لم يعد مرض الجرب "السكابيوس" مجرد أزمة صحية داخل السجون الإسرائيلية. فوفق معطيات وثقتها مؤسسات الأسرى خلال زيارات قانونية حديثة، يوجد في بعض الأقسام ما لا يقل عن ثلاثة أسرى مصابين بالمرض من بين كل ثمانية أسرى داخل الغرفة الواحدة، في مشهد يعكس حجم الكارثة الصحية المتفاقمة التي دفعت مؤسسات حقوقية إلى التحذير من تحوله إلى أداة تعذيب وقتل بطيء بحق الأسرى الفلسطينيين.
وتحذر مؤسسات الأسرى من موجة انتشار متسارعة للمرض في سجون عوفر ومجدو والنقب وجانوت، وسط تدهور غير مسبوق في الأوضاع الصحية للأسرى منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، في ظل استمرار ما تصفه بسياسة الإهمال الطبي الممنهج والجرائم الطبية بحق المعتقلين.
انتشار المرض داخل السجون
وتؤكد مؤسسات الأسرى أن السكابيوس لم يعد مجرد مرض جلدي بين عشرات الأسرى، بل تحول إلى ظاهرة واسعة داخل السجون الإسرائيلية منذ الحرب، حيث أصيب به آلاف الأسرى والمعتقلين نتيجة الظروف الصحية المتردية.
ويُعد المرض من الأمراض الطفيلية المعدية التي تنتقل بسهولة في الأماكن المغلقة والمكتظة، ويحتاج علاجه إلى توفير الأدوية المناسبة والنظافة الشخصية والملابس النظيفة والاستحمام المنتظم وعزل المصابين مؤقتاً.
إلا أن شهادات الأسرى تشير إلى أن معظم هذه الشروط غائبة داخل السجون، حيث يعاني الأسرى من نقص حاد في الملابس، ويضطر كثير منهم لاستخدام غيار واحد فقط، كما يُجبرون على غسل ملابسهم يدوياً دون القدرة على تجفيفها في الهواء أو أشعة الشمس، فيما تستمر أزمة الاكتظاظ وانعدام التهوية ونقص مواد التنظيف والمطهرات.
وأدت هذه الظروف إلى انتشار الدمامل والتقرحات والالتهابات الجلدية الحادة، وحرمان عدد كبير من الأسرى من النوم بسبب الحكة المستمرة والآلام المتواصلة، فيما بات بعضهم عاجزاً عن الحركة بصورة طبيعية نتيجة تفاقم الإصابة.
ويؤكد نادي الأسير الفلسطيني أن تفشي المرض لا يمكن فصله عن سياسة الإهمال الطبي الممنهج التي تصاعدت منذ أكتوبر 2023، معتبراً أن استمرار الظروف المسببة للمرض رغم التحذيرات المتكررة والمحاولات القانونية لإجبار إدارة السجون على معالجته، يعكس إصراراً على استخدام المرض كوسيلة إضافية للعقاب والتنكيل بالأسرى.
حالات من معاناة الأسرى جهاد هماش تدهور صحي حاد
تكشف حالة الأسير جهاد هماش من مخيم الدهيشة في بيت لحم جانباً من حجم الكارثة الصحية داخل السجون. فبحسب إفادة قانونية حديثة، أُحضر هماش إلى الزيارة وعلامات الضرب واضحة على وجهه وجسده، وكان غير قادر على المشي بصورة طبيعية، فيما بدا شاحب الوجه ومنهكاً بشكل واضح.
ويعاني هماش من انتشار واسع لمرض السكابيوس في مختلف أنحاء جسده، بما في ذلك اليدان والرجلان والبطن والمناطق الحساسة، حيث تحولت الإصابة إلى دمامل والتهابات مؤلمة أعاقت قدرته على الحركة واستخدام الحمام بمفرده، ما يضطر الأسرى الآخرين إلى مساعدته.
ووفق الإفادة، فإن الألم والحكة يمنعانه من النوم ليلاً، حتى إنه يبكي أو يصرخ أحياناً من شدة الوجع، فيما تجاهلت إدارة السجن حتى الآن قراراً قضائياً يقضي بتحويله إلى المستشفى أو عيادة السجن، ولم تقدم له أي علاج فعلي. كما تعرض لكسر نظارته أثناء الاعتداء عليه، وأفاد بأنه يتعرض للضرب المتكرر كلما طالب بالعلاج.
وفي الوقت الذي وزعت فيه إدارة السجن ملابس شتوية على الأسرى، استُثني هماش منها، وحضر إلى الزيارة مرتدياً لباساً خفيفاً رغم البرد الشديد. وتشير الإفادة إلى أن وزنه انخفض بصورة حادة من 144 كيلوغراماً إلى 68 كيلوغراماً خلال فترة اعتقاله، في واحد من أكثر المؤشرات وضوحاً على التدهور الجسدي الذي يعيشه الأسرى المرضى داخل السجون.
عزمي أبو هليل عام كامل مع المرض
ولا تبدو حالة الأسير عزمي نادر أبو هليل، 31 عاماً، من مدينة دورا في محافظة الخليل، أقل خطورة. فبحسب نادي الأسير الفلسطيني، يعاني أبو هليل من مرض السكابيوس منذ أكثر من عام، بعد أن بدأت إصابته في أبريل 2025، ولا يزال المرض يرافقه حتى اليوم رغم المطالبات القانونية المتكررة بعلاجه.
ويُعد أبو هليل من بين أبرز الحالات التي توثق استمرار الإصابة بالمرض لفترات طويلة داخل السجون الإسرائيلية، في ظل غياب العلاج الفعلي واستمرار الظروف التي تؤدي إلى إعادة العدوى وانتشار المرض بين الأسرى.
وخلال زيارة قانونية أخيرة، ظهرت آثار المرض بوضوح على جسده من خلال الحبوب والالتهابات المنتشرة، فيما أفاد بأنه يعاني أيضاً آلاماً مستمرة في البطن والمعدة وفقداناً للتوازن وتراجعاً عاماً في حالته الصحية. وتقول عائلته إن إدارة السجون تجاهلت قرارات قضائية متكررة تلزمها بتوفير العلاج له، كما امتنعت عن إطلاع محاميه على نتائج الفحوصات الطبية التي أُجريت له مؤخراً. وتضيف العائلة أن أبو هليل تعرض لإطلاق نار في فخذه من مسافة قريبة بعد مطالبته بالعلاج، ما أدى إلى إصابته بجروح ونزيف حاد، قبل أن يتعرض للضرب المبرح.
وتؤكد أن هاجسها اليوم لم يعد المنزل الذي هُدم بعد اعتقاله، بل مصير ابنها الذي يواجه المرض والتدهور الصحي داخل السجن.
إسلام من الملاكمة إلى المرض
أما الأسير إسلام، الذي تنقل بين عدة سجون خلال سنوات اعتقاله، فقد أصيب هو الآخر بمرض السكابيوس وسط ظروف احتجاز قاسية. وتقول والدته إنها لم تتمكن من رؤيته منذ سنوات، وإن الأخبار التي تصلها عنه تأتي عبر أسرى محررين فقط. وبحسب إفادات أسرى التقوا به، امتلأ جسده بالجروح والدمامل نتيجة المرض، ولم يكن يتلقى أي علاج أو حتى مسكنات للألم، فيما اضطر أسرى آخرون إلى مساعدته والعناية به خلال فترات اشتداد المرض عليه.
وتضيف والدته أن نجلها تعرض أيضاً للضرب خلال إحدى عمليات القمع داخل السجن، ما أدى إلى كسر في يده. وكان إسلام بطلاً لفلسطين في الملاكمة، وحصل على منحة دراسية للسفر إلى الجزائر، إلا أن اعتقاله قبل موعد سفره بأيام أنهى تلك الخطط وحوّل مسار حياته بالكامل.
المرض كأداة تعذيب
ويرى نادي الأسير الفلسطيني أن إدارة السجون لا تتعامل مع المرض بوصفه أزمة صحية تستوجب العلاج، بل تواصل الإبقاء على الظروف التي تؤدي إلى انتشاره وتفاقمه. وأشار النادي إلى أن عدداً من الزيارات القانونية أُلغي أو أُجّل بعد إبلاغ المحامين بأن الأسرى المطلوب زيارتهم مصابون بالسكابيوس، الأمر الذي أثار مخاوف من محاولات التعتيم على حجم الأزمة الصحية داخل السجون. كما يؤكد أن العديد من الأسرى أصيبوا بالمرض أكثر من مرة نتيجة استمرار الظروف ذاتها، في حين تحولت الإصابات لدى بعضهم إلى معاناة مزمنة امتدت لأشهر طويلة دون علاج حقيقي.
ويعتبر النادي أن استمرار الاكتظاظ، وحرمان الأسرى من العلاج، وتقليص مواد النظافة، وعدم توفير الملابس الكافية، جعل من المرض أحد أبرز أدوات التعذيب التي برزت داخل السجون خلال الفترة الأخيرة.
البعد القانوني
وتنص اتفاقية جنيف الرابعة على التزام سلطات الاحتلال بتوفير الرعاية الصحية اللازمة للمعتقلين وضمان ظروف احتجاز إنسانية تحافظ على صحتهم وسلامتهم. كما تؤكد قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء قواعد مانديلا حق المعتقلين في الحصول على الرعاية الطبية المناسبة واتخاذ التدابير اللازمة لمنع انتشار الأمراض والأوبئة داخل أماكن الاحتجاز.
وترى مؤسسات حقوقية فلسطينية أن استمرار تفشي السكابيوس وحرمان الأسرى من العلاج والرعاية الصحية يشكل انتهاكاً واضحاً لهذه الالتزامات القانونية، ويقع ضمن إطار الجرائم الطبية الممنهجة التي تصاعدت منذ الحرب.
وتؤكد مؤسسة العهد أن التحولات التي شهدتها السجون الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة أفرزت واقعاً غير مسبوق في تاريخ الحركة الأسيرة، حيث ترافقت سياسة التجويع مع الإهمال الطبي والاعتداءات الجسدية والعزل والحرمان من أبسط مقومات الحياة.
وبحسب معطيات المؤسسات المختصة، استشهد أكثر من مئة معتقل وأسير داخل السجون منذ بدء الحرب، أُعلنت هويات 89 منهم، فيما تواصل الأمراض والأوبئة والتجويع لعب دور رئيسي في تدهور أوضاع الأسرى الصحية.
وفي ظل اتساع دائرة الإصابة بالسكابيوس داخل السجون الإسرائيلية، تحذر مؤسسة العهد من أن استمرار حرمان المعتقلين من العلاج والظروف الصحية الملائمة ينذر بمزيد من الوفيات والأمراض المزمنة، في وقت تتواصل فيه المطالبات لمنظمة الصحة العالمية والمؤسسات الدولية بالتدخل العاجل لوقف ما تصفه العهد بسياسة القتل البطيء بحق الأسرى الفلسطينيين، وإنهاء الظروف التي حولت السجون إلى بيئة خصبة للأوبئة والمرض والمعاناة المستمرة.
مواد مشابهة
حرية تحت الركام
تتزايد شهادات الأسرى المحررين من قطاع غزة حول ما تصفه مؤسسات حقوقية بامتداد آثار الاعتقال إلى ما بعد الإفراج،...
في ذكرى النكبة... ما زالت نكبات الأسرى تتوالى
تأتي هذه الذكرى والحركة الأسيرة تعيش " المرحلة الأكثر دموية وقسوة " منذ عام 1967، حيث تحولت السجون إلى ساحات م...
الحرية التي وصلت متأخرة
خرج الدكتور محمد حميد أبو موسى من السجن بجسدٍ منهك… لكنه لم يكن يعلم أن الوجع الحقيقي ينتظره خارجه. سأل فور وص...