لم تعد قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية تُختزل في الحرمان من الحرية أو طول سنوات الاعتقال، بل أصبحت ترتبط على نحو متزايد بجملة من القضايا الإنسانية والقانونية التي تمس أبسط الحقوق المكفولة للأشخاص المحرومين من حريتهم، وفي مقدمتها الحق في الرعاية الصحية ، فالمرض داخل السجن لا يعني فقط معاناة جسدية، وإنما يتحول في كثير من الأحيان إلى اختبار يومي للبقاء، عندما يصبح الوصول إلى الطبيب أو الدواء أو الفحص التشخيصي مرهونًا بإجراءات طويلة، أو بقيود أمنية، أو بقرارات إدارية قد تؤخر العلاج إلى أن يفقد جدواه.
ورغم الانتقادات المستمرة التي وُجهت إلى منظومة الرعاية الصحية داخل السجون الإسرائيلية قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما وثقته المؤسسات الحقوقية من تأخر في تقديم العلاج والمماطلة في تحويل الأسرى المرضى إلى المستشفيات، فإن بعض الأسرى كانوا يتمكنون، بعد إجراءات طويلة ومعقدة، من الحصول على جزء من العلاج، كما أسهمت متابعة المؤسسات الحقوقية والمحامين في الضغط من أجل توفير الرعاية الطبية لهم ، إلا أن الأحداث التي أعقبت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 شكّلت نقطة تحول مفصلية في واقع السجون الإسرائيلية، إذ تزامنت مع تشديد غير مسبوق لإجراءات الاحتجاز، شمل فرض قيود واسعة على الحياة اليومية للأسرى، وتقليص الزيارات، والحد من التواصل مع العالم الخارجي ، وفي ظل هذه المتغيرات، وثّقت المؤسسات الفلسطينية والدولية المعنية بحقوق الإنسان مئات الشكاوى المتعلقة بتأخر تقديم العلاج، والمماطلة في تحويل الأسرى المرضى إلى المستشفيات، وتراجع الخدمات الطبية داخل عيادات السجون، بما يشير إلى تدهور ملحوظ في مستوى الرعاية الصحية.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية: هل كان الإهمال الطبي داخل السجون الإسرائيلية سياسة قائمة قبل السابع من أكتوبر 2023؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تغير بعد هذا التاريخ؟ وهل أدى تشديد إجراءات الاحتجاز إلى تدهور نوعي في مستوى الرعاية الصحية؟ وما واقع الأسرى المرضى، ولا سيما المصابين بالسرطان والأمراض المزمنة؟
ما بعد السابع من أكتوبر... انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية
منذ السابع من أكتوبر 2023، شهدت أوضاع الأسرى تحولاً جذرياً نحو الأسوأ وتشير التقارير الصادرة عن مؤسسات الأسرى والمنظمات الحقوقية إلى تغيرات واسعة في ظروف الاحتجاز، شملت مختلف جوانب الحياة داخل السجون، وكان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تأثراً.
وتشير هذه التقارير إلى أن إدارات السجون قلّصت بشكل كبير تحويل المرضى إلى المستشفيات، وحرمت العديد منهم من الأدوية والعلاجات الأساسية، كما تراجعت المتابعة الطبية الدورية، في وقت ازدادت فيه أعداد الأسرى الذين يعانون من أمراض مزمنة أو إصابات ناجمة عن الاعتداءات وسوء ظروف الاعتقال.
ولم يتوقف الأمر عند تراجع الخدمات الطبية، بل امتد إلى تدهور الظروف المعيشية نفسها، مع تقليص كميات الطعام، وسحب كثير من المستلزمات الشخصية، وتقليص فرص الاستحمام، ونقص الملابس والأغطية، الأمر الذي أدى إلى انتشار الأمراض الجلدية المعدية، وعلى رأسها مرض الجرب (السكابيوس)، في عدد من السجون، بحسب بيانات المؤسسات المختصة.
كما رافق ذلك انخفاض كبير في كميات الغذاء المقدمة للأسرى، الأمر الذي أدى إلى فقدان الوزن وسوء التغذية، إلى جانب تشديد إجراءات العزل والاعتداءات الجسدية والنفسية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الحالة الصحية
والنفسية للمعتقلين، ولا سيما الأسرى المرضى.
آلاف الأسرى المرضى داخل السجون
تشير أحدث الإحصاءات الصادرة عن المؤسسات الفلسطينية المختصة إلى وجود نحو خمسة آلاف أسير يعانون من أمراض أو إصابات مختلفة، تشمل أمراض القلب والكلى والسكري وارتفاع ضغط الدم، بالإضافة إلى الإصابات الناتجة عن التعذيب وسوء ظروف الاحتجاز.
وتضم هذه الفئة عشرات الأسرى المصابين بالسرطان، الذين يحتاجون إلى متابعة طبية دقيقة وعلاج متخصص، حيث يخوض عشرات الأسرى والأسيرات الفلسطينيين معركة تفوق في قسوتها عتمة السجن؛ معركة شرسة ضد " غول السرطان " الذي ينهش أجسادهم في ظل سياسة ممنهجة من الاهمال الطبي المتعمد ، وكان مركز فلسطين لدراسات الأسرى قد كشف أن 26 أسيرًا فلسطينيًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي يعانون من مرض السرطان بمختلف أنواعه، في ظل أوضاع صحية خطيرة تهدد حياتهم بالموت في أي لحظة، وسط حرمانهم من العلاج المناسب واقتصار ما يُقدَّم لهم على المسكنات فقط.
ويُعد الأسرى المصابون بالأورام السرطانية من أكثر الفئات هشاشة داخل سجون الاحتلال ، إذ توثق المؤسسات الحقوقية حالات تأخر في تشخيص المرض، وحرمان بعض المرضى من العلاج الكيميائي أو الإشعاعي، إضافة إلى عدم إجراء الفحوصات الدورية اللازمة، وهو ما يؤدي إلى تفاقم حالتهم الصحية بصورة قد تهدد حياتهم.
وتشير شهادات وتقارير حقوقية إلى أن عدداً من الأسرى لم تُكتشف إصابتهم بالسرطان إلا بعد وصول المرض إلى مراحل متقدمة، بينما حُرم آخرون من استكمال بروتوكولات العلاج أو إجراء الفحوصات اللازمة في مواعيدها، في وقت أدى فيه سوء التغذية والضغوط النفسية والظروف المعيشية القاسية إلى زيادة المخاطر الصحية التي تواجههم.
ووفقاً لتقارير مؤسسات الأسرى وحقوق الإنسان فقد تحولت عيادات السجون إلى مسالخ تفتقر لأدنى المقومات الطبية، حيث يُحرم المرضى من العلاج الكيماوي، والإشعاعي، والعمليات الجراحية المستعجلة، ويُستعاض عن ذلك بجرعات من المسكنات البسيطة ( الأكامول) ، وتماطل إدارة السجون لشهور وسنوات في إجراء الفحوصات المخبرية والصور الطبقية للأسرى الذين تظهر عليهم أعراض المرض، مما يؤدي إلى تفشي السرطان في أجسادهم ووصوله إلى مراحل متأخرة يستحيل علاجها ، عدا عن رحلة العذاب التي يمر بها الأسير المريض عند نقله إلى المستشفيات المدنية وهو مكبل اليدين والقدمين داخل عربة حديدية باردة فيما يُعرف برحلة " البوسطة " ، ليمضي فيها ساعات طويلة تضاعف من آلامه بدلاً من تخفيفها .
كما تلجأ إدارة مصلحة السجون إلى مساومة الأسرى على العلاج ، ويُحرم الأسرى من جرعات الكيماوي بانتظام، وتُستخدم الرعاية الطبية كوسيلة للابتزاز والضغط النفسي والجسدي ، ناهيك عن سياسة التحرير قبل الوفاة ، حيث يعمد الاحتلال أحياناً إلى الإفراج عن الأسير الذي يتيقن الطب أنه شارف على الموت، فقط لكي يتوفى خارج أسوار السجن هرباً من الملاحقة القانونية والمساءلة الدولية ، كحالة الأسير إبراهيم جعفر القاضي (23 عاماً) من مدينة الخليل الذي يُعدّ شاهداً حياً على كارثة الإهمال الطبي؛ حيث اعتُقل ولم يكن يعاني من أي عارض صحي ، ونتيجة لظروف الاحتجاز القاسية وتراجع مناعته، أصيب بـ سرطان الغدد اللمفاوية داخل المعتقل ، وواجه خلال فترة أسره مماطلة حادة في التشخيص ومنعاً ممنهجاً من تلقي الرعاية المتخصصة، ولم يُفرج عنه إلا بعد أن تغلغل المرض في جسده ليخرج يصارع الموت في المستشفيات..
يُشار إلى أن عددًا من الأسرى المصابين بالسرطان هم من عمداء الأسرى الذين أمضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال، من أبرزهم الأسير جمال إبراهيم عمرو من الخليل، المعتقل منذ عام 2004 والمحكوم بالسجن المؤبد، والذي أُصيب بسرطان الأمعاء عام 2018 وامتد المرض إلى الكبد والكلى نتيجة الإهمال الطبي، وتُوصف حالته الصحية بالسيئة ، وأيضا حالة الأسير فواز سبع بعارة من نابلس، المعتقل منذ عام 2004 والمحكوم بالمؤبد ثلاث مرات، والذي يعاني من مرض السرطان ومشاكل خطيرة في القلب ويحتاج إلى عملية قلب مفتوح ترفض سلطات الاحتلال إجراؤها ، ولا يتلقى سوى المسكنات وسط عزل طبي حقيقي.
لم تُستثنى الأسيرات من هذا الواقع المؤلم حيث تتواصل معاناة الأسيرتين المريضتين بالسرطان، سهير زعاقيق وفداء عساف، داخل سجن الدامون، في ظل ما تصفه مؤسسات الأسرى بسياسة الإهمال الطبي المتعمد التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق الأسرى المرضى ، فالأسيرة سهير حسن زعاقيق (45 عامًا) من بلدة بيت أمر بمحافظة الخليل، والمعتقلة إداريًا منذ 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، والتي جُدد اعتقالها للمرة الثالثة لمدة أربعة أشهر، تعاني من سرطان الألياف ووجود كتل حميدة، وكانت تنتظر الخضوع لعملية جراحية قبل اعتقالها، إلا أنها حُرمت من استكمال علاجها ومن المتابعة الطبية اللازمة.
كما تواجه الأسيرة فداء سهيل عساف (49 عامًا) من بلدة كفر لاقف بمحافظة قلقيلية، المعتقلة منذ 24 شباط / فبراير 2025 والمحكومة بالسجن الفعلي لمدة 22 شهرًا، أوضاعًا صحية خطيرة بعد إصابتها بسرطان الدم، حيث أظهرت الفحوص الطبية ارتفاعًا كبيرًا في مؤشرات المرض بما يستدعي تدخلاً علاجيًا عاجلًا ورعاية طبية متخصصة ، إلا أنها، وفق مؤسسات الأسرى، لا تتلقى سوى المسكنات.
شهداء الحركة الأسيرة... الإهمال الطبي أحد أبرز أسباب الوفاة
تشير الإحصاءات الفلسطينية إلى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 تجاوز 320 شهيدًا، كما شهدت الفترة التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 ارتفاعًا غير مسبوق في عدد الشهداء، إذ وثقت المؤسسات الحقوقية استشهاد ما يزيد على 91 أسيرًا؛ نتيجة التعذيب، والتجويع، والإهمال الطبي، وسوء المعاملة، مع استمرار تفاوت الأرقام بين المؤسسات بسبب صعوبة التحقق من جميع الحالات، واستمرار احتجاز جثامين عدد من الأسرى.
ومن أبرز شهداء الحركة الأسيرة الذين ارتبطت وفاتهم بالإهمال الطبي عبر السنوات، الأسير ناصر أبو حميد، الذي توفي عام 2022 بعد صراع مع مرض السرطان، كما تُعد قضية الأسير سامي أبو دياك من أبرز الأمثلة على الإهمال الطبي داخل السجون، إذ توفي بعد إصابته بسرطان متقدم، إلى جانب الأسير المحرر حسين مسالمة، الذي أُصيب بسرطان الدم خلال فترة اعتقاله، وعانى من الإهمال الطبي حتى استشهاده.
أمّا المفكر والأسير الشهيد وليد دقة ، والذي أمضى 38 عاماً في الأسر ، ويُعتبر من أبرز رموز الحركة الأسيرة ، فقد أُصيب خلال سنوات أسره الطويلة بـ سرطان الدم ( اللوكيميا ) وتطورت حالته إلى تليف نادر في النخاع الشوكي نتيجة البيئة السجنية الملوثة وغياب الرعاية ، ورغم المناشدات الدولية والحقوقية لإطلاق سراحه لتلقي العلاج في أيامه الأخيرة برفقة عائلته وطفلته " ميلاد " ، رفض الاحتلال ذلك ليستشهد لاحقًا بعد معاناة طويلة مع المرض داخل الأسر.
وتبرز كذلك قضية الأسير بسام السايح بوصفها إحدى أبرز القضايا المرتبطة بالإهمال الطبي داخل السجون الإسرائيلية. فقد اعتُقل عام 2015 وهو يعاني من نوعين من السرطان، هما سرطان العظام وسرطان الدم الحاد، ورغم حالته الصحية الحرجة، استمر احتجازه في ظل ظروف قاسية، وقضى معظم سنوات اعتقاله في ما يُعرف بـ"عيادة سجن الرملة"، التي يصفها الأسرى بـ" المسلخ " بسبب تردي مستوى الرعاية الصحية فيها ، ومع استمرار تدهور حالته الصحية، استشهد السايح في أيلول/ سبتمبر 2019 عن عمر ناهز 46 عامًا داخل مستشفى "آساف هاروفيه" الإسرائيلي ، ولم تتوقف معاناة عائلته عند وفاته، إذ واصلت سلطات الاحتلال احتجاز جثمانه، وأدرجته ضمن قائمة الجثامين المحتجزة فيما يُعرف بـ"مقابر الأرقام".
كيف تنظر المؤسسات الدولية والخبراء القانونيون إلى هذه الممارسات في ضوء قواعد القانون الدولي؟
تنص المادة (91) من اتفاقية جنيف الرابعة على أن توفر سلطة الاحتجاز في كل مكان اعتقال عيادة مناسبة يشرف عليها طبيب مؤهل، وأن يحصل المعتقلون على الرعاية الصحية اللازمة، مع إحالة الحالات التي تستدعي علاجًا متخصصًا إلى مؤسسات طبية مجهزة، سواء كانت مستشفيات مدنية أو منشآت علاجية متخصصة.
كما أوجبت المادة (92) إجراء فحوص طبية دورية للمعتقلين، على ألا تقل عن مرة واحدة شهريًا، بهدف مراقبة حالتهم الصحية، والكشف المبكر عن الأمراض، والتحقق من آثار ظروف الاحتجاز على صحتهم الجسدية والنفسية.
كما ربطت الاتفاقية الحق في الرعاية الصحية بظروف الاحتجاز نفسها، فألزمت سلطة الاحتجاز بتوفير أماكن احتجاز تستوفي الشروط الصحية، مع ضمان التهوية والإضاءة الكافيتين، والحفاظ على النظافة العامة، وتوفير المياه الصالحة للشرب، والغذاء الكافي، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع انتشار الأمراض والأوبئة.
أما اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فقد أكدت في تعليقها العام رقم (14) أن الدول تتحمل مسؤولية خاصة تجاه الفئات الواقعة تحت سيطرتها المباشرة، ومن بينها السجناء والمعتقلون، وأن توفير الرعاية الصحية لهم ليس عملًا خيريًا، بل التزام قانوني واجب التنفيذ.
وفي هذا الإطار، تؤكد مؤسسة العهد الدولية أن استمرار هذه الانتهاكات يستوجب تحركًا عاجلًا من المجتمع الدولي والهيئات الأممية المختصة، وتدعو إلى اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بضمان حماية الأسرى، وتأمين حقهم في الرعاية الصحية الملائمة، وتمكين الجهات الدولية المختصة من الاطلاع المباشر على أوضاعهم داخل السجون، ومراقبة ظروف احتجازهم.
كما تطالب المؤسسة بفتح تحقيقات دولية مستقلة وشفافة في الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى، ولا سيما ما يتعلق بالإهمال الطبي والوفيات داخل أماكن الاحتجاز، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون الدولي ، وتشدد كذلك على أهمية استمرار المؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية في توثيق الانتهاكات، وحفظ الأدلة والشهادات، بما يسهم في ضمان عدم الإفلات من العقاب، وتعزيز الجهود الرامية إلى حماية حقوق الأسرى وصون كرامتهم الإنسانية.
مواد مشابهة
خمسة أشهر في سجن عوفر تنتهي بالطفل محمد حميد على أجهزة التن...
أفرجت سلطات الاحتلال عن الطفل بعدما وصل إلى مرحلة صحية بالغة الخطورة، لكن معركته الحقيقية لم تنتهِ بخروجه من ا...
من عيادته إلى زنزانة عوفر: «طبيب الفقراء» يبحث عمّن يعالجه
قبل أسابيع، كان المرضى ينتظرون دورهم أمام عيادته في رام الله. اليوم، ينتظر «طبيب الفقراء» داخل زنزانة عوفر أن...
خلف الأبواب المغلقة: العزل سلاح للعقاب والتعذيب في سجون الاح...
نحو أربعين أسيرًا في أقسام العزل غالبيتهم من قادة الحركة الأسيرة يواجهون ظروفًا متشابهة، أبواب مغلقة، تواصل ش...