الخميس 21 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

حرية تحت الركام

21 مايو 2026 قراءة 5 دقيقة

تتزايد شهادات الأسرى المحررين من قطاع غزة حول ما تصفه مؤسسات حقوقية بامتداد آثار الاعتقال إلى ما بعد الإفراج، بعدما عاد عدد من الأسرى من السجون الإسرائيلية ليجدوا أنفسهم بلا منازل أو عائلات أو مصادر رزق، في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب على القطاع.

ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه مؤسسات الأسرى الفلسطينية أن أوضاع معتقلي غزة شهدت تصعيدًا غير مسبوق منذ أكتوبر 2023، سواء من حيث ظروف الاحتجاز أو الإخفاء القسري أو التعذيب والإهمال الطبي.

ووفق أحدث معطيات مؤسسات الأسرى الفلسطينية، لا يزال أكثر من 9900 فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، بينهم أكثر من 1747 معتقلًا من غزة يصنفهم الاحتلال تحت قانون “المقاتل غير الشرعي”، إضافة إلى 3498 معتقلًا إداريًا وأكثر من 400 طفل.

كما أفرجت إسرائيل، ضمن دفعات التبادل وصفقات الإفراج التي جرت خلال الحرب، عن مئات الأسرى من قطاع غزة، خرج عدد منهم وهم يعانون إصابات جسدية وآثارًا نفسية حادة، قبل أن يصطدموا بواقع إنساني أكثر قسوة خارج السجون.

وفي تقريرها “مرحبًا بكم في الجحيم”، وثقت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية شهادات تتعلق بالتعذيب والتجويع والحرمان من العلاج والعزل والإذلال بحق المعتقلين الفلسطينيين منذ أكتوبر، فيما تحدث أسرى محررون عن الضرب والتقييد لفترات طويلة والحرمان من النوم والرعاية الصحية.

وتكشف شهادات الأسرى المحررين أن معاناة كثير منهم لم تتوقف عند حدود الاعتقال.

خرجنا ولم نجد حياة!

الأسير المحرر الدكتور محمد حميد أبو موسى، أخصائي التصوير الطبي في مجمع ناصر الطبي، يقول إن أصعب ما واجهه لم يكن داخل السجون، بل بعد الإفراج عنه.

تنقل أبو موسى خلال اعتقاله بين سدي تيمان وعوفر والنقب، قبل أن يصل إلى مستشفى ناصر بعد الإفراج، حيث سأل شقيقه فورًا عن والدته وآية وأطفالها، ليعرف لاحقًا أنهم استشهدوا خلال الحرب.

ويقول إن كثيرًا من الأسرى كانوا يتحملون التعذيب والجوع على أمل العودة إلى عائلاتهم ومنازلهم، لكن عددًا منهم خرجوا ليجدوا بيوتهم مدمرة أو أقاربهم قد استشهدوا أو نزحوا.

وأضاف أن آثار الاعتقال لا تنتهي بالإفراج، موضحًا أنه لا يزال يعاني كوابيس متكررة ويستيقظ أحيانًا وهو يصرخ من النوم، فيما يعود تلقائيًا أثناء الصلاة إلى الدعاء نفسه الذي كان يردده داخل السجن:

“يا رب فك أسري”.

وخلال فترة اعتقاله، عمل أبو موسى داخل قسم المرضى في سدي تيمان، حيث شاهد أسرى يعانون أوضاعًا صحية صعبة، بينهم مرضى سكري وأسرى تعرض بعضهم لبتر أطراف نتيجة الإهمال الطبي، وفق روايته.

كما تحدث عن انتشار مرض الجرب بين الأسرى داخل سجن النقب بسبب الاكتظاظ وقلة المياه وغياب العلاج لفترات طويلة، مؤكدًا أن بعض الأسرى كانوا يحكون أجسادهم حتى تنزف من شدة الحكة، فيما تحول المرض داخل السجن إلى “شكل من أشكال التعذيب البطيء”.

خسارات بدأت بعد الإفراج.

الأسير المحرر والمحامي علامي حجازي يقول بدوره إن الاحتلال لم يكتفِ باعتقال الأسرى وتعذيبهم، بل ترك كثيرين منهم يواجهون بعد الإفراج انهيارًا كاملًا في حياتهم الشخصية والمهنية.

وأوضح حجازي أن المحققين كانوا يهددونه خلال التحقيق بأن زوجته وأطفاله قتلوا، وأنه سيبقى داخل السجن ستين عامًا، إضافة إلى تعرضه للعزل الانفرادي في سجن النقب.

لكن الصدمة الأكبر، بحسب قوله، كانت بعد الإفراج عنه، عندما اكتشف أن منزله تعرض للقصف أربع مرات خلال الحرب، وأن شقيقه استشهد خلال إحدى الغارات.

وأضاف أنه خسر أيضًا مكتبه الخاص الذي كان يعمل فيه محاميًا، إلى جانب شقته السكنية التي كانت قد كلفته نحو خمسين ألف دولار.

وقال:

“بعد الإفراج عني لم أجد بيتًا أعود إليه، وأعيش اليوم في منزل أحد أقاربي بعدما خسرت مصدر رزقي وكل شيء أملكه”.

وفي شهادة مشابهة، يقول الأسير المحرر الدكتور معتز البطش إنه خرج من السجن ليعيش داخل خيمة في رفح، بعدما حالت ظروف الحرب والنزوح دون عودته إلى حياة مستقرة أو اجتماعه بعائلته بشكل طبيعي.

وأضاف أن آثار التعذيب لا تنتهي بالخروج من السجن، لأن “الجسد يخرج، لكن الذاكرة تبقى هناك”، مشيرًا إلى أنه وجد نفسه بعد الإفراج في مواجهة يومية مع النزوح وفقدان الاستقرار والقلق المستمر على عائلته ومستقبله.

ويرى مختصون نفسيون أن عددًا من الأسرى المحررين من غزة خرجوا وهم يعانون أعراض صدمات نفسية حادة نتيجة التعذيب والعزل والخوف المستمر داخل السجون، قبل أن يصطدموا بعد الإفراج بواقع النزوح وفقدان الخصوصية والانهيار الاقتصادي.

ويؤكد حقوقيون أن القانون الدولي الإنساني واتفاقية مناهضة التعذيب يضمنان حق المعتقلين في المعاملة الإنسانية والرعاية الصحية، كما يكفلان حق ضحايا التعذيب في إعادة التأهيل والرعاية اللاحقة.

الإفراج لا ينهي الجريمة.

من جهتها، ترى مؤسسة العهد الدولية لحقوق الإنسان أن شهادات الأسرى المحررين من غزة تكشف أن الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية لا تتوقف عند لحظة الإفراج، بل تمتد آثارها النفسية والجسدية والاجتماعية إلى ما بعد الخروج من السجن.

وتقول المؤسسة إن عددًا من الأسرى المحررين عادوا إلى قطاع مدمر يفتقد الحد الأدنى من مقومات الحياة، في وقت يعاني فيه كثير منهم من إصابات جسدية واضطرابات نفسية وفقدان للمنازل أو مصادر الدخل أو أفراد من عائلاتهم.

وتؤكد المؤسسة أن استمرار غياب المساءلة الدولية يشجع على تصاعد الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، خصوصًا مع تكرار الشهادات المتعلقة بالتعذيب، والإهمال الطبي،والتجويع والعزل.

وبينما نجا بعض الأسرى من السجون، عاد كثير منهم إلى واقع لا يقل قسوة، حيث تحولت “الحرية” بالنسبة للبعض إلى رحلة بحث عن بيت مفقود، أو عمل ضاع، أو عائلة لم تعد موجودة أصلًا.

مواد مشابهة