لا تحتاج والدة محمد وإسلام وبسام يوسف عبد الله نعالوه إلى كثير من الكلمات لتصف ما تعيشه. ثلاثة من أبنائها في الأسر في الوقت نفسه، موزعون بين سجني عوفر ومجدو، فيما تصل أخبارهم إلى البيت على فترات متباعدة، غالباً عبر محامٍ يستطيع زيارة أحدهم ثم ينقل للعائلة ما رآه وسمعه.
قد تمر شهران أو ثلاثة قبل أن يصل خبر جديد. خلال هذه الفترة لا تعرف الأم إن كان المرض قد عاد، أو إن كان أحد أبنائها خسر مزيداً من وزنه، أو إن كانت جلسة المحكمة التي انتظرتها العائلة قد عقدت فعلاً أم تأجلت مرة أخرى.
“ما عنا وسيلة نعرف أخبار أولادنا إلا زيارات المحامين المتفرقة والصعبة”، تقول.
خلال أقل من أربعة أشهر في عام 2025، اعتقلت قوات الاحتلال أبناءها الثلاثة واحداً بعد الآخر. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد العائلة تتابع قضية أسير واحد، بل ثلاث ملفات، في سجنين مختلفين، وفي ظل زيارات عائلية تقول الأم إنها حُرمت منها، ومحاكم لم تعد تستطيع الوصول إلى قاعاتها كما كان يحدث سابقاً.
ثلاثة اعتقالات.. وبيت واحد ينتظر
كان إسلام أول الإخوة الثلاثة اعتقالاً. تقول عائلته إن قوات الاحتلال اعتقلته في 28 مارس/آذار 2025، بعدما دخل الجنود إلى المنزل واقتادوه أمام أفراد أسرته. وتروي والدته أنه قُيد بطريقة عنيفة، ثم جُر باتجاه آلية الاعتقال، رغم محاولتهم مطالبة الجنود بالتعامل معه بصورة أفضل. وتضيف أن إسلام تعرض لتهديد بالقتل قبل اقتياده.
يوثق تقرير الموقف اليومي الصادر عن دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية اسم إسلام يوسف عبد الله نعالوه ضمن المعتقلين في مدينة طولكرم ومخيمي طولكرم ونور شمس خلال الفترة الممتدة من صباح 27 مارس/آذار حتى صباح 28 مارس/آذار 2025.
منذ ذلك اليوم، بقي إسلام في الأسر من دون صدور حكم نهائي بحقه، بحسب عائلته، مع تأجيل جلساته أكثر من مرة. وهو معتقل حالياً في سجن مجدو وفق المعلومات التي تصل إلى الأسرة.
لكن الخبر الذي بات يقلق والدته أكثر من المحكمة هو صحته. تقول إنه أصيب بمرض الجرب ثلاث مرات داخل السجن. تعافى في المرتين الأولى والثانية، ثم أصيب به للمرة الثالثة، وفي هذه المرة تقول العائلة إن العلاج لم يكن بالمستوى المطلوب، وإن حالته الجسدية بدأت تتراجع.
وتقدر والدته أنه فقد نحو 30 كيلوغراماً من وزنه منذ اعتقاله. “هو أصلاً ضعيف البنية”، تقول، لذلك لم تكن خسارة الوزن بالنسبة إليها رقماً عابراً يصلها عبر المحامي، بل خبراً يضاعف خوفها من الحالة التي سيبدو عليها ابنها إذا استطاعت رؤيته مرة أخرى.
وما ترويه الأسرة عن ظروف إسلام يتقاطع مع إفادات أخرى خرجت من مجدو. ففي مارس/آذار 2025، قالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين إن الطعام في السجن شحيح وإن مستلزمات النظافة الشخصية شبه منعدمة، ووثقت حالة أسير ظل يعاني من الجرب رغم تلقي العلاج، إلى جانب فقدانه 24 كيلوغراماً من وزنه.
وبعد ذلك بثلاثة أشهر، تحدثت الهيئة عن استمرار ازدياد حالات الجرب في مجدو، وقالت إن قلة النظافة والتهوية تجعل العلاج أقل فاعلية، إلى جانب شح الطعام وتقليص الفترة التي يخرج فيها الأسرى من الغرف.
لم تكن العائلة قد اعتادت بعد غياب إسلام عندما اعتُقل شقيقه بسام. في 23 يونيو/حزيران 2025، تقول والدته إن الجنود اعتدوا على بسام بالضرب أمام العائلة. تصف الاعتقال بأنه كان عنيفاً منذ اللحظة الأولى، ضرب بالأيدي والأرجل، وشتائم، ثم طرحه أرضاً وتكبيله بقوة.
وتقول إن الدم خرج من رأسه وجسده قبل اقتياده. منذ ذلك اليوم، تنقلت أخبار بسام إلى والدته بالطريقة نفسها، عبر المحامين. وهو معتقل حالياً في القسم 24 في سجن عوفر، بحسب العائلة.
أصيب بسام بمرض خلال فترة اعتقاله ثم تعافى، لكن والدته تقول إن ذلك لم ينه قلقها عليه. فما يصلها عنه يشير إلى انخفاض كبير في وزنه في ظل قلة الطعام وظروف الاحتجاز وقلة التعرض للشمس. وبسام أيضاً، كما تقول، ضعيف البنية في الأصل.
أما ملفه القضائي، فما يزال مفتوحاً بحسب الأسرة. جلساته تأجلت مراراً، ومنذ اعتقاله لم يصدر بحقه حكم نهائي.
بعد أقل من ثلاثة أسابيع على اعتقال بسام، جاء محمد. في 9 يوليو/تموز 2025، اعتقلت قوات الاحتلال محمد يوسف عبد الله نعالوه للمرة الثانية، بحسب عائلته.
تتذكر والدته لحظة الاعتقال من آثار الضرب التي بقيت على جسده. تقول إن الجنود اعتدوا عليه بصورة شديدة، ووجهوا إليه إهانات واعتداءات لفظية أمام أفراد أسرته، في أثناء الضغط عليه.
ثم اقتيد محمد، وبدأت مرحلة أخرى من البحث عن خبره. تقول العائلة إنها لم تتلق في البداية تواصلاً يوضح لها وضعه بعد اعتقاله، واضطرت إلى متابعة الأمر عن طريق المحامين. وهو محتجز اليوم في القسم 23 في سجن عوفر وفق إفادة الأسرة.
وتقول والدته إن حالته لم تحظ بالرعاية الطبية الكافية، وإن الطعام والاستحمام المحدود وقلة التعرض للشمس انعكست على صحته ووزنه، وأثرت كذلك على حالته النفسية.
في مايو/أيار 2026، وثقت هيئة شؤون الأسرى استمرار انتشار مرض السكابيوس بين أسرى عوفر بعد زيارات أجراها محاموها، وبين الحالات التي عرضتها أسير قالت إنه يعاني المرض منذ قرابة خمسة أشهر من دون تلقي العلاج اللازم.
إسلام أصيب به ثلاث مرات، ومحمد أصيب به في عوفر، وبسام عانى هو الآخر المرض خلال الأسر قبل تعافيه. وبين زيارة محامٍ وأخرى تبقى العائلة عاجزة عن معرفة ما يحدث بصورة يومية داخل السجن.
المحكمة التي لا تصل إليها الأم
ليس المرض وحده ما يطيل الانتظار في بيت عائلة نعالوه.هناك المحاكم أيضاً.
تقول الأسرة إن محمد بقي لفترة طويلة لا يُنقل فيها إلى المحكمة، وإن إجراءات مرتبطة بقضيته سجلت في غيابه لنحو تسعة أشهر بحسب ما وصلها عن طريق المحامي.
وعندما سألت العائلة عن سبب ذلك، أُبلغت بأن الأمر مرتبط بقرار وإجراءات المحكمة.
ومنذ اعتقاله، تأجلت محاكمته أكثر من مرة ولم يصدر بحقه حكم نهائي حتى الآن، وفق عائلته.
يتكرر الأمر مع إسلام وبسام أيضاً. مواعيد تنتظرها الأسرة ثم تتغير، وقضايا تمتد أشهراً طويلة من دون أن تعرف الأم متى ستصل إلى نهايتها.
جزء من هذه الصورة يتجاوز ملفات الإخوة الثلاثة. ففي مارس/آذار 2026، أعلنت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير تأجيل جميع جلسات المحاكم في مرحلة المرافعات في عوفر وسالم لأسبوعين متتاليين، قبل أن يمتد التأجيل إلى أسبوع ثالث من دون تحديد مواعيد جديدة لبعض الجلسات.
وفي أحد تلك التحديثات، قالت المؤسستان أيضاً إنه لن يسمح للأهالي بحضور جلسات تمديد التوقيف في محكمة عوفر، مع قيود طالت دخول المحامين والزيارات القانونية في تلك الفترة.
بالنسبة إلى والدة محمد وإسلام وبسام، للمحكمة معنى آخر. هي المكان الذي كانت تأمل أن ترى فيه أبناءها ولو لدقائق.
تتذكر أن أفراد العائلة كانوا يستطيعون في السابق دخول المحكمة، وكان يسمح لاثنين من أقارب الأسير بحضور الجلسة. لذلك حاولت بعد اعتقال أبنائها أن تستخدم المحكمة كنافذة لرؤيتهم.
وصلت إلى الباب. ثم مُنعت من الدخول.
“حاولت أروح وأشوفهم من خلال المحاكم، كنت أوصل لباب المحكمة ويتم منعي من الدخول. مع إنه كنا سابقاً بندخل، وكان مسموح لكل أسير يدخل اثنين من أهله وقت المحاكمة. لكن كل الظروف اليوم تغيرت واختلفت”.
لهذا أصبحت زيارة المحامي حدثاً تنتظره الأسرة. ليس لأن الزيارة ستغير شيئاً في القضية، بل لأنها قد تحمل معلومة صغيرة، عن الوزن، أو المرض، أو مكان الاحتجاز، أو موعد المحكمة المقبل .وعندما تمر أسابيع من دون زيارة، لا يوجد شيء آخر تقريباً.
ثلاثة أبناء وخبر واحد كل بضعة أشهر
مر أكثر من 17 شهراً على اعتقال إسلام، وأكثر من 14 شهراً على اعتقال بسام، واقترب محمد من إكمال 14 شهراً في الأسر.
لكن الأم لا تعد الوقت بالأشهر فقط. تعده بالفترات التي تمر بين خبر وآخر.
تقول إن زيارات المحامين قد تأتي مرة كل شهرين أو ثلاثة، ولذلك تصبح المعلومة التي يحملها المحامي آخر صورة تحتفظ بها لابنها حتى تصل الزيارة التالية.
إذا قال إنه خسر وزناً، تظل تلك الجملة معها. إذا قال إنه مريض، تبقى تنتظر شهوراً لتعرف إن كان تعافى.
وإذا أخبرها عن موعد محكمة، تنتظر الموعد من دون أن تعرف إن كانت ستتمكن من الاقتراب من ابنها أو إن كانت الجلسة ستؤجل مرة جديدة.
محمد في عوفر، وبسام في عوفر، وإسلام في مجدو.
ثلاثة أبناء، وسجنان، وأم واحدة تحاول أن تجمع تفاصيل حياتهم من أخبار متفرقة.
“بعد الحرب تغيرت السجون كلها، وكل خبر بخلينا نعيش بقلق كبير”، تقول.
ثم تعود إلى أكثر ما يثقل عليها منذ اعتقالهم. ليست قادرة على زيارة واحد منهم، ولا أن ترى بنفسها إن كان جسده قد تغير، ولا أن تسأله كيف يعيش أيامه.
ما بقي لها هو أن تنتظر المحامي. وأن تكرر الجملة نفسها كلما تحدثت عن أبنائها:
“قلبي محروق عليهم الثلاثة بين عوفر ومجدو، لأني ما بقدر أزورهم ولا أشوفهم”.
مواد مشابهة
خرج يبحث عن ابنه فاختفى هو الآخر.. نجلاء تنتظر صلاح وجمال من...
خلال يومين فقط، فقدت نجلاء أبو سلطان ابنها صلاح ثم زوجها جمال. خرج صلاح من جباليا بحثًا عن الطعام في أيام المج...
غزة.. المفقودون بين السجون والركام
بعد سنوات من الانتظار، صار مطلب عائلات المفقودين في غزة بسيطًا وقاسيًا: أن تعرف أين أبناؤها، أحياء كانوا أم أم...
بين النقب ومجدو.. اختلاف الجغرافيا لا يغيّر واقع الاحتجاز
قد تختلف الجدران، والأقسام، والحراس، وأسماء الأسرى، لكن الشهادات الواردة من داخل مجدو والنقب، إلى جانب ما توثق...