غزة-تنسيم محمد
عندما بدأت رحى الحرب تدور، كان العالم يظنّ أن المباني المتعارف على حصانتها دولياً بعيدة عن الاستهداف، وفي منأى عن آلة الحرب الهوجاء، فالمدارس، والمشافي، ومباني المنظمات الدولية، يفترض أنها محمية بالقوانين والمواثيق الدولية، وأن الحفاظ عليها غير ممسوسة ضرورة وواجب.. ظنّ العالم، وكذلك ظن الغزيون الخائفون، فالتزمت الطواقم الطبية بدوامها ومتابعة عملها داخل المشافي، ولم يغادر المرضى أسرّتهم، ولم ينزح الجرحى عن مراكز علاجهم، وحتى السكان المدنيون عندما دهمهم الخطر ولاحقهم الموت، لجأوا إلى المشافي كملاذٍ آمن، لكنّ أحداً لم يعلم أن هذه الحرب رحى تطحن كل شيء، دون تمييز، وآلتها الهوجاء لا تعترف بأي قانون أو ميثاق، بل إن المشافي كانت من أهم أهدافه المباشرة، وأكثر ساحات ممارساته الإجرامية.
لا يعني هذا الإجراءات التي اتخذها الاحتلال منذ اليوم الأول ضد المنظومة الطبية عموماً، ولا نقصد منع دخول المساعدات الطبية إلى القطاع، والأدوات والتجهيزات الطبية، ومنع التحويلات الطبية للعلاج في الخارج، وقطع الكهرباء والماء، ومنع إدخال الوقود، واستهداف أفراد الطواقم الطبية حتى في منازلهم، وقصف سيارات الإسعاف بشكل مباشر، وحتى العمل على دفع القطاع الصحي بأكمله إلى الانهيار.. كل ذلك لم يكن التفسير الكامل لكون المشافي من "أهداف" الاحتلال، بل وصل الأمر به إلى قصفها بشكل مباشر، والوصول إليها في كل عملية برية، وحصارها، وقتل واعتقال من فيها والتنكيل بهم، وتخريبها وحرقها وهدم مبانيها، وتحويلها لثكنات عسكرية والتمركز داخلها.. وقد عُثر على مقابر جماعية في كل المستشفيات التي حاصرها الاحتلال ونفذ فيها عملياته العسكرية، وقد كانت كبرى مستشفيات القطاع هدفاً لتلك العمليات، مثل مستشفى الشفاء، ومستشفى ناصر، ومستشفى كمال عدوان، إضافة لمستشفيات أخرى تعرضت للقصف والإخلاء، والتخريب، والإخراج عن الخدمة.
وفي غمرة تلك الأحداث الأليمة، فُقِد العديد من الجرحى والمرضى ومرافقيهم، هذه بعض قصصهم.
مستشفى ناصر، اختفاء بالجملة
يتذكر ناهض شهوان، من مدينة خانيونس، ابنه المصاب أحمد الذي تم بتر قدميه بسبب إصابته، حين تم قصف منزلهم بشكل مباشر، وتم نقله إثر ذلك إلى مستشفى ناصر، حيث مكث فيها خمسة عشر يوماً، وكان يرافقه أخوه يوسف، إلى أن تم اقتحام مدينة خانيونس وحصار المستشفى.
يقول ناهض شهوان إنه فقد الاتصال بابنيه في السادس عشر من فبراير 2024م، ولم يسمع عنهما أية أخبار، ولا يعلم إن كانوا أحياءً اقتيدوا إلى المعتقلات، أم أمواتاً دفنوا مجهولين في المقابر الجماعية داخل ساحة المستشفى، ذلك التاريخ الشهير لاقتحام المستشفى، يحمل ذكرى مرعبة ومؤلمة لكثير من الأهالي الذين فُقِد أبناؤهم في ذلك اليوم.
يتحدث المواطن سلامة مخيمر عن ابنه ياسين، الذي كان يرقد في المشفى وهو مُصاب بكسور في قدميه، وفيهما بلاتين، وكسر في الفك، لا يمكنه تناول الطعام إلا عن طريق السوائل والمحاليل، ومنذ ذلك التاريخ، يوم تم اقتحام المستشفى، فُقِد الاتصال بابنه، وكذلك المعلومات عن حياته أو وضعه الصحي، ويكمل سلامة: "وصلتنا أخبار غير مؤكدة بأنه معتقل، لكننا لم نتأكد من أي مصدر، أتمنى أن أعرف مصيره، وإن كان حياً، كيف هو وضعه الصحي، وهل يأخذ علاجاً أم أنه مهمل ومريض؟"
مستشفى كمال عدوان، صندوق أسود
في مايو 2024، كان الشاب فارس صالح، من سكان مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة، يمارس عمله كعامل نظافة في مستشفى كمال عدوان، عندما اقتحمت قوات الاحتلال المستشفى للمرة الأولى ويومها فُقِدت آثاره، تابعت عائلته كيف قام الاحتلال باعتقال الكادر الطبي وعدد من المرضى والجرحى والعاملين، واحتجاز النساء، وتدمير سيارات الإسعاف واستهداف مولدات الكهرباء، لكنهم لم يعرفوا عن ابنهم شيئاً، يقول شقيقه: إننا لا نعلم عنه شيئاً، هل تم اعتقاله أم قنصه؟ هل هو على قيد الحياة أم فارقها؟" فارس كان أحد المعيلين الرئيسيين لعائلته، وهم من كان يقضي حوائجهم، يقول شقيقه: " كان حنوناً، خدوماً، يساعد الغير، ويحب الخير للجميع، والآن يفتقده الجميع".
هكذا تحوّلت المشافي في القطاع خلال هذه الحرب إلى عنوان للفقد، وساحة للإجرام، وارتبط اسمها بأكبر فظائع التاريخ الحديث، وصار ذكرها يُحيل مباشرة إلى المقابر الجماعية، والإخفاء القسري والمباني المدمرة، وأسرّة المرضى المحترقة!
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...