في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، لم تكن معاناة الأسير الفلسطيني مرتبطة فقط بما يحيط به من جدران وأسلاك وقضبان، بل امتدت إلى المكان الذي يفترض أن يكون ملاذاً من الألم : " العيادة " ، فحين يدخل الأسير غرفة الطبيب، يفترض أن تتراجع صفة " السجين " لتحضر صفة " المريض "، وأن يصبح الألم وحده معيار القرار.
وعليه لم تكن معاناة الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية مرتبطة دائماً بغياب الطبيب أو انعدام العيادات، بل تكمن إحدى أكثر القضايا إثارة للقلق في الدور الذي أداه بعض الأطباء داخل منظومة الاحتجاز، ومدى التزامهم بواجبهم الطبي والإنساني تجاه الأسير المريض.
شهادات وتقارير حقوقية مختلفة أثارت سؤالاً أكثر عمقاً : إلى أي حد استطاع طبيب السجن أن يبقى طبيباً مستقلاً داخل منظومة وظيفتها الأساسية الاحتجاز والسيطرة؟
المشكلة، وفق التقارير الحقوقية، لم تكن في الطبيب كفرد بالضرورة، وإنما في البنية التي يعمل داخلها ، فأطباء مصلحة السجون الإسرائيلية يعملون ضمن المؤسسة المسؤولة عن احتجاز الأسرى، وهو ما خلق ما تصفه الأدبيات الطبية والحقوقية بـ " الولاء المزدوج " ، فالطبيب مطالب مهنياً بأن يضع مصلحة المريض أولاً، لكنه في الوقت نفسه موظف لدى الجهة التي تفرض القيود على هذا المريض .
هذا التضارب بين الواجب الطبي ومتطلبات منظومة الاحتجاز يكتسب دلالته الأوضح عند النظر إلى الحالات الفردية للأسرى المرضى، حيث يمكن لقرار الطبيب أو تقييمه الطبي أن يترك أثراً يتجاوز غرفة العيادة، ليصل إلى مسار علاج الأسير ووضعه القانوني والإنساني ، وتكشف شهادات ووثائق حقوقية عن حالات لم يكن فيها المرض وحده سبباً في تفاقم معاناة الأسير، بل ارتبط ذلك أيضاً، وفق ما أوردته تلك المصادر، بالتأخر في العلاج أو القصور في المتابعة أو بتقييمات طبية أثارت انتقادات بشأن دقتها وتوقيتها ، وفي بعض هذه الحالات، أصبحت التقارير الطبية نفسها جزءاً من مسار القرارات المتعلقة بالأسير، بما جعل أثر الطبيب يتجاوز تقديم الرعاية إلى التأثير في مصير المريض.
ولم تكن إشكالية الإهمال الطبي داخل السجون الإسرائيلية، أو التساؤلات حول مدى استقلال بعض الأطباء عن منظومة الاحتجاز، ظاهرة وليدة السنوات الأخيرة؛ إذ تعود شهادات وتقارير حقوقية إلى سنوات سابقة، وتوثق حالات أثارت منذ ذلك الوقت أسئلة حول التأخر في التشخيص، وعدم كفاية العلاج، ودور بعض التقارير الطبية في التأثير على أوضاع الأسرى القانونية والصحية ، ومن بين الحالات التي وثقتها مصادر حقوقية على مدى سنوات، تبرز قصتا الأسيرين إبراهيم الجمال ومعتصم رداد، اللتان تكشفان أن هذه الإشكالية لها جذور أقدم بكثير من المرحلة الراهنة ، وكيف أصبح التقرير الطبي جزءاً من المعركة القانونية ، وتعود إحدى الشهادات التي أثارت مسألة استخدام التقارير الطبية في قضايا الأسرى إلى عام 2016، عندما أورد مركز الخيام لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، في إفادة قدمها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حالة الأسير الفلسطيني إبراهيم الجمال من مخيم العروب بالخليل ، والتي أوضحت، أنّ الجمال قد فقد بصره وقدرته على الكلام، فيما كانت حالته الصحية تتدهور، قبل أن يُنسب إلى طبيب في سجن " ايشل " إعداد تقرير طبي يفيد بأن حالته الصحية جيدة ، وتقول الإفادة إن هذا التقرير استُخدم في سياق رفض الإفراج عنه من جانب المحكمة.
كما أوردت الوثيقة ذاتها حالة الأسير الفلسطيني معتصم رداد من بلدة صيدا شمال طولكرم ، المصاب بالسرطان، أن طبيباً في سجن الرملة أعد تقريراً عن رداد، ادعى فيه أنه رفض الخضوع للعلاج، بينما كانت مصلحة السجون، وفق الرواية الواردة في الإفادة، مستعدة لتقديم العلاج، وأن هذا التقرير استُخدم في رفض الإفراج عنه .
يُذكر أنّ الأسير رداد كان قد اعتُقل عام 2006، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 20 عاماً، وعانى خلال سنوات اعتقاله من تدهور صحي متواصل، شمل التهابات حادة في الأمعاء ونزيفاً مزمناً، إلى جانب ارتفاع ضغط الدم، وعدم انتظام دقات القلب، وضيق التنفس وآلام شديدة في الظهر والمفاصل ، وتقول تقارير حقوقية إن حالته الصحية تدهورت نتيجة ما وصفته بالإهمال الطبي، مع حاجته إلى علاج ومتابعة طبية مستمرة.
وبعد سنوات من الاعتقال، أُفرج عن رداد، لكنه لم يستعد عافيته؛ إذ ظل يعاني من آثار الأمراض التي أصيب بها خلال فترة الأسر حتى تم الاعلان عن وفاته في 8 آيار / مايو 2025 في أحد المستشفيات المصرية في القاهرة، بعد صراع مع مرض السرطان الذي أُصيب به خلال سنوات اعتقاله .
حالات التأخير في العلاج.. حين يأتي التدخل الطبي بعد فوات الأوان
لا تقتصر أزمة الرعاية الطبية داخل السجون الإسرائيلية على غياب العلاج أو نقص الأدوية، بل تمتد إلى تأخير الفحص والتحويل إلى المستشفيات، وتأخير التدخل الطبي في الحالات التي تتطلب استجابة عاجلة ، وتكشف الحالات التي وثقتها مؤسسات الأسرى والحقوقيون أن التأخير قد يترك المرض أو الإصابة تتفاقم إلى حد الوصول إلى عمليات كبرى أو إعاقات دائمة.
ومن أحدث الحالات التي تعكس خطورة هذا المسار، قضية الطفل المعتقل محمد موسى سليمان حميد (15 عامًا ونصف) من بلدة تقوع في بيت لحم، المعتقل منذ شباط / فبراير 2026. ووفق ما أورده نادي الأسير الفلسطيني، طرأ تدهور خطير على حالته الصحية، قبل أن تُبلغ عائلته لاحقًا بأنه خضع لعملية قلب مفتوح في مستشفى «شعاري تسيدق» الإسرائيلي، دون أن تتمكن من زيارته أو الاطمئنان عليه بصورة مباشرة ، وكان الطفل يقبع في سجن عوفر قبل نقله إلى المستشفى، فيما أفادت آخر المعطيات المتاحة بأن حالته الصحية بقيت خطيرة وأنه بحاجة إلى رعاية وعلاج مكثف.
وفي حالة أخرى، انتهى مسار التعامل مع إصابة الأسير الجريح مالك هاني جبريل (30 عامًا) من تقوع إلى بتر قدمه اليمنى ، ووفق نادي الأسير، أُصيب جبريل برصاص قوات الاحتلال عند ما يسمى بحاجز «300» العسكري، ثم اعتُقل لاحقًا وهو مصاب، قبل أن يخضع لعملية جراحية انتهت ببتر قدمه.
حين يفقد الأسير حقه في العلاج الآمن
في معتقل "عوفر"، تقدم حالة الأسير أحمد عادل هريش صورة أكثر مباشرة عن طبيعة التعامل الطبي مع الأسرى ، فقد أفادت هيئة شؤون الأسرى، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بأنه كان يعاني من آلام حادة في المعدة يُشتبه في ارتباطها بجرثومة ، لكنه لم يكن يتلقى سوى المسكنات، فيما كان الطبيب يتأخر لساعات وأحياناً لا يحضر، والأكثر دلالة في شهادته ما نقله عن طريقة مخاطبة الطبيب للأسرى من خلف النافذة، حين كان يناديهم، بحسب إفادته، قائلاً: " من يريد أن يموت؟ " ، وتكشف هذه الشهادة ، أن المسألة لا تتعلق فقط بتأخر الرعاية الطبية، وإنما أيضاً بالطريقة التي يمكن أن يتحول بها التواصل بين طبيب المعتقل والأسير والمريض إلى مصدر للإهانة والضغط النفسي.
في معتقل عوفر أيضاً، تكشف حالة الأسير بهاء دراج عن صورة أخرى من صور الإهمال الطبي، حيث لا يبدو غياب العلاج هو المشكلة الوحيدة، بل طبيعة الاستجابة الطبية نفسها ، فبحسب ما وثقته هيئة شؤون الأسرى والمحررين عقب زيارة محاميه للسجن في يوليو/ تموز 2024، كان دراج يعاني من إصابة سابقة في الحوض ويتلقى قبل اعتقاله علاجاً في مجمع فلسطين الطبي، كما توجد في ساقه صفائح معدنية ، وبعد اعتقاله، تعرض للضرب، ما أدى، وفق إفادته، إلى كسر في أحد أصابع قدمه ، وعندما طلب العلاج، لم يحصل، بحسب الهيئة، سوى على حبة " أكامول " من طبيب عيادة السجن.
أما الأسير عزمي نادر أبو هليل (31 عاماً) من مدينة دورا، المعتقل منذ كانون الثاني/ يناير 2024، فتقدم حالته مثالاً آخر على استمرار المرض دون معالجة كافية ، فقد أفاد نادي الأسير في يونيو/ حزيران 2026 بأنه يعاني من السكابيوس منذ أكثر من عام، وأن أعراض المرض استمرت رغم مرور فترة طويلة على ظهورها ، دون الاهتمام من قبل الطبيب وادارة المعتقل بتقديم العلاج المناسب .
وفي حالة الأسير خليل محمد رياحي، تأخذ المسألة بعداً مختلفاً، إذ لا تتعلق فقط بالحصول على العلاج، وإنما أيضاً بالتوثيق الطبي للإصابة ، فبحسب إفادته التي نقلها محامي هيئة شؤون الأسرى والمحررين عقب زيارته في سجن مجدو في مايو/ أيار 2026، تعرض رياحي للضرب خلال الأيام الأولى لاعتقاله، ما أدى، وفق شهادته، إلى كسر أسنانه في الفك السفلي ، ونُقل إلى المستشفى لإجراء الفحوص، لكنه قال إن الطبيب رفض، بحسب إفادته، توثيق آثار الاعتداء، واعتبر أن إصابات أسنانه كانت موجودة قبل الاعتقال.
تشترك حالات الأسرى السابقة أنّ الأسير المريض داخل السجن لا يملك خيار البحث عن طبيب آخر أو مغادرة المكان عندما يتأخر التشخيص أو العلاج ، ولذلك فإن تأجيل العملية ، أو الاكتفاء بالمسكنات، أو عدم توفير العلاج لمرض مزمن، أو ترك مرض جلدي معدٍ يتفاقم، لا يبقى مجرد تفصيل طبي، بل يتحول في بيئة الاحتجاز إلى عامل يمكن أن يضاعف معاناة الأسير ويزيد مخاطر تدهور حالته الصحية ، حتى يصل في كثير من الأحيان إلى وفاة الأسير .
سديه تيمان.. حين دخل الطبيب إلى منظومة التعذيب
منذ تحويل قاعدة سديه تيمان إلى مركز لاحتجاز الفلسطينيين من قطاع غزة بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم تعد الانتهاكات المبلغ عنها داخل المنشأة تقتصر على الضرب والتعذيب الجسدي وظروف الاحتجاز القاسية، بل امتدت إلى الجهاز الطبي نفسه، الذي أصبح موضع مساءلة متزايدة، بعدما كشفت شهادات أطباء عملوا في المنشأة، إلى جانب شهادات أسرى ومحتجزين فلسطينيين، عن ممارسات تثير أسئلة خطيرة حول استقلال الطبيب، وواجباته المهنية، وحدود مشاركته في منظومة الاحتجاز.
وتثير شهادات ووثائق حقوقية متعددة مخاوف من أن بعض العاملين الصحيين في سديه تيمان لم يكونوا مجرد شهود على الانتهاكات، بل إن بعضهم، وفق ما أوردته تلك الشهادات، شارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في منظومة سمحت باستمرار ظروف ألحقت أضراراً جسيمة بالمحتجزين، أو امتنع عن تقديم الرعاية الطبية المناسبة لهم.
وتشير وثائق حقوقية إلى أن المنشأة الطبية في سديه تيمان كانت تتعامل مع حالات تتجاوز قدراتها المهنية، في ظل عدم نقل بعض المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة إلى مستشفيات مدنية مناسبة ، كما أفادت الوثائق بأن الأطباء والعاملين الصحيين في المنشأة كانوا يعملون بصورة مجهّلة؛ فلا يضعون أسماءهم أو أرقام تراخيصهم على السجلات والوثائق الطبية ، والأخطر من ذلك أن تعليمات المنشأة، وفق هذه الوثائق، لم تتضمن واجباً واضحاً يقضي بتوثيق الاشتباه بالتعذيب أو العنف في الملفات الطبية أو الإبلاغ عنه إلى السلطات المختصة.
وهنا تبدأ القضية الأكثر خطورة !! إذا كان الطبيب لا يضع اسمه على الملف الطبي، فمن المسؤول عندما يقع انتهاك داخل العيادة؟ ومن يستطيع محاسبته؟
وفق التقرير الحقوقي، كان الأطباء في المنشأة يعملون كمستدعين للخدمة العسكرية، وليسوا تابعين للفيلق الطبي، وكان يُطلب منهم عدم تعريف أنفسهم للمرضى وعدم توقيع الوثائق الطبية بأسمائهم أو بأرقام تراخيصهم ، وبحسب الوثائق الحقوقية والأممية، ارتبطت هذه البيئة بمخاوف جدية من إمكانية الإفلات من المساءلة عن الانتهاكات الطبية، في وقت كانت فيه المنشأة تستقبل محتجزين يعانون من إصابات وأمراض وحالات صحية بالغة الخطورة.
طبيب سديه تيمان: " كلنا متواطؤون "
ما يجعل ملف سديه تيمان أكثر تعقيداً أن روايات الأسرى الفلسطينيين لم تكن المصدر الوحيد الذي تحدث عن الظروف داخل المنشأة الطبية ، فبحسب شهادات أطباء عملوا في سديه تيمان، كان المحتجزون يُبقون مقيدي الأطراف ومعصوبي الأعين حتى أثناء تلقي العلاج، وكان بعضهم يُربط إلى السرير بحيث يفقد القدرة على الحركة، الأمر الذي دفع بعض المرضى إلى استخدام الحفاضات بدلاً من الذهاب إلى الحمام ، كما تحدثت شهادات عن تغذية بعض المحتجزين بواسطة القشّات، وعن إصابات وجروح ناجمة عن القيود المفروضة على أجسادهم.
وأخطر ما كشفته شهادات الأطباء لا يتعلق فقط بالمعاناة اليومية الناتجة عن القيود، بل بالنتائج الطبية التي ترتبت عليها ، ففي شهادة نقلتها " هيومن رايتس ووتش " ، كتب طبيب إسرائيلي كان يعمل في المستشفى الميداني بسديه تيمان أن سجينين بُترت ساقاهما خلال أسبوع واحد نتيجة إصابات ناجمة عن القيود، ووصف ذلك بأنه أمر أصبح، بحسب شهادته، متكرراً ، كما وثقت مصادر حقوقية وأممية أن إصابات القيود استدعت عمليات جراحية متكررة، وأن حالات أخرى شملت بتر طرف بسبب إصابات ناجمة عن القيود البلاستيكية.
كما تحدث الطبيب عن إعادة بعض المرضى إلى منشأة الاحتجاز بعد عمليات جراحية كبيرة، رغم حاجتهم إلى رعاية طبية متخصصة ومراقبة مستمرة.
وخلص الطبيب إلى أن استمرار هذه الممارسات جعل من الطواقم الطبية والمسؤولين عن المنظومة الصحية والدفاعية شركاء في انتهاك القانون، بحسب توصيفه .
شهادات الأطباء الفلسطينيين.. الطبيب الذي يعرف معنى الألم
من المفارقات الأكثر قسوة أن عدداً من المحتجزين في سديه تيمان كانوا أصلاً أطباء وممرضين ومسعفين من غزة ، وقد قدم عدد من الأطباء الفلسطينيين الذين احتُجزوا في سديه تيمان شهادات عن حرمانهم من العلاج رغم كونهم أطباء ويعرفون طبيعة الأمراض والإصابات التي يعانون منها.
الدكتور صالح عليوة، فقال إنه تعرض للضرب، وإن حتى المحتجزين المصابين بأمراض مزمنة كانوا، بحسب شهادته، يتعرضون للضرب من الأطباء أنفسهم عندما يُنقلون لمراجعة الطبيب.
ومن أكثر الشهادات مباشرة شهادة الدكتور محمد أبو سلمية، المدير السابق لمجمع الشفاء الطبي في غزة، الذي أُفرج عنه في يوليو/تموز 2024 بعد أكثر من سبعة أشهر من الاحتجاز الإسرائيلي.
بعد الإفراج عنه، تحدث أبو سلمية عن ظروف احتجازه في سديه تيمان، وقال إن التعذيب كان شبه يومي، وانه تعرض للضرب ولإصابات في يده ورأسه ، كما اتهم العاملين الطبيين في سديه تيمان بالمشاركة في الاعتداء على المحتجزين ، حيث قال : الطبيب هناك يضرب المعتقل، والممرض يضرب المعتقل.
عز الدين البنا.. مريض على كرسي متحرك
أما عز الدين البنا، فتفتح حالته باباً آخر في ملف الأسرى الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة بسبب الإعاقة أو فقدان القدرة على الحركة، وهي حالات تجعل أي تأخير في العلاج أو نقص في الرعاية أكثر خطورة، وقد يحوّل مضاعفة صحية قابلة للعلاج إلى تهديد مباشر للحياة.
كان البنا، وهو فلسطيني من قطاع غزة يبلغ من العمر40 عاماً، يعاني من إعاقة حركية ويستخدم كرسياً متحركاً قبل اعتقاله ، وبحسب تقارير وشهادات حقوقية، تدهورت حالته الصحية خلال الاحتجاز، وأصيب بتقرحات شديدة وعميقة، وهي مضاعفات ترتبط بصورة خاصة بقلة الحركة وطول البقاء في وضعية واحدة، ويمكن أن تتفاقم وتصاب بالعدوى إذا لم تحصل على العلاج والمراقبة الطبية المناسبين.
وتكشف شهادات نقلتها تقارير حقوقية أن البنا عانى من آلام شديدة لعدة أيام، فيما كانت حالته تتدهور بصورة واضحة ، وبحسب شهادة أحد المعتقلين التي وثقها تقرير لمؤسسة " الضمير " ، كان البنا يعاني من شلل سابق ومضاعفات خطيرة، فيما وصف الشاهد حالته بأنها بالغة الخطورة؛ إذ لم يكن قادراً على النوم منذ أيام، وبدا في حالة من الاضطراب وفقدان الوعي، كما تحولت بشرته إلى اللون الأصفر، ومع ذلك، أفادت الشهادة بأنه لم يُنقل إلى المستشفى رغم خطورة حالته.
وبحسب التقرير نفسه، قام طبيب بتقييم حالته وأكد خطورتها، إلا أن النقل إلى المستشفى لم يحدث في الوقت الذي كانت فيه حالته تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً ، وفي20 فبراير/ شباط 2024، وهو اليوم نفسه الذي نُقلت فيه هذه الشهادة، أُعلن عن وفاة البنا.
أمين خالد بركة.. حين يصبح الطبيب محطة عابرة بعد جلسة تعذيب
تكشف شهادة الصحفي الفلسطيني أمين خالد بركة عن جانب أكثر خطورة في العلاقة بين التعذيب والرعاية الطبية داخل السجون الإسرائيلية؛ إذ يروي أن نقله إلى الطبيب جاء بعد جلسة تحقيق تعرض خلالها لتعذيب شديد أفقده الوعي.
وبحسب شهادته، وجد نفسه بعد فقدان الوعي أمام الطبيب، بينما كان جسده في حالة إنهاك شديد نتيجة الضرب والتعذيب ، وعندما سأله الطبيب عما حدث، أخبره بركة بأنه تعرض للضرب والتعذيب وأنه فقد الوعي، إلا أن الطبيب، وفق روايته، رد عليه مستهزئاً بالقول إن الجنود تركوا المعركة في غزة وجاؤوا لضربه !!! ، ثم نفى أن يكون مصابًا، وقال له إنه " لا شيء فيه " وإنه يكذب.
يقول بركة إن جسده كان " مكسّرًا " وإنه لم يكن قادرًا على الوقوف على قدميه، ومع ذلك لم يجرِ، بحسب شهادته، تقديم فحص أو علاج يتناسب مع حالته، واقتصر الأمر على إعطائه نصف حبة دواء وبعض الماء.
الأخطر، وفق الاسير المحرر بركة ، أن التدخل الطبي لم يؤدِّ إلى وقف التحقيق أو ضمان حمايته من استمرار الاعتداء، بل أُعيد بعد انتهاء مقابلة الطبيب إلى غرفة التحقيق، حيث استؤنفت جولة التعذيب.
شهادة بركة ، تضع دور الطبيب أمام سؤال يتجاوز مسألة تقديم الدواء: ماذا يفعل الطبيب عندما يصل إليه معتقل بعد تعرضه للتعذيب؟ فالمعيار الطبي لا يقتصر على إعطاء مسكن أو ماء، وإنما يفترض تقييم الإصابات، وتحديد مدى خطورتها، وتوثيقها، وتأمين العلاج المناسب، خصوصًا عندما يكون المريض قد فقد الوعي نتيجة الاعتداء.
وفي حالة بركة، وفق روايته، جاءت اللحظة الطبية بين جولتين من التعذيب، من دون أن تؤدي إلى حماية المعتقل من العودة إلى مصدر الخطر.
طبيب السجن بين واجب العلاج وقيود الاحتجاز.. أين تقف المسؤولية الطبية والقانونية؟
لا تقف مسؤولية سلطات الاحتجاز تجاه الأسير عند حدود توفير مكان للإقامة أو تأمين احتياجاته الأساسية، بل تمتد إلى حماية حياته وسلامته الجسدية والنفسية وضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة ، ومن هنا، فإن موقع الطبيب داخل منظومة السجن لا يمكن النظر إليه باعتباره وظيفة إدارية عادية؛ فالطبيب، حتى عندما يعمل داخل مؤسسة احتجاز، يظل ملتزماً بقواعد مهنته وبالمبادئ الإنسانية التي تحكم ممارسة الطب.
وتضع اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، في المادة 91، إطاراً واضحاً للرعاية الطبية للأشخاص المحتجزين في حالات انطباقها، إذ تشترط وجود عيادة مناسبة تحت إشراف طبيب مؤهل، وتوجب توفير العلاج للحالات الخطيرة التي تحتاج إلى رعاية متخصصة أو جراحة أو دخول المستشفى ، كما تنص على عدم منع المحتجز من التقدم إلى السلطات الطبية للفحص.
وبالنسبة إلى أسرى الحرب، تنص المادة 30 من اتفاقية جنيف الثالثة على توفير الرعاية الطبية اللازمة، وإحالة من يعانون أمراضاً خطيرة أو يحتاجون إلى علاج متخصص أو جراحة أو رعاية مستشفى إلى وحدة طبية قادرة على تقديم العلاج المناسب.
وهذه القواعد تضع حداً واضحاً أمام تحويل الرعاية الطبية إلى أداة من أدوات العقاب أو السيطرة ، فالمريض المحتجز لا يفقد حقه في العلاج بسبب وضعه القانوني، ولا يجوز أن تصبح القيود الأمنية مبرراً لإهمال احتياجاته الطبية.
كما تتسع مسؤولية الطبيب عندما يواجه أسيراً يحمل آثار تعذيب أو ضرب أو معاملة قاسية ، فدوره لا ينبغي أن يقتصر على معالجة الإصابة، وإنما يمتد، وفق أخلاقيات المهنة، إلى عدم المشاركة في الانتهاك، وعدم استخدام المعرفة الطبية لتسهيله، والعمل على توثيق ما يراه وفق القواعد المهنية.
حين يفقد الطبيب استقلاله.. يفقد الأسير خط دفاعه الأخير
تُظهر الحالات التي وثقتها المؤسسات الحقوقية أن قضية الرعاية الصحية للأسرى الفلسطينيين لا يمكن اختزالها في عدد العيادات أو الأطباء أو الأدوية المتوفرة داخل السجون ، بل المعيار الحقيقي هو جودة الرعاية واستقلالها وتوقيتها.
فالأسير لا يحتاج إلى طبيب يكتفي بتسكين الألم، بل إلى طبيب يبحث عن سببه ، ولا يحتاج إلى تقرير يصف حالته بصورة شكلية، بل إلى تقييم طبي مستقل ودقيق ، ولا يحتاج إلى عيادة تفتح أبوابها له فحسب، بل إلى منظومة تضمن وصوله إلى العلاج المتخصص عندما يحتاج إليه.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام أي تحقيق جاد في الرعاية الصحية داخل السجون الإسرائيلية هو:
عندما يتعارض واجب الطبيب تجاه مريضه مع مصلحة المؤسسة التي تحتجزه، لمن تكون الأولوية؟
مواد مشابهة
“قلبي محروق عليهم الثلاثة”.. أم تنتظر أبناءها بين عوفر ومجدو
لاثة أبناء بين سجني عوفر ومجدو، وأم لا تملك سوى انتظار أخبارهم عبر المحامي. منذ الحرب، تضاعف قلقها مع انقطاع ا...
خرج يبحث عن ابنه فاختفى هو الآخر.. نجلاء تنتظر صلاح وجمال من...
خلال يومين فقط، فقدت نجلاء أبو سلطان ابنها صلاح ثم زوجها جمال. خرج صلاح من جباليا بحثًا عن الطعام في أيام المج...
غزة.. المفقودون بين السجون والركام
بعد سنوات من الانتظار، صار مطلب عائلات المفقودين في غزة بسيطًا وقاسيًا: أن تعرف أين أبناؤها، أحياء كانوا أم أم...