الخميس 27 أغسطس 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

عدنان البرش طبيب دخل عوفر حيًا وبقي جثمانه محتجزًا

26 أغسطس 2026 قراءة 9 دقيقة

 

 

عندما دخل الأسير الفلسطيني إسلام حجازي إحدى غرف القسم 23 في سجن عوفر، أخبره الأسرى بشيء لم يكن يعرفه.

“هاي الغرفة اللي استشهد فيها الدكتور عدنان البرش”.

توقف حجازي عند الاسم. كان يعرف الطبيب الشهير في غزة، لكنه لم يكن يعلم أنه توفي في السجن. ومن تلك الغرفة بدأت تتجمع أمامه، من روايات أسرى كانوا مع البرش في مراحل مختلفة من اعتقاله، تفاصيل الأيام والساعات التي سبقت وفاته في 19 أبريل/نيسان 2024.

بعد أكثر من عامين على ذلك اليوم، ما يزال جثمان رئيس قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي محتجزًا لدى السلطات الإسرائيلية، فيما لم تعلن إسرائيل سببًا طبيًا مفصلًا لوفاته، ولم يُجر، بحسب المعلومات التي توصلت إليها لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، تشريح جنائي مستقل لجثمانه.

وبين ما رواه أسرى كانوا معه، وما وثقته مؤسسات حقوقية إسرائيلية وتقارير أممية لاحقة، تظهر صورة طبيب اعتُقل وهو يعمل داخل مستشفى، ثم شوهد خلال احتجازه مصابًا وغير قادر على الحركة بصورة طبيعية، قبل أن يصل إلى عوفر بحالة جسدية شديدة التدهور ويموت بعد وقت قصير.

طبيب بقي في الشمال

كان عدنان أحمد عطية البرش واحدًا من أشهر جراحي العظام في قطاع غزة. وُلد في جباليا في 17 سبتمبر/أيلول 1974، ودرس الطب في رومانيا، ثم تخصص في جراحة العظام والمفاصل، وحصل على البوردين الفلسطيني والأردني وزمالة بريطانية في جراحة الكسور المعقدة. وترأس قسم العظام في مجمع الشفاء الطبي، كما تولى رئاسة الدائرة الطبية في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم. 

بعيدًا عن صورته الرسمية كطبيب، تكشف مقابلة قديمة أجرتها معه مؤسسة “العون الطبي للفلسطينيين” جانبًا آخر من حياته. كان يحب التصوير والسباحة والقهوة، ويقول إن الأطفال كانوا أكثر المرضى تأثيرًا فيه، وإن معاناتهم أثناء العلاج كانت تمسه كما لو كانوا أبناءه. 

مع اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبح البرش واحدًا من الأطباء الذين تنقلوا بين مستشفيات شمال قطاع غزة مع انهيار النظام الصحي.

عمل في مجمع الشفاء، ثم انتقل إلى المستشفى الإندونيسي، حيث أصيب خلال نوفمبر/تشرين الثاني أثناء عمله، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى مستشفى العودة في شمال غزة. 

بدأ حصار مستشفى العودة في أوائل ديسمبر، لكن التاريخ الأكثر توثيقًا لاعتقال البرش هو 18 ديسمبر/كانون الأول 2023.

وفي رسالة رسمية وجهتها المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في الصحة إلى الحكومة الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2024، ورد أن القوات الإسرائيلية اعتقلت البرش في ذلك اليوم من مستشفى العودة برفقة ثلاثة أطباء وعامل صحي آخر.

وتضيف الرسالة أن البرش كان قبل اعتقاله في صحة جيدة عمومًا ويؤدي عمله بصورة طبيعية، رغم إصابة طفيفة كان قد تعرض لها قبل أيام. 

كانت تلك آخر مرة يمارس فيها عمله طبيبًا خارج الأسر.

من مستشفى العودة إلى سدي تيمان

بعد اعتقاله نُقل البرش إلى معتقل سدي تيمان. وهناك التقى به الطبيب الفلسطيني خالد حمودة، الذي كان معتقلًا أيضًا وأُجبر، وفق شهادته، على مساعدة إدارة المعتقل في التعامل مع المحتجزين المرضى.

روى حمودة لاحقًا أن البرش أخبره عند وصوله بأنه تعرض لضرب شديد، وكان يشعر بألم في مختلف أنحاء جسده، ويعتقد أن بعض أضلاعه ربما كُسرت. وقال إنه كان عاجزًا عن الذهاب إلى المرحاض بمفرده. 

تتقاطع هذه الشهادة مع ما وثقته المقررة الأممية لاحقًا. ففي رسالتها إلى الحكومة الإسرائيلية، قالت إن حالة البرش تدهورت أثناء الاحتجاز، وإن المعلومات التي تلقتها تحدثت عن وجود علامات تعذيب على جسده وعن تعرضه للضرب إلى درجة عجزه عن استخدام المرحاض بصورة مستقلة. 

أما الجيش الإسرائيلي فقال لسكاي نيوز إن البرش غادر سدي تيمان في 20 ديسمبر/كانون الأول 2023، وانتقل بعد ذلك إلى مسؤولية مصلحة السجون الإسرائيلية. 

ولا تظهر في المصادر الرسمية المتاحة معلومات عن توجيه لائحة اتهام إليه. وتقول رسالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة صراحة إنها لم تتلق معلومات عن أي اتهامات وُجهت للبرش. 

التحقيق وما سمعه حجازي

إسلام حجازي اعتُقل من قطاع غزة في مارس/آذار 2024، وأمضى 19 شهرًا في السجون الإسرائيلية، وتنقل بين عدة معتقلات قبل الإفراج عنه.

عندما وصل إلى القسم 23 في عوفر، بدأ يسمع من الأسرى قصة البرش.

ويشدد حجازي في شهادته على أن جزءًا من التفاصيل التي يرويها لم يشاهده بنفسه، وإنما نقله إليه أسير كان مع البرش خلال التحقيق وفي رحلة نقله إلى عوفر.

بحسب هذه الرواية، خضع البرش للتحقيق بشأن تقديمه العلاج لأسرى كانوا موجودين في غزة.

وينقل حجازي عن الأسير أن البرش أجاب المحققين بأنه طبيب، وأن واجبه هو علاج أي مصاب يصل إليه بصرف النظر عن هويته.

وتتقاطع طبيعة هذه الأسئلة مع نمط أوسع وثقته الأمم المتحدة في التحقيق مع العاملين الصحيين المعتقلين من غزة. ففي رسالة المقررة الخاصة بالحق في الصحة، ورد أن التحقيقات مع أطباء وعاملين صحيين شملت أسئلة عما إذا كانوا قد عالجوا أسرى إسرائيليين، وعن منشآت المستشفيات وعاملين آخرين فيها.

أما التفاصيل التي رواها حجازي حول عرض صور لأسرى على البرش، والطلب منه طمأنة ذويهم، فلم تعثر “العهد” على مصدر مستقل يثبتها، ولذلك تبقى منسوبة إلى الأسير الذي نقلها إليه.

ويقول حجازي إن الأسير أخبره بأن المحقق أبلغ البرش لاحقًا بانتهاء التحقيق وبأنه سينقل إلى عوفر. لكن ما جرى عند وصوله إلى هناك، وفق الرواية نفسها، كان مختلفًا.

“أنت الدكتور؟”

كان البرش، بحسب ما نُقل إلى حجازي، في سيارة نقل مع سبعة معتقلين آخرين.

وعند الوصول إلى عوفر، يقول حجازي إن عددًا كبيرًا من السجانين انتظر المجموعة وبدأوا يسألون المعتقلين واحدًا تلو الآخر: “أنت الدكتور؟”.

حتى وصل الدور إلى عدنان البرش.

“قالوا: آه”، يروي حجازي.

ويقول إن الأسير الذي كان معه أخبره بأن مجموعة من السجانين أحاطت بالبرش واعتدت عليه بعنف، بالضرب والركل والهراوات، لمدة قال إنها قاربت نصف ساعة.

لم تتمكن “العهد” من التحقق بصورة مستقلة من عدد السجانين أو مدة الاعتداء أو تفاصيله الدقيقة.

لكن هناك شهادة مستقلة أخرى، حصلت عليها مؤسسة “هموكيد” الإسرائيلية لحقوق الإنسان من معتقل كان موجودًا في عوفر ويعرف البرش من غزة، وتتقاطع مع الجزء الجوهري من الرواية، وهو وصول الطبيب إلى القسم في حالة جسدية شديدة السوء.

بحسب الإفادة التي نشرتها سكاي نيوز، وصل البرش إلى القسم 23 في منتصف أبريل/نيسان، وكانت آثار الاعتداء ظاهرة على جسده، وكان الجزء السفلي من جسده عاريًا. وقال الشاهد إن السجانين تركوه في ساحة القسم وهو غير قادر على الوقوف، قبل أن يساعده أحد المعتقلين على الوصول إلى إحدى الغرف. وبعد دقائق سُمع صراخ من الغرفة يفيد بأن البرش مات.

لم تبق هذه الإفادة محصورة في تحقيق صحفي.

ففي مارس/آذار 2025، أوردت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة قضية البرش ضمن تقريرها عن العنف الجنسي والجندري بحق الفلسطينيين. وقالت إنها تلقت تقارير تفيد بتعرضه لعنف جنسي في السجن قبل وفاته.

كما أوردت اللجنة شهادة المعتقل الذي شاهده في عوفر، وقالت إنه كان قد تعرض للاعتداء وإن الجزء السفلي من جسده كان مجردًا من الملابس. 

لكن التقرير لا يحدد في حالة البرش طبيعة الاعتداء الجنسي بالتفصيل ولا يثبت الروايات المتداولة التي ذهبت أبعد من ذلك. لذلك لا يمكن مهنيًا الجزم بتعرضه للاغتصاب أو القول إن الاغتصاب كان سبب وفاته استنادًا إلى التقرير الأممي وحده.

الدقائق الأخيرة

يقول حجازي إن ما بقي متداولًا بين أسرى القسم 23 هو أن البرش لم يدخل القسم مع بقية المجموعة، بل وصل بعدهم، ثم انهار في ساحته.

وينقل عن الأسرى أنه كان يتنفس بصعوبة شديدة. بدأ المعتقلون يطالبون باستدعاء طبيب.

“بدنا دكتور، الدكتور عدنان بيموت”، يتذكر حجازي العبارة التي قال له الأسرى إنهم كانوا يصرخون بها. بحسب شهادته، لم تتم الاستجابة لهم مباشرة، قبل أن تؤدي حالة الاحتجاج والصراخ داخل القسم إلى استدعاء طبيب.

بعد ذلك أُخرج البرش، وفُحص، وأبلغ الأسرى بأن قلبه توقف.

جزء من هذه الرواية يتقاطع مرة أخرى مع الشهادة التي حصلت عليها هموكيد، والتي تضع البرش في القسم 23، عاجزًا عن الوقوف، قبل أن يدخل غرفة بمساعدة أسير ثم يُعلن موته بعد دقائق. 

لكن لا يوجد حتى الآن تقرير طبي مستقل منشور يسمح بتحديد سبب الوفاة أو الآلية التي أدت إلى توقف قلبه.

وتروي شهادة حجازي أن ضباطًا حضروا بعد وفاة البرش وهددوا الأسرى من أي احتجاج أو إضراب، وأن جثمان الطبيب وُضع في كيس أبيض وأُخرج من القسم.

ماذا نعرف عن سبب موته؟

المؤكد حتى الآن أقل من التفاصيل التي ما تزال بلا جواب.

توفي عدنان البرش في عوفر في 19 أبريل/نيسان 2024. هذا التاريخ تؤكده الأمم المتحدة ومصادر حقوقية وتقارير إعلامية متعددة. 

أما خبر وفاته فلم يصل إلى العلن في اليوم نفسه. أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني خبر استشهاده في مطلع مايو/أيار 2024، أي بعد نحو أسبوعين من وفاته.

وفي مايو/أيار 2024، طالبت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في الصحة بإجراء تحقيق دولي مستقل، وقالت إن المعلومات المتوافرة بشأن تعرضه للضرب وظهور علامات تعذيب على جسده تثير مخاوف جدية من أن وفاته جاءت بعد تعرضه للتعذيب. 

وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، قالت المقررة في مراسلتها الرسمية للحكومة الإسرائيلية إنها لم تتلق معلومات عن إجراء تشريح للجثمان، أو تقرير رسمي إسرائيلي يتضمن تفاصيل أسباب الوفاة. 

ثم جاءت لجنة التحقيق الدولية في مارس/آذار 2025 لتؤكد أنها، حتى ذلك الوقت، لم تكن على علم بإجراء تشريح جنائي مستقل لجثمانه، وأن إسرائيل ما تزال تحتفظ به. (الأمم المتحدة)

وفي أحدث شهادة علنية للعائلة، في 5 أغسطس/آب 2026، أكد شقيقه منير البرش وزوجته ياسمين حمادة أن الجثمان لا يزال محتجزًا، وطالبا بتحقيق دولي مستقل وتسليمه إلى أسرته لدفنه. 

غرفة بقيت شاهدة

حين دخل إسلام حجازي القسم 23، كان عدنان البرش قد غاب عن الغرفة منذ أشهر. لكن الأسرى لم يكونوا بحاجة إلى ملف طبي أو تقرير رسمي كي يتذكروا المكان. هذه، قالوا له، الغرفة التي مات فيها الدكتور عدنان.

أما خارج السجن، فلا تزال الأسئلة التي بدأت في 19 أبريل/نيسان 2024 مفتوحة.

كيف وصل البرش إلى عوفر بتلك الحالة؟ ما الذي تعرض له في الساعات التي سبقت وفاته؟ لماذا لم يُعلن سبب طبي واضح لموته؟ وهل أُجري لجثمانه أي فحص يمكن أن يحسم تلك الأسئلة؟

حتى اليوم لا تملك أسرته جثمانًا تدفنه، ولا تقريرًا طبيًا مستقلًا يشرح لها كيف مات.

وبقيت واحدة من آخر العبارات التي ينقلها الأسرى عن القسم 23 أكثر اختصارًا من كل الملفات التي لم تُفتح بعد:

“بدنا دكتور، الدكتور عدنان بيموت”.

مواد مشابهة