الأربعاء 12 أغسطس 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الاعتقال الإداري: حين يصبح موعد الحرية قرارًا مؤجلًا

12 أغسطس 2026 قراءة 9 دقيقة

 

في صباح الثلاثين من تموز/يوليو 2026، توجهت عائلة الأسير محمد أحمد عبد الوهاب المدني من مخيم عسكر في نابلس إلى الحاجز العسكري لاستقباله بعد اثني عشر عامًا وشهرين أمضاها في سجون الاحتلال الإسرائيلي. كان كل شيء يشير إلى أن رحلة الاعتقال انتهت، وأن سنوات الانتظار الطويلة أوشكت على الانقضاء. لكن قبل لحظات من الإفراج، تلقّت العائلة اتصالًا من المحامي يحمل خبرًا مختلفًا، فقد أصدرت سلطات الاحتلال أمرًا باعتقاله إداريًا لمدة ستة أشهر، ليعود إلى الزنزانة بدل أن يعود إلى منزله.

لم تكن هذه الحادثة استثناءً، بل مثالًا مكثفًا لسياسة باتت تشكل إحدى أكثر أدوات الاحتلال استخدامًا بحق الفلسطينيين، وهي الاعتقال الإداري، الذي يسمح بحرمان الإنسان من حريته دون توجيه تهمة، ودون محاكمة، استنادًا إلى ما تصفه سلطات الاحتلال بـ”الملف السري”، وهو ملف لا يحق للمعتقل أو محاميه الاطلاع على مضمونه أو مناقشة الأدلة الواردة فيه.

اليوم، لم يعد الاعتقال الإداري مجرد إجراء استثنائي كما يفترض أن يكون في القانون الدولي، بل تحول إلى سياسة واسعة النطاق تستخدمها سلطات الاحتلال بصورة متكررة، وبخاصة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، حتى بلغ عدد المعتقلين الإداريين أكثر من 3244 معتقلًا حتى مطلع تموز/يوليو 2026، بينهم أطفال ونساء، في أعلى المستويات التي سجلتها القضية خلال العقود الأخيرة، وفق معطيات مؤسسات الأسرى الفلسطينية.

ولا تعكس هذه الأرقام حجم الظاهرة بالكامل، إذ تشير تقديرات مؤسسات الأسرى إلى أن سلطات الاحتلال أصدرت منذ بدء الإبادة الجماعية أكثر من عشرين ألف أمر اعتقال إداري، بين أوامر جديدة وأوامر تجديد، ما يكشف أن آلاف الفلسطينيين وجدوا أنفسهم داخل دائرة لا تنتهي من الاحتجاز، حيث يتحول كل موعد للإفراج إلى احتمال جديد لتمديد الاعتقال.

اعتقال بلا تهمة ومحاكمة لا يرى فيها المعتقل أدلة اتهامه

يقوم الاعتقال الإداري في الأراضي الفلسطينية المحتلة على أوامر عسكرية تمنح القائد العسكري صلاحية احتجاز الفلسطيني إذا ادعى وجود معلومات سرية تشير إلى أنه يشكل خطرًا على الأمن. ويصدر الأمر عادة لمدة تصل إلى ستة أشهر، لكنه قابل للتجديد مرات غير محدودة، ما يجعل مدة الاحتجاز الفعلية مفتوحة، وقد تمتد إلى سنوات دون صدور حكم قضائي بالإدانة.

وتكمن خصوصية الاعتقال الإداري في أن أساسه ليس جريمة مثبتة أمام المحكمة، وإنما معلومات استخبارية سرية تحتفظ بها أجهزة الاحتلال، ولا يسمح للمعتقل أو محاميه بالاطلاع عليها بحجة حماية المصادر الأمنية. وبذلك يجد المعتقل نفسه أمام جلسة قضائية لا يستطيع فيها معرفة الأدلة التي يحتجز بسببها، ولا مناقشتها أو دحضها، بينما يطّلع عليها القاضي بصورة منفردة.

وترى مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية أن هذه الآلية تفرغ حق الدفاع من مضمونه، إذ يصبح المعتقل مطالبًا بإثبات براءته من ادعاءات لا يعرفها أصلًا، فيما تتحول جلسات المحاكم العسكرية في كثير من الأحيان إلى إجراء شكلي ينتهي بالمصادقة على أوامر الاعتقال أو تجديدها.

ولم يعد الاعتقال الإداري يقتصر على الأشخاص الذين تزعم سلطات الاحتلال وجود خطر أمني مباشر منهم، بل توسع ليشمل مختلف فئات المجتمع الفلسطيني، في إطار سياسة تعتبرها مؤسسات الأسرى أداة للسيطرة المجتمعية وتفكيك البنية الفلسطينية الفاعلة.

من استثناء قانوني إلى سياسة دائمة

تعود جذور الاعتقال الإداري إلى أنظمة الطوارئ التي فرضتها سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1945، والتي منحت الحاكم العسكري صلاحيات واسعة لاحتجاز الأشخاص دون محاكمة. وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، أعادت سلطات الاحتلال الإسرائيلي توظيف هذه الأنظمة من خلال الأوامر العسكرية، لتصبح جزءًا ثابتًا من منظومة السيطرة على الفلسطينيين.

وعلى مدار العقود الماضية، شهد استخدام الاعتقال الإداري موجات تصاعد وتراجع ارتبطت بالأوضاع السياسية والأمنية، إلا أن ما جرى بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 شكّل تحولًا غير مسبوق، سواء من حيث أعداد المعتقلين أو عدد أوامر الاعتقال والتجديد.

وتؤكد مؤسسات الأسرى أن سلطات الاحتلال استخدمت الاعتقال الإداري خلال هذه المرحلة باعتباره وسيلة للعقاب الجماعي، فطالت أوامره آلاف الفلسطينيين، وبينهم أسرى سابقون أمضى كثير منهم سنوات طويلة رهن الاعتقال الإداري ذاته، قبل أن يعاد اعتقالهم بالأداة نفسها.

ولم تتوقف السياسة عند إصدار أوامر جديدة، بل امتدت إلى تحويل أسرى أنهوا محكومياتهم إلى الاعتقال الإداري بدل الإفراج عنهم، كما حدث مع الأسير محمد المدني، وقبل أيام مع الأسير جهاد وضاح القطب، الذي أعيد اعتقاله فور الإفراج عنه وحُول إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر.

حين يصبح الانتظار جزءًا من العقوبة

ربما يكون أكثر ما يميز الاعتقال الإداري أنه لا يسلب الإنسان حريته فقط، بل يسلبه القدرة على التخطيط للمستقبل.

فالأسير المحكوم يعرف، مهما طالت سنوات سجنه، التاريخ الذي يفترض أن يغادر فيه السجن. أما المعتقل إداريًا، فإنه يعيش كل يوم وهو يدرك أن موعد الإفراج المكتوب على الورق قد يختفي قبل ساعات من وصوله.

ولا ينعكس ذلك على المعتقل وحده، بل يمتد إلى عائلته أيضًا. فكلما اقترب موعد الإفراج، تبدأ الأسرة بالاستعداد لاستقباله، قبل أن تجد نفسها أمام قرار جديد يعيدها إلى نقطة البداية، ويجدد أشهرًا أخرى من الانتظار.

وتصف مؤسسات الأسرى هذا الواقع بأنه أحد أكثر الجوانب قسوة في الاعتقال الإداري، لأنه يحول الزمن نفسه إلى وسيلة للعقاب، ويجعل القلق وعدم اليقين جزءًا من الحياة اليومية للمعتقل وأسرته، في ظل غياب أي أفق واضح لانتهاء الاحتجاز.

وتشير تقديرات مؤسسات الأسرى إلى أن الغالبية العظمى من المعتقلين الإداريين هم أسرى سابقون، أمضى كثير منهم سنوات طويلة داخل السجون، كان جزء كبير منها تحت أوامر اعتقال إداري متتالية، ما يعني أن تجربة الاعتقال لا تنتهي بالإفراج، بل قد تعود في أي وقت، وبالآلية ذاتها.

لم أُوجَّه إليّ أي تهمة ومع ذلك ما زلت معتقلًا”

لا يحتاج المعتقل الإداري إلى صدور حكم بحقه حتى يعيش ظروف السجن بكل ما تحمله من قسوة. فهو، منذ لحظة اعتقاله، يخضع للمنظومة ذاتها التي يعيشها بقية الأسرى، من اقتحامات، واعتداءات، وإهمال طبي، وتجويع، وعزل، وحرمان من أبسط الحقوق، مع فارق جوهري يتمثل في أنه لا يعرف متى ستنتهي فترة احتجازه.

ويظهر ذلك بوضوح في إفادات الأسرى التي وثقتها مؤسسة العهد الدولية للأسرى.

يروي أحد المعتقلين الإداريين من الضفة الغربية تفاصيل اعتقاله، فيقول إن قوة خاصة اقتحمت منزله قبيل الفجر، واعتدت عليه بالضرب المبرح أمام أفراد عائلته، قبل أن تقيده وتعصب عينيه وتنقله بين معسكرات الاحتجاز والسجون، حيث تعرض للتنكيل، والتفتيش العاري، والإذلال، والحرمان من الطعام والماء، والضرب المتكرر.

ورغم كل ما تعرض له، يقول في ختام شهادته: “حتى اليوم ما زلت أحلم بما حدث، وكلما تذكرت ما تعرضت له أشعر بأنني أكاد أفقد عقلي، فلم أتخيل في حياتي أن أتعرض لمثل هذه المعاملة، خاصة وأنني لم أُوجَّه بأي تهمة، وإنما أنا معتقل إداري.”

ويضيف في نهاية إفادته:

“إن معاناتنا أكبر من أن تُكتب بالحبر على الورق، وما نعيشه داخل السجون يفوق الوصف.”

وتكشف هذه الشهادة جانبًا أساسيًا في تجربة المعتقل الإداري، إذ لا يقتصر الانتهاك على غياب المحاكمة، وإنما يمتد إلى إخضاعه لكل أشكال العقوبات والانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الآخرون، رغم أن سلطات الاحتلال لم تقدم بحقه لائحة اتهام أو حكمًا قضائيًا.

سنوات من الانتظار داخل السجن

لا تتوقف معاناة المعتقل الإداري عند صدور أمر الاعتقال الأول، بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر قسوة مع اقتراب انتهاء كل أمر.

كل ستة أشهر تقريبًا، يدخل المعتقل وأسرته في دوامة جديدة من الانتظار، يترقبون قرار المحكمة العسكرية، بينما تبقى احتمالات التجديد قائمة حتى اللحظة الأخيرة.

وتؤكد مؤسسات الأسرى أن هذه السياسة خلقت حالة نفسية قاسية لدى آلاف العائلات الفلسطينية، التي تعيش على أمل الإفراج، قبل أن تتلقى قرارًا جديدًا يعيد دورة الانتظار من بدايتها.

ولم يعد التجديد يقتصر على من هم داخل الاعتقال الإداري أصلًا، بل امتد، خلال المرحلة الأخيرة، إلى أسرى أنهوا كامل محكومياتهم، ثم حُولوا مباشرة إلى الاعتقال الإداري، بما يجعل الإفراج نفسه محطة غير مضمونة.

 

الإهمال الطبي معاناة مضاعفة

إلى جانب الحرمان من الحرية، يواجه المعتقلون الإداريون الظروف الصحية القاسية نفسها التي يعيشها بقية الأسرى.

ففي سجن النقب، وثقت هيئة شؤون الأسرى والمحررين استمرار الإهمال الطبي بحق عدد من المعتقلين الإداريين.

فالأسير هاشم مأمون محاسنة يعاني من آلام شديدة في الأسنان ومن انتشار الفطريات في جسده دون استكمال علاجه، بينما يعاني الأسير معتز هشام يعقوب من التهابات متكررة بعد ثلاث عمليات جراحية، ولا يحصل على العلاج اللازم، كما فقد نحو أربعين كيلوغرامًا من وزنه منذ اعتقاله.

أما الأسير محمد رجا الخطيب، فقد أصيب بمرض الجرب أكثر من مرة، إلى جانب ضعف في السمع نتيجة تعرضه للضرب، فيما يعاني الأسير عماد حبش من ارتفاع ضغط الدم وطنين دائم في الأذن بعد إصابة تعرض لها داخل السجن.

وتعكس هذه الحالات، وفق مؤسسات الأسرى، استمرار سياسة الإهمال الطبي بوصفها جزءًا من منظومة العقوبات المفروضة على الأسرى، بما فيهم المعتقلون إداريًا.

الاعتقال الإداري في ميزان القانون الدولي

ينظم القانون الدولي مسألة الاعتقال الإداري ضمن نطاق ضيق للغاية.

فالمادة (78) من اتفاقية جنيف الرابعة تجيز لدولة الاحتلال اتخاذ تدابير احتجاز أو إقامة جبرية بحق أشخاص محميين إذا وجدت أسباب أمنية قهرية، لكنها تشترط أن يبقى هذا الإجراء استثنائيًا، وأن يخضع لمراجعة دورية وضمانات قانونية.

كما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حق كل إنسان في الحرية والأمان الشخصي، ويحظر الاعتقال التعسفي، ويكفل حق المحتجز في الطعن في قانونية احتجازه أمام جهة قضائية.

وترى المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، إلى جانب خبراء الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية، أن الممارسة الإسرائيلية تجاوزت الإطار الاستثنائي الذي تتحدث عنه اتفاقية جنيف، وتحولت إلى سياسة واسعة تستخدم بصورة ممنهجة، في ظل الاعتماد على ملفات سرية، والتجديد المتكرر، وحرمان المعتقل من الاطلاع على الأدلة أو مناقشتها، وهو ما يقوض بصورة جوهرية ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع.

وتحذر هذه المؤسسات من أن التوسع غير المسبوق في الاعتقال الإداري، خاصة منذ بدء الإبادة الجماعية، يعكس انتقال الاحتلال من استخدامه كإجراء استثنائي إلى اعتماده وسيلة دائمة لإدارة المجتمع الفلسطيني، واستهداف الفاعلين فيه، وفرض منظومة مستمرة من السيطرة والرقابة.

حرية مؤجلة

قد يحمل المعتقل الإداري في جيبه نسخة من أمر اعتقاله، يعرف اليوم الذي يفترض أن ينتهي فيه. لكن هذا التاريخ لا يعني بالضرورة شيئًا. فقد يتحول، كما حدث مع محمد المدني، من موعد للحرية إلى بداية لاعتقال جديد. وقد تتحول سنوات السجن التي قضاها إلى مجرد محطة تسبق أمرًا آخر، وملفًا سريًا جديدًا، وانتظارًا جديدًا. لهذا لا ينظر آلاف الفلسطينيين إلى الاعتقال الإداري باعتباره مجرد احتجاز دون تهمة، بل باعتباره سياسة تصادر اليقين نفسه. ففي كل مرة يقترب فيها باب السجن من أن يُفتح، يبقى السؤال الذي يطارد المعتقل وعائلته حاضرًا أكثر من أي وقت مضى:

هل ستكون هذه نهاية الاعتقال أم بداية أمر إداري جديد؟

مواد مشابهة