لم تكن الجغرافيا يوماً حاجزاً أمام صياغة العقيدة الأمنية والسياسية لمصلحة السجون الإسرائيلية؛ فبين حرارة الصحراء الحارقة في معتقل النقب الصحراوي جنوباً، وبين الرطوبة والبرودة الحاضرة في سجن مجدو شمالاً، تلتقي خطوط السياسة الاعتقالية لتشكل مشهداً واحداً لا يتغير، فيعتبر سجن النقب ( بأقسامه وخيامه المترامية ) وسجن مجدو ( بأبنيته الإسمنتية المحصنة ) بمثابة " مختبرين " يعكسان تماماً ما يحدث داخل غياهب السجون وقلاع الأسر، ولا سيما في ظل تصاعد وتيرة الإجراءات التنكيلية الجماعية غير المسبوقة منذ أواخر عام 2023 وحتى عام 2026 .
وعلى الرغم من اختلاف الموقع الجغرافي وطبيعة المنشآت بين معتقل النقب الصحراوي وسجن مجدو في شمالها، فإن الإفادات التي تصل من داخل السجنين، إلى جانب ما وثقته مؤسسات حقوقية وأممية، تكشف عن أوجه تشابه واسعة في ظروف الاحتجاز وأنماط التضييق المفروضة على الأسرى.
مجدو.. المرض والجوع خلف القضبان
في سجن مجدو، الذي يتخذ شكل منشأة إسمنتية مغلقة وتحيط به إجراءات أمنية مشددة، تتوالى الإفادات التي توثق تدهور أوضاع الأسرى والمعتقلين، بينهم أطفال وقاصرون وأسرى محكومون ، وتشمل أبرز الشكاوى الاعتداءات والقمع، والنقل المتكرر بين الغرف والأقسام، وتشديد القيود على الحركة، والعزل، إلى جانب تدهور الأوضاع الصحية والغذائية.
ومن أحدث الشهادات التي تسلط الضوء على هذه الظروف، ما نقله المحامي حسن عبادي عن الأسير إيهاب شولي من بلدة عصيرة الشمالية، قضاء نابلس، والمعتقل منذ 15 يناير/ كانون الثاني 2025، وأفاد الشولي بأن وزنه انخفض من102 كيلوغرام قبل الاعتقال إلى 59 كيلوغراماً، واصفاً ظروف الاحتجاز بأنها " كثير كثير صعبة "، ومشيراً إلى استمرار حملات القمع وتصاعد حدتها، بالتزامن مع عمليات النقل المتكررة بين الغرف والأقسام.
وبحسب إفادته، يعاني الأسرى من نقص الملابس وتقصير فترات " الفورة "، فيما تتفاقم أوضاع التجويع بصورة متواصلة. كما تحدث عن عزل الأسرى عن العالم الخارجي، موضحاً أنهم " مقطوعين عن العالم "، وأن ما يصلهم من أخبار يعتمد بدرجة كبيرة على الأسرى الجدد.
ولا تقتصر المعاناة على الظروف المعيشية، إذ تشير الإفادة أيضاً إلى تدهور الرعاية الصحية، وعدم حصول المرضى على العلاج اللازم، ولا سيما الذين يعانون من آلام الأسنان ، كما وصف شولي الغرف بأنها مغلقة بصورة مستمرة، الأمر الذي يجعل ظروف الإقامة فيها، وفق إفادته، خانقة وشديدة الصعوبة.
وتكشف شهادة وثقتها هيئة شؤون الأسرى والمحررين عن جانب آخر من الانتهاكات، إذ أفادت بأن الأسير وسيم بني حسن (22 عاماً)، المحتجز في سجن مجدو، فقد السمع في أذنه اليمنى إثر تعرضه للضرب المبرح على يد السجانين، في وقت تُرك فيه يعاني من مرض الجرب (السكابيوس) من دون تلقي العلاج اللازم، وفق ما ورد في الشهادة.
كما يحتجز الاحتلال مئات الأطفال والفتية القاصرين في سجن مجدو، و يتعرض هؤلاء الأطفال لذات الظروف القاسية التي يتعرض لها البالغون من حرمان من التعليم، وعزل، وضغوط نفسية صعبة، وقد بلغت الذروة في تسجيل حالات وفاة داخل السجون تحت ظروف غامضة، مثل حالة الطفل وليد عبد الله خالد (17 عاماً) في مجدو ، وحالة المعتقل الإداري أحمد سعيد صالح طزازعة (20 عامًا) من محافظة جنين، الذي استشهد داخل سجن "مجدو"، في ظروف ما تزال غامضة دون تقديم رواية واضحة حول أسباب الوفاة أو ظروفها.
النقب.. المرض لا يجد علاجاً والقمع لا يتوقف
إذا كان سجن مجدو يقدم نموذجاً لتدهور الأوضاع الغذائية والصحية، فإن سجن النقب يبرز في الإفادات الأخيرة بوصفه نموذجاً لتداخل أشكال متعددة من المعاناة في وقت واحد؛ من المرض والجوع ونقص الملابس، إلى الحرمان من "الفورة"، وسوء التهوية، والاقتحامات والاعتداءات.
ففي النقب، حيث يعيش الأسرى في بيئة صحراوية قاسية، تتحدث الإفادات عن وجود أعداد كبيرة من المعتقلين، بينهم معتقلون إداريون، وسط ظروف احتجاز تترافق مع اقتحام الأقسام والخيام، ومصادرة المقتنيات، وتقليص الحركة وفترات " الفورة " ، كما تشير الشهادات إلى معاناة الأسرى من ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة وسوء التهوية، إلى جانب نقص الطعام والملابس ومواد النظافة، وانتشار أمراض جلدية، من بينها الجرب والفطريات والحساسية، في ظل شكاوى متكررة من صعوبة الحصول على الرعاية والعلاج.
الجرب.. مرض ينتشر خلف الأبواب المغلقة
يحضر مرض الجرب (السكايبوس) بصورة متكررة في شهادات الأسرى وتقارير الجهات الحقوقية التي تناولت أوضاع النقب ، وفي تحقيق نشرته شبكة أريج، نقلت شهادات أسرى سابقين من النقب حديثاً عن انتشار المرض نتيجة صعوبة الاستحمام وتغيير الملابس، إلى جانب معاناة المعتقلين من الأمراض الجلدية والدمامل والالتهابات، في ظل نقص مستلزمات النظافة وعدم توفير العلاج المناسب، وفق الشهادات.
وتتقاطع هذه الإفادات مع ما ورد في تقرير للجنة الأمم المتحدة الخاصة بشأن انتشار الجرب والالتهابات الجلدية بين المعتقلين الفلسطينيين، وربط ذلك بالظروف الصحية المتدهورة داخل أماكن الاحتجاز.
وبذلك، لا يعود الجرب مجرد مشكلة صحية فردية، بل أصبح مؤشراً على طبيعة البيئة التي يعيش فيها الأسرى؛ فانتشار المرض في مكان مغلق، بالتزامن مع نقص الاستحمام والملابس ومواد النظافة والعلاج، يزيد من احتمالات تفاقمه وانتقاله بين المحتجزين.
وبحسب معلومات نشرها مكتب إعلام الأسرى، فإن سجاني النقب يزيدون معاناة الأسرى المصابين بالجرب، إذ يتعمدون، وفق المكتب، ضرب الدمامل الموجودة على أجساد الأسرى حتى تسيل الدماء، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم آلامهم وأوضاعهم الصحية.
ويقول المكتب إن مرض الجرب (السكايبوس) ينتشر بصورة واسعة بين الأسرى، إلى جانب الفطريات والحساسية، في ظل استمرار ما وصفه بالإهمال الطبي وحرمان المرضى من العلاج.
وفي تقرير نشرته هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية أواخر يوليو/ تموز 2026، تحدث أسرى في النقب عن استمرار ما وصفوه بالإهمال الطبي، ورداءة الطعام وعدم كفايته، ونقص الملابس، فضلاً عن الاعتداءات الجسدية واللفظية. ووثقت الهيئة، بحسب التقرير، حالة الأسير هاشم مأمون محاسنة (19 عاماً)، الذي يعاني آلاماً شديدة في الأسنان والتهاباً فطرياً واسع الانتشار في الجلد، مع استمرار حاجته إلى العلاج الطبي.
طعام فاسد.. غرف مغلقة.. وحرمان من التهوية
وتتضمن إفادات أخرى بشأن النقب أن إدارة السجن تواصل إغلاق نوافذ الغرف رغم الحر الشديد والرطوبة، الأمر الذي يزيد من صعوبة الظروف المعيشية التي يعيشها الأسرى، ويحد من دخول الهواء إلى أماكن احتجازهم، ولا سيما في ظل مصادرة المراوح.
كما أفادت شهادات بأن الطعام المقدم للأسرى لا يزال في حالة سيئة، وأن بعض الوجبات وُصفت بأنها فاسدة أو تحتوي على العفن، فيما أشارت الإفادات إلى أن تناولها تسبب، وفق ما ورد، في حالات إسهال وآلام في المعدة بين عدد من الأسرى.
وتتضمن إفادات حديثة من داخل سجن النقب معلومات عن عملية قمع وُصفت بالعنيفة تعرض لها الأسرى، وتخللتها، بحسب ما ورد في تلك الإفادات، اعتداءات جسدية وانتهاكات ، كما تحدثت المصادر عن استمرار استخدام غاز الفلفل بحق الأسرى بصورة شبه يومية، بالتزامن مع ما وصفته بتصاعد سياسة التنكيل ، إضافةً إلى مصادرة المصاحف من جميع أقسام سجن النقب، في إجراء يُضاف إلى القيود المفروضة على الحياة اليومية للأسرى.
شهادات المحامين.. تفاصيل من داخل الغرف
وتضيف شهادات المحامين الذين يزورون الأسرى تفاصيل أكثر تحديداً عن الحياة اليومية داخل النقب ، فبحسب شهادة نقلها محامٍ عقب زيارته لأسير في قسم ( ب)، غرفة (3)، فإن الأوضاع داخل السجن " سيئة جداً "، فيما كان الطعام، وفق الإفادة، " قليل جداً "، ولم تكن الملابس الصيفية متوفرة بالكميات الكافية.
وفي إفادة أخرى نقلها محامٍ خلال زيارته للأسير حارث عودة في سجن النقب، قسم 27، غرفة 13، ورد وصف تفصيلي لما يحصل عليه الأسرى من طعام ، ووفق الشهادة، يحصل الأسرى على نحو 10 أرغفة من الخبز وملعقتين من الحمص، وفي بعض الأيام بيضة، وفي أيام أخرى فلافل، وأحياناً حبش أو نقانق.
ووصف الأسير طبيعة الوجبات بأنها متغيرة من يوم إلى آخر، قائلاً إن الطعام " كل يوم شِكل "، وإن الأسرى " مدبرين حالهم " .
أما "الفورة"، فأفاد بأن الأسرى لم يخرجوا إليها لمدة يومين، وأن مدتها، عندما تُتاح، لا تتجاوز في العادة 15 دقيقة ، وأضاف أن لكل أسير قطعة غيار واحدة من الملابس.
من أخطر المعلومات الواردة بشأن سجن النقب ما يتعلق بادعاء تعرض أحد الأسرى للتعذيب أثناء التحقيق ، وبحسب المعلومات الواردة في الإفادة، أقدمت إدارة سجن النقب على خلع أظافر أحد الأسرى باستخدام "الزرادية" لإجباره على الاعتراف، ثم اعتدت عليه لإرغامه على سحب شكوى تقدم بها.
وليست ادعاءات استخدام أدوات مؤلمة لانتزاع الاعترافات غريبة عن ملف الاحتجاز الفلسطيني؛ فقد وثق مركز الميزان لحقوق الإنسان شهادات معتقلين تضمنت، في إحدى الحالات، إفادة عن خلع ثلاثة أظافر باستخدام "زرادية" أثناء التحقيق.
ما بعد 7 أكتوبر.. تصعيد أم استمرار لسياسة قديمة؟
من الخطأ اختزال كل ما يحدث داخل السجون في فترة ما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وكأنها بدأت من الصفر؛ فسياسات الاعتقال الإداري، والحبس الانفرادي، والتضييق على الأسرى، والشكاوى من الإهمال الطبي كانت موثقة قبل ذلك ، لكن تقارير ما بعد أكتوبر تشير إلى تصعيد واسع في مستوى الانتهاكات والظروف المفروضة.
وفي مايو/ أيار 2026، قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالتعذيب إن التحقيقات التي جمعتها تضمنت 52 حادثة لأشكال مختلفة من التعذيب أو سوء المعاملة، و33 حادثة أخرى من التعذيب الجنسي أو سوء المعاملة ذات الطابع الجنسي ، وشملت الادعاءات الضرب الشديد، ووضعيات الإجهاد، والتقييد المفرط، والصعق الكهربائي، والحرمان من النوم، وسوء التغذية والتجويع، والاحتجاز المطول بمعزل عن العالم الخارجي، والازدحام والظروف غير الصحية وانتشار الأمراض والحرمان من الرعاية الطبية وضوء الشمس والتهوية.
وفي تقرير آخر للأمم المتحدة حول العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، تم التحقق من حالات عنف جنسي تعرض لها معتقلون فلسطينيون، بما في ذلك حالات وقعت داخل منشآت تابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية، ومن بينها مجدو، إلى جانب منشآت اعتقالية أخرى.
سجان واحد.. وإن اختلفت الجدران
قد تختلف الجدران، والأقسام، والحراس، وأسماء الأسرى، لكن الشهادات الواردة من داخل مجدو والنقب، إلى جانب ما توثقه المؤسسات الحقوقية، ترسم صورة تُؤكد فيها أن النقب ومجدو ليسا حالتين منفصلتين، وإنما نافذتان على منظومة احتجاز أوسع؛ فاختلاف الموقع الجغرافي لا يعني اختلافاً جوهرياً في الشكاوى التي يوردها الأسرى ، من تدهور الأوضاع الصحية والغذائية، إلى العزل، والقيود على الحركة، والاعتداءات، ونقص الرعاية الطبية والاحتياجات الأساسية.
وبينما تتوالى الإفادات، تبقى مسؤولية التحقق والتوثيق والمساءلة قائمة، وهو ما يستدعي رقابة دولية مستقلة، وتحقيقات نزيهة وشفافة، وضمان وصول الجهات الحقوقية المختصة إلى أماكن الاحتجاز للوقوف على حقيقة الظروف التي يعيشها الأسرى، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها التحقيقات.
وفي هذا السياق، تُؤكد مؤسسة العهد الدولية على أهمية توثيق الانتهاكات المتعلقة بالأسرى وإبقاء ملف حقوقهم حاضراً أمام الجهات الدولية والحقوقية، بما يسهم في نقل شهاداتهم إلى مساحة أوسع من الاهتمام والمساءلة.
فخلف كل جدار سجن، هناك إنسان ينتظر حقه في العلاج والكرامة والعدالة؛ وعدالة الأسرى لا ينبغي أن تبقى وعداً مؤجلاً، بل مسؤولية قانونية وحقوقية وإنسانية تتطلب تحركاً جاداً، حتى لا تتحول الشهادات المتكررة إلى مجرد أرقام في سجلات الانتهاكات.
مواد مشابهة
عدنان البرش طبيب دخل عوفر حيًا وبقي جثمانه محتجزًا
بعد أكثر من عامين على ذلك اليوم، ما يزال جثمان رئيس قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي محتجزًا لدى السلطات الإسرا...
من “السيلفي” إلى القتل: حين يوثق جنود الاحتلال تنكيلهم بالأس...
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، نشر جنود وضباط إسرائيليون عشرات الصور ومقاطع الفيديو على حساباتهم الشخصية، يظهر ف...
الاعتقال الإداري: حين يصبح موعد الحرية قرارًا مؤجلًا
لم يعد الاعتقال الإداري مجرد إجراء استثنائي كما يفترض أن يكون في القانون الدولي، بل تحول إلى سياسة واسعة النطا...