عندما تسمع الأسيرات صوت المفاتيح في الممر، تتوقف الأحاديث فجأة، وتتجه العيون نحو الباب الحديدي. لا يعرفن إن كان الصوت مجرد مرور عابر للسجانين، أم بداية اقتحام جديد ستخرج منه بعضهن بإصابات، وتخرج أخريات إلى العزل، فيما يبقى الخوف داخل الغرفة بعد أن ينسحب الجنود.
في سجن الدامون، لم يعد الليل يعني النوم. تبقى الأضواء مشتعلة، ويُطرق على الأبواب مرارًا، ويتفقد سجانون رجال الغرف كل نصف ساعة تقريبًا. تحاول الأسيرات إغماض أعينهن، لكن النوم المتقطع لا يمنح أجسادهن راحة حقيقية، ولا سيما أن بعضهن لا يجدن سريرًا أصلًا.
في إحدى الغرف، تنام سبع أسيرات على الأرض. وفي غرفة أخرى صغيرة تضم خمس أسيرات، تفترش ثلاث منهن الأرض، بينما تنام أربع أسيرات على الأرض في الغرفة التي تقيم فيها شاتيلا سليمان أبو عيادة. لا تعود الأرض هنا حلًا مؤقتًا، بل تتحول إلى مكان ثابت للنوم، مثلها مثل الأسرّة الضيقة والجدران الرطبة والأبواب المغلقة.
الرطوبة لا تفارق الغرف. تتسلل إلى الملابس والفرشات والجدران، ويصاحبها عفن وحشرات وحرارة خانقة. وصفت إحدى الأسيرات الغرفة الثانية بأنها أشبه بساونا، فيما قالت أخريات إنهن بالكاد يستطعن التنفس خلال أشهر الصيف. أما الأسيرات الحوامل، فيصبح الليل أشد قسوة عليهن، إذ يزداد شعورهن بالاختناق مع ارتفاع الحرارة وانعدام التهوية.
وسط هذه الحياة، تحولت أبسط الأشياء إلى حدث يستحق أن تنقله الأسيرات في رسائلهن. عندما تسلم القسم مشطين للشعر، وصل الخبر إلى الخارج وكأنه تغيير كبير في حياتهن، لا لأن المشطين يكفيان عشرات النساء، بل لأن الحرمان جعل قطعة بلاستيكية صغيرة تحمل معنى يتجاوز استخدامها اليومي.
لكن الخبر الذي يتكرر أكثر من أي شيء آخر هو أن الدامون أصبح مكانًا كارثيًا، وأن كل الأسيرات يحتجن إلى زيارة محام. فكل واحدة منهن تحمل قصة لا تتسع لها رسالة قصيرة، وبعضهن يخشين أن تبقى قصصهن محجوبة خلف الباب الحديدي.
أجساد تخسر وزنها وتراكم الألم
لا يعلن الجوع عن نفسه بالصوت، بل يظهر تدريجيًا على الأجساد. أسيرات كثيرات فقدن وزنًا واضحًا، حتى أصبحت بعضهن، وفق التعليمات، بحاجة إلى استعادة ما خسرنه. لكن كيف يمكن لجسد أن يستعيد عافيته بطعام قليل لا يكفي لسد الجوع؟
خسرت وفاء أحمد عاطف أبو غلمة ثلاثة عشر كيلوغرامًا من وزنها، فيما لا يُجرى الوزن إلا مرة كل شهرين. لم يتغير الطعام كثيرًا، باستثناء تقديم الشوربة مرتين يوم الجمعة، إلى جانب كميات محدودة جدًا من اللبن أو حلوى الطلي، تُقدم بملعقة بلاستيكية صغيرة. وفي شهادة أخرى، تحدثت الأسيرات عن ثلاث فتيات هبطت أوزانهن إلى ما دون المستوى المطلوب، فيما حاولت إدارة السجن زيادة كميات الطعام المخصصة لهن.
ولا تقتصر الأزمة على الوجبات. تتقاسم كل غرفة ست عبوات صغيرة من شامبو الفنادق أسبوعيًا، وثلاثة أنابيب صغيرة من معجون الأسنان، بينما تحصل كل أسيرة على لفافتين من ورق الحمام. كما تعاني بعض الأسيرات نقصًا في ملابس الصلاة، ولا يمتلكن ما يكفي من الملابس الصيفية، رغم الحر والرطوبة.
بين هذه التفاصيل، تعيش الأسيرات الحوامل الثلاث، دانا جودة وأمينة الطويل ومنار كراجة، حملهن وسط نقص الغذاء والعلاج والمتابعة الصحية. لا تتحدث شهاداتهن عن احتياجات إضافية أو امتيازات، بل عن محاولة الحصول على الحد الأدنى الذي يساعدهن على التنفس والنوم والاستمرار.
الألم الجسدي حاضر في كل غرفة تقريبًا، لكنه لا يقود بالضرورة إلى العيادة.
تعاني فردوس عرفات طناطرة ألمًا في قدمها اليمنى، وتقول إن الحذاء الذي ترتديه غير صحي. وعندما تُنقل وهي مكبلة اليدين والقدمين، تضطر إلى التمسك بأسيرة أخرى كي تستطيع الحركة. لديها مشكلة في السمع، لكن لا تتوفر لها سماعات، كما تعاني حساسية شديدة من دون علاج.
وفي الليل، تطوي فردوس بلوزتها وتضعها تحت رأسها لتخفف ألم الديسك في رقبتها، بعدما أصبحت قطعة الملابس بديلًا عن الوسادة. انفصل ظفر قدمها عن الجلد ورافقه نزيف، لكن طلبها الذهاب إلى العيادة رُفض. وعلى جسدها، بقيت بقع زرقاء تركتها عمليات الدفع والعنف.
لا تختلف معاناة نجمة صبري محمود الباز كثيرًا. ركبتها المصابة بتمزق في الأوتار تؤلمها بشدة، لكن العلاج لا يصل إليها. وخلال إجراءات العدد، تُجبر على الجلوس بالقوة رغم أنها تقول إن الألم يكاد يقتلها. وفي إحدى عمليات القمع، أخبرت الجنود بأن قدمها تؤلمها، فداسوا عليها.
لا تجد نجمة كلمات كثيرة تختصر بها ما تعيشه، فتقول إن الأسيرات يمتن في اليوم ألف مرة، وإنها لا تتمنى أن يصل أحد إلى السجن أو يعيش ما يعشنه.
أما شيماء موسى حلايقة، فبدأت قصتها قبل وصولها إلى الدامون. اعتُقلت من منزلها عند الواحدة والنصف ليلًا، ثم نُقلت إلى المسكوبية، حيث قضت ستة وعشرين يومًا وصفتها بالجحيم. وحين وصلت إلى الدامون، لم تجد نهاية لما بدأ في تلك الليلة، بل وجدت طعامًا قليلًا، ورطوبة وحشرات، وحساسية منتشرة بين الأسيرات.
وفاء أبو غلمة، التي تأقلمت مع مصطلحات السجن وتفاصيله، حاولت أن تشرح لأحد أفراد أسرتها ما يحدث، لكنها انتهت إلى خلاصة بدت أكثر دقة من كل الوصف، فالشرح، كما قالت، لا يشبه التجربة.
حين يُفتح الباب بعنف
يمكن أن تبدأ عملية القمع في أي ساعة. مرة وقعت عند الثانية عشرة والنصف ظهرًا، ومرة في منتصف الليل بينما كانت الأسيرات يؤدين قيام الليل. وفي أيام أخرى، اقتُحمت الغرف بلا سبب واضح، وكأن الاقتحام جزء ثابت من النظام اليومي.
تتذكر شهد محمد أحمد عادي ليلة اقتُحمت فيها الغرف السادسة والسابعة والثامنة. كانت الأسيرات يصلين، قبل أن يندفع الجنود إلى الداخل، ويعصبوا أعينهن ويطرحوهن أرضًا، ثم يصادروا المصاحف.
لكن القمعة التي بقيت الأشد حضورًا في ذاكرتها كانت تلك التي استخدمت خلالها القنابل الصوتية والكلاب البوليسية. تقول إن الأسيرات ما زلن مصدومات منها. كان الجنود يضحكون ويسخرون، ثم يرفعون العصبات عن أعين الأسيرات ويضعون السلاح فوق رؤوسهن.
شيماء حلايقة أصيبت في كوعها ورجلها خلال إحدى عمليات القمع. ومع ذلك، لم تكن إصابتها أكثر ما علق في ذاكرتها، بل القاصرات اللواتي تعرضن للاقتحام مع بقية الأسيرات، وظللن يبكين من الخوف طوال الوقت.
وفي رواية نجمة الباز، بدأ الاقتحام بعصب الأعين ورش الغاز وإلقاء قنبلتين صوتيتين. كُبلت أيدي الأسيرات إلى الخلف، وسُحبن خارج الغرف تحت الشمس، ثم أُجبرن على الانبطاح على الأرض ورؤوسهن إلى الأسفل، فيما داس الجنود عليهن بأحذيتهم العسكرية.
تقول فردوس إن عمليات القمع أصبحت تقع في أغلب الأيام. تُطرح الأسيرات على وجوههن ويُداس عليهن، وفي إحدى المرات تحطمت نظارة إحدى الفتيات ودخلت أجزاء منها في عينها نتيجة الضرب.
وفي شهادة إسلام عمارنة، تُقيد الأسيرات بقيود بلاستيكية شديدة، ثم يُجبرن على الخروج إلى الساحة زحفًا على بطونهن. وخلال إحدى عمليات القمع، أصيبت أسيرة بالدوار، لكن ذلك لم يوقف ما يجري.
لا ينتهي الاقتحام عندما يخرج الجنود. تبقى الغرف مقلوبة، وتبقى الإصابات والخوف، وتبقى المصاحف التي صودرت غائبة عن المكان. كما تبقى العقوبات مفروضة على غرف كاملة، مثل الغرفة الثامنة التي تكرر ذكرها في شهادات الأسيرات بوصفها غرفة معاقبة.
وبعد كل اقتحام، تنتظر الأسيرات معرفة من نُقلت إلى العزل. تتبدل الأسماء من شهادة إلى أخرى مع مرور الوقت، فتظهر أسماء شيرين وآية ونداء وفرح ومنار وفاطمة وإسراء ونادية ومها. بعضهن خرجن، وأخريات بقين، فيما تصف الأسيرات قرارات العزل بأنها اعتباطية وعشوائية، وقد تُفرض لأتفه الأسباب، من دون أن يعرفن المدة أو السبب.
لا تعزل إدارة السجن الأسيرة وحدها. حين يغيب اسم جديد خلف باب آخر، تبقى رفيقاتها في الغرف يتساءلن عن حالها ولا يملكن وسيلة للاطمئنان عليها.
أمهات وحوامل وطفلات خلف الأبواب
ارتفع عدد الأسيرات في شهادات متتابعة من نحو تسعين إلى اثنتين وتسعين أسيرة، وهو ما يعكس تغير العدد مع وصول معتقلات جديدات. وبينهن أكثر من خمسين أمًا، إلى جانب جدات تركن أبناءهن وأحفادهن خارج السجن.
داخل الغرف، لا تظهر الأمومة في صورة واحدة. أم تفكر في أطفالها قبل النوم، وأخرى تحاول إخفاء خوفها عن رفيقاتها، وثالثة تحمل رسالة إلى عائلتها، ورابعة لا تعرف متى ستسمع صوت أبنائها مجددًا.
وفي الدامون أيضًا ثلاث حوامل يحتجن إلى الطعام والعلاج والمتابعة. ومع ذلك، يخضن أشهر الحمل في غرف مكتظة ورطبة، وسط الحر والحساسية والقمعات المتكررة.
أما القاصرات، فيتعرضن لما تتعرض له الأسيرات البالغات. شهدن الاقتحامات، وعُصبت أعينهن، وأُجبرن على الانبطاح، ونُقلت بعضهن إلى العزل. تقول الأسيرات إن حالتهن النفسية صعبة، وإن الخوف الذي رأينه خلال عمليات القمع لم يختف بانتهاء الاقتحام.
الطفلة علا قطيشات تعيش في غرفة ضيقة مع الأسيرة ندى عودة، بعيدًا عن بقية الأسيرات. لا تحصل على الفورة، وتخضع للمراقبة بالكاميرات طوال اليوم، بينما تنتشر الحشرات والفئران في المكان.
فقدت علا ثلاثة كيلوغرامات من وزنها، ولا يُسمح لها بالخروج إلى الحمام إلا لخمس دقائق. وفي بداية اعتقالها، تعرضت للصراخ والضرب لأنها لم تكن تعرف إجراءات العدد. دخلت السجن طفلة لا تعرف قوانينه، فتعلمتها عبر الخوف والعقاب. ومع ذلك، لا تسير الحياة داخل الدامون في اتجاه واحد.
إسلام عمارنة حفظت القرآن الكريم داخل الأسر، وما زالت تراجعه. أسيرات أخريات يحاولن رفع معنويات بعضهن، رغم أنهن يعشن في غرف لا يدخلها الهواء جيدًا. وإحدى الأسيرات، بعد أن وصفت أشهر الصيف والقمع والعزل والنوم على الأرض، حرصت على القول إن الصبايا قويات وإن معنوياتهن عالية.
في غرفة شاتيلا أبو عيادة، تعيش عبير عودة وأمينة غلبان وماجدة قرعاوي وميسون مشارقة وليلى خليل وجولان وهناء حماد وميسر هديبات ونسرين، فيما تنام شاتيلا وأمينة وجولان وليلى على الأرض. الأسماء كثيرة، لكن كل اسم منها يعود إلى امرأة لها بيت وعائلة وحياة توقفت عند لحظة الاعتقال.
وبين كل هذه الأسماء، بقي طلب واحد يتكرر: زيارة المحامي. لا تطلب الأسيرات الزيارة لأنها تغير الرطوبة، أو تزيد الطعام، أو توقف القمع، بل لأنها تمنح أصواتهن طريقًا ضيقًا نحو الخارج. ومن خلال المحامي حسن عبادي، وصلت هذه الشهادات التي تنقل جانبًا مما يجري داخل سجن الدامون.
حين يجلس المحامي أمام إحداهن، تحاول أن تختصر في وقت محدود غرفة مكتظة، وليالي بلا نوم، وآلامًا بلا علاج، وأسيرات في العزل، وأمهات، وحوامل وقاصرات. ثم تطلب منه أن يزور الأخريات أيضًا، لأن الألم لا يخصها وحدها.
في نهاية الزيارة، يعود الباب إلى الإغلاق، وتعود الأسيرة إلى الغرفة. قد تطوي إحداهن بلوزتها لتصنع وسادة، وقد تراجع أخرى ما حفظته من القرآن، وقد تتقاسم مجموعة من النساء مشطين أو كمية قليلة من الشامبو. ثم يحل الليل مرة أخرى، ولا تنطفئ الأضواء.
وعندما يُسمع صوت المفاتيح في الممر، تصمت الغرفة من جديد. ليس لأن الأسيرات لا يملكن ما يقلنه، بل لأنهن يعرفن أن الباب قد يُفتح في أي لحظة، وأن يومًا آخر في الدامون قد يبدأ قبل أن ينتهي اليوم الذي سبقه.
مواد مشابهة
التعذيب في السجون الإسرائيلية: شهادات حقوقية ومطالب بتحقيقات...
تضمنت الشهادات التي وثقتها مؤسسات حقوقية، وكذلك الإفادات التي حصلت عليها مؤسسة العهد الدولية، تأكيدات متكررة ب...
حمادة عبد البنا: ثلاث سنوات بين الموت والحياة
بعد ثلاث سنوات من الغياب، عاد الابن الذي ظنت عائلته أنه رحل إلى الأبد. غير أن ما عاشه خلال تلك السنوات لم يكن...
أطباء غزة في سجون الاحتلال: اعتقال مفتوح وشهادات عن التعذيب...
في غزة، لا يعني اعتقال الطبيب غياب شخص واحد عن أسرته فقط. إنه مريض يفقد طبيبه، ومستشفى يفقد خبرة يحتاج إليها،...