بالقوة، وإفراغ البلاد منهم، بقي مصطفى مع من بقي في ظل معاقبة لهم بكل الوسائل، بالرغم من انقطاع الطعام والماء مدة أسابيع، والعيش بصعوبة بالغة على ما يمكن توفيره بشق الأنفس، وفقدوا الكثير من الأحباب الذين قضوا أثناء محاولتهم البحث عن الغذاء والماء، وخلال الحصار شاهدوا يومياً عمليات إحراق ونسف المنازل والممتلكات بالكامل، وعجز فرق الإنقاذ عن التدخل، واستشهاد مئات المواطنين دون أن يتمكن أحد من انتشال جثثهم.

المباغتة

يروي حسونة تفاصيل اليوم الذي تمت مداهمتهم، وأجبرت عائلته المكونة من ستة أفراد على النزوح قسراً إلى الشيخ رضوان مع عائلات أخرى دون مرافقة أي ن رجالهم، حيث تم الرجال أخذ الرجال واحتجازهم وحدهم، يقول حسونة: "تم توجيهنا من خلال مسيّرات الكواد كابتر للذهاب الي منطقة أبراج الشيخ زايد بدعوة أنها آمنة، ثم تم للذهاب للمشفى الإندونيسي، كان ذلك التنقل مشياً وسط خوف شديد، وقصف متواصل، وحين وصلنا المستشفى، تم اعتقالي هناك وآخرين، في تاريخ ٢٣/ ١٠/ ٢٠٢٤، وهناك مكثنا يوماً كاملاً محتجزين، حتى جاء ضابط من جيش الاحتلال، وقال لجنوده: أعدموهم".

 رحلة الإعدام

يكمل حسونة تفاصيل أيام الرعب التي قضاها بعد ذلك، حيث كان الإجراء الأول بعد أمر الإعدام عصب الأعين وتكبيل الأيدي والأرجل، ومن ثم الصعود عبر مركبات خاصة إلى مكان مجهول.

أثناء عملية النقل، كانوا يتعرضون لمعاملة قاسية، وضرب مبرح بالهراوات والعصي، وأعقاب البنادق، والركل بالأقدام.

لم يتم إعدام مصطفى حسونة، ولا من معه، بل وجدوا أنفسهم في مكان أقرب ما يكون إلى الجحيم، وهناك قيل له إنهم في سجن "سديه تيمان"، فعرف بعدها أن كلمة إعدام هي أصدق تعبير عن ذلك الاعتقال!

عندما وصلوا السجن كان الأسرى يعانون من التعب والهزال، وتعرض العديد منهم لحالات إغماء، فكلهم جوعى وبينهم مرضى، وطوال الليل يرتعشون من البرد.

يقول حسونة: "في بداية اعتقالي كنا نعيش في جحيم، كان الأسرى يسمون ذلك المعتقل بـ "قهر الرجال"، لم أكن أعرف ما مصيري، ولا وضعي القانوني، مورست بحقي كافة أشكال الجرائم والتنكيل والحرمان، وعانيت من الجوع، في ظل كميات الطعام الشحيحة، التي لا تصلح للاستخدام الآدمي"

ويكمل بلوعة وهو يصف ما قاساه هناك: "تعرضت للضرب، والتعرية، والتحقيق الميداني، طوال مدة بقائي التي بلغت سبعين يوماً، أنتقل بين مركز تحقيق وآخر وأقاسي أنواعاً من الإهانة والتعذيب".

قبل يومين من الإفراج عن مصطفى حسونة، فوجئ بالدكتور حسام أبو صفية يدخل المعتقل، ولم يكن يعرف شيئاً، كانت آثار التعذيب بادية على وجهه، "استقبلناه، وقمت بإعطائه غطائي وفرشتي وأخبرناه بمكانه، وحمّلني رسالته لطمأنه أهله، ودعوة المؤسسات الحقوقية للتحرك من أجل الإفراج عنه".

تم الافراج عن حسونة، ووصل عبر معبر كرم أبو سالم إلى رفح، وحيداً دون عائلته التي تركها وحدها في مدينة غزة بعد نزوحها جبرياً من جباليا، ويقيم الآن في خيمة على شاطئ دير البلح، وهو يحلم بلقاء عائلته وأطفاله، وتؤرقه ذكريات السجن، وأنات الأرواح المعذبة التي لا تزال داخله.

مواد مشابهة