الاثنين 18 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

في ذكرى النكبة... ما زالت نكبات الأسرى تتوالى

18 مايو 2026 قراءة 15 دقيقة

تمرّ علينا ذكرى النكبة الفلسطينية هذا العام، وليست كأي ذكرى مضت؛ ففصول التهجير واللجوء لم تعد مجرد صفحات في التاريخ يُعاد قراءتها، بل هي واقع حي يتجدد كل يوم ، ومن رحم هذه المعاناة المستمرة، تبرز قضية الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال كشاهد حي على أن النكبة لم تنتهِ عام 1948، بل امتدت لتصبح نكبات متتالية، تُسلب فيها حرية الإنسان الفلسطيني خلف قضبان حديدية وجدرانٍ بالية .

تأتي هذه الذكرى والحركة الأسيرة تعيش " المرحلة الأكثر دموية وقسوة " منذ عام 1967، حيث تحولت السجون إلى ساحات مفتوحة للانتقام الممنهج والتعذيب الجسدي والنفسي، في ظل تصاعد حملات الاعتقال العشوائية والجماعية ، حيث تُشير مؤسسات الأسرى الفلسطينية إلى أن عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال تجاوز 9600 أسير حتى عام 2026، بينهم نساء وأطفال ومعتقلون إداريون يُحتجزون دون تهمة أو محاكمة.

كما يُعاني الأسرى من ظروف احتجاز صعبة، تشمل الاكتظاظ الشديد داخل الزنازين، والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، إضافة إلى سياسة الإهمال الطبي المتعمد التي تهدد حياة المرضى والجرحى ، إضافةً إلى التوسع في التعذيب الجسدي والنفسي، والتجويع، والعزل الانفرادي، ومنع الزيارات، وحرمان الأسرى من التواصل مع عائلاتهم.

ناهيك عن أخطر الانتهاكات والسياسات المتبعة بحق الأسرى ، الاعتقال الإداري، حيث يُحتجز آلاف الفلسطينيين دون توجيه لوائح اتهام واضحة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وحقوق الإنسان ، وتشير الإحصائيات إلى أن المعتقلين الإداريين يشكلون نسبة كبيرة من إجمالي الأسرى داخل السجون.

أما الأطفال الأسرى، فيواجهون ظروفًا قاسية لا تتناسب مع أعمارهم، إذ يُحتجز المئات منهم داخل سجون الاحتلال، وسط تقارير عن تعرضهم للترهيب والتحقيق القاسي والحرمان من التعليم والرعاية النفسية ، كذلك تعاني الأسيرات الفلسطينيات من أوضاع صعبة تشمل الإهمال الطبي والتضييق والعزل.

ومع استمرار التصعيد والإهمال ، ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة نتيجة التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي، وفق تقارير حقوقية ومؤسسات مختصة ، كما حذرت تقارير دولية من تحوّل السجون إلى بيئة تنعدم فيها مقومات الحياة الإنسانية.

وفي ذكرى النكبة، يبقى الأسرى عنوانًا حيًا لمعاناة الشعب الفلسطيني، وشاهدًا على استمرار الألم الفلسطيني بأشكال مختلفة ، فبين جدران السجون، تتجدد النكبة كل يوم، ويواصل الأسرى صمودهم رغم القهر والعذاب، متمسكين بالأمل والحرية والكرامة.

لغة الأرقام: إحصائيات مرعبة تعكس حجم الكارثة

تكشف أحدث التقارير الصادرة في مايو 2026 عن مؤسسات الأسرى عن تصاعد غير مسبوق في أعداد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال ، ووفق المعطيات، تجاوز عدد الأسرى حاليًا 9,400 أسير ومعتقل، بزيادة كبيرة تخطّت 83% مقارنة بالفترة التي سبقت أواخر عام 2023 ، ويضم هذا العدد نحو 87 أسيرة، إلى جانب قرابة 360 طفلًا وقاصرًا، يُحتجز معظمهم في سجني سجن عوفر وسجن مجدو وسط ظروف قاسية تفتقر لأبسط المعايير الإنسانية.

كما واصلت سلطات الاحتلال التوسع في سياسة الاعتقال الإداري، حيث ارتفع عدد المعتقلين الإداريين — المحتجزين دون تهمة أو محاكمة — إلى أكثر من 3,376 معتقلًا، ما يشكل أكثر من ثلث إجمالي الأسرى، في ظل الاعتماد على ما يُعرف بـ«الملفات السرية» ، وفي الضفة الغربية والقدس، سُجلت منذ أكتوبر 2023 أكثر من 23 ألف حالة اعتقال طالت مختلف فئات المجتمع الفلسطيني، بمن فيهم النساء والأطفال والمرضى، إضافة إلى شخصيات سياسية وإعلامية ، جلّهم جاء اعتقالهم تحت بند " التحريض " .

وفيما يتعلق بمعتقلي قطاع غزة، لا يزال المئات منهم رهن الإخفاء القسري داخل معسكرات احتجاز سرية، من بينها معسكر " سديه تيمان " ، حيث يُحرم المعتقلون من التواصل مع المحامين أو معرفة مصيرهم ، كذلك تشير التقارير إلى أن عدد المعتقلين الذين يصنفهم الاحتلال تحت مسمى «المقاتلين غير الشرعيين» بلغ 1,283 معتقلًا، مع التأكيد على أن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال، كما لا يضم معتقلين عربًا من لبنان وسوريا.

أوضاع السجون: مسالخ بشرية لسياسة التجويع والتعذيب

لم تعد سجون الاحتلال تقتصر على كونها أماكن للاعتقال، بل تحولت نتيجة السياسات العقابية والقوانين العنصرية إلى بيئات تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية ، وتبرز معاناة الأسرى من خلال عدة ممارسات وانتهاكات خطيرة، أبرزها سياسة التجويع الممنهج، حيث يعاني المعتقلون من نقص حاد في كميات الطعام ورداءة جودته، الأمر الذي تسبب في فقدان الكثير منهم لأوزانهم بشكل كبير وظهور حالات واضحة من الهزال والإرهاق الشديد .

كما تشهد السجون انتشارًا واسعًا للأمراض الجلدية والمعدية، وعلى رأسها مرض الجرب (السكابيوس)، في ظل الاكتظاظ الشديد داخل الأقسام وغياب الظروف الصحية المناسبة، إلى جانب الحرمان المتعمد من العلاج والأدوية، ما فاقم من معاناة المرضى والأسرى الجرحى. ولا تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، إذ توثق شهادات الأسرى وتقارير المؤسسات الحقوقية تعرض المعتقلين لعمليات تعذيب جسدي ونفسي، تشمل الضرب المبرح، والعزل الانفرادي لفترات طويلة، والإهانات والاعتداءات المتكررة ، وقد أدى استمرار هذه السياسات إلى ارتفاع أعداد شهداء الحركة الأسيرة، الذين تجاوز عددهم 326 شهيدًا نتيجة التعذيب والإهمال الطبي والانتهاكات المستمرة داخل السجون.

سجن "جلبوع" (جوانتنامو الاحتلال)

يُشكل سجن " جلبوع " (والذي يُطلق عليه الأسرى والمؤسسات الحقوقية اليوم اسم "جانو" أو "جوانتنامو الجديد" نظراً لشدة الفظائع فيه) بؤرة التنكيل الأشد شراسة ، ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مؤسسات الأسرى ، فإن إدارة السجن حوّلت الغرف والأقسام إلى زنازين عزل جماعي مظلمة ، وتُشير التقارير إلى أن الأسرى في "جلبوع" يواجهون تفشياً غير مسبوق للأمراض الجلدية الحارقة (كالجرَب الشديد) بسبب الحرمان المتعمد من الاستحمام، ومصادرة الملابس والمنظفات ، وتؤكد بيانات المؤسسات أن أفراد وحدات القمع (اليماز والمتساد) ينفذون اقتحامات يومية بملابس سوداء وأقنعة، مستخدمين الكلاب البوليسية والغاز السام، مما أدى إلى إصابات بليغة بين الأسرى (كسور في الجمجمة والأطراف) دون تقديم أي علاج طبي، وسط تعتيم قانوني مشدد ومحاولات مستمرة لمنع زيارات المحامين.

معتقل "عوفر": شهادات حية من قبو التعذيب

يمثل معتقل "عوفر" المحطة الأولى والأبرز لسياسة إذلال الأسرى فور اعتقالهم، وخاصة المعتقلين الإداريين وأسرى قطاع غزة الذين يُنقلون إليه مؤقتاً ، وتنقل مؤسسات الأسرى شهادات مروعة من داخل "عوفر"؛ يروي أحد الأسرى المفرج عنهم مؤخراً قائلاً: « كنا نُجبر على الجلوس بوضعية " القرفصاء " لـ 14 ساعة متواصلة يومياً ورؤوسنا في الأرض، ومَن يتحرك يُضرب بالهراوات حتى يفقد وعيه».

كما روى طبيب أسير سابق أن الطعام المقدم داخل المعتقل لا يكفي لبقاء الإنسان على قيد الحياة، مشيرًا إلى فقدانه أكثر من 35 كيلوغرامًا من وزنه نتيجة التجويع وسوء التغذية، إلى جانب اضطرار الأسرى للنوم على الأرض دون أغطية في أجواء شديدة البرودة، بينما تستمر أصوات التعذيب والصراخ في أقسام التحقيق طوال الليل.

ويُعد معتقل «عوفر» من أبرز السجون التي تشهد تصاعدًا خطيرًا في الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، حيث كشفت آخر التقارير الحقوقية عن أوضاع إنسانية قاسية يعيشها المعتقلون داخله ، وأفادت التقارير بأن الأسرى يتعرضون لعمليات ضرب مبرح واقتحامات متكررة للأقسام، إضافة إلى سياسة الإهمال الطبي المتعمد وحرمان المرضى من العلاج، ما أدى إلى تدهور الأوضاع الصحية لعدد كبير منهم ، كما تحدثت التقارير عن انتشار التجويع والتضييق اليومي ومنع الأسرى من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، خاصة خلال شهر رمضان الفائت ، إلى جانب استمرار العزل والانتهاكات النفسية بحق المعتقلين ، مع استمرار تواصل فرض إجراءات عقابية وانتقامية بحق الأسرى ، وسط تحذيرات من كارثة صحية وإنسانية داخل المعتقل في ظل الاكتظاظ وغياب أبسط مقومات الحياة الإنسانية.

أفاد أسير محرر من سجن عوفر، بعد تنقله بين الأقسام 16 و17 و23 و24، بأن إدارة السجن تواصل فرض إجراءات قاسية بحق الأسرى، أبرزها سحب الفرشات والأغطية يوميًا منذ ساعات الصباح وحتى المساء، في إطار سياسة التضييق المستمرة داخل الأقسام. وأشار إلى إدخال غسالات ونشافات لبعض الأقسام، إضافة إلى توفير أدوية محدودة لبعض المرضى، إلا أن الطعام ما يزال سيئًا وغير كافٍ، مؤكدًا استمرار حملات القمع والاقتحامات داخل المعتقل، واصفًا القسم 17 بأنه من أسوأ الأقسام من حيث الظروف والمعاملة.

وأضاف الأسير أن الأسرى في الأقسام 17 و23 و24 يطالبون بتوفير نسخ من القرآن الكريم، في ظل حرمانهم منها، داعين المحامين إلى رفع هذه المطالب أمام المحاكم والجهات المختصة.

وفي شهادة نقلها محامٍ عقب زيارة لأحد الأسرى في القسم 24، الغرفة 17، أكد الأسير أن إدارة السجن تمنع إدخال القرآن الكريم، وتواصل سحب الفرشات خلال ساعات النهار، بينما لا تتجاوز مدة " الفورة "عشر دقائق فقط، يُسمح خلالها باستخدام الحمام. كما أشار إلى أن الطعام ما يزال قليلًا ورديئًا، وأن نجله المعتقل يواصل الصيام يومًا بعد يوم منذ شهر رغم إصابته وخضوعه للعلاج، ولا يملك سوى لباسين وجاكيت واحد.

ورغم قسوة الظروف، أوضح الأسير أن المعتقلين يحاولون التمسك بجوانبهم الروحية من خلال الصلاة والتسبيح وقيام الليل، إلى جانب حالة من التعاون والتكافل بين الأسرى لمواجهة الظروف الصعبة داخل المعتقل

وفي شهادة نقلها محامٍ عقب زيارة للأسير نور الدين ملايشة داخل سجن عوفر، القسم 14 الغرفة 13، أوضح أن الغرفة تضم عشرة أسرى، يضطر بعضهم للنوم على الأرض بسبب الاكتظاظ، فيما ينام آخرون على الأسرّة الحديدية. ورغم الظروف الصعبة، أكد الأسرى أن معنوياتهم ما تزال مرتفعة، وأنهم يواصلون الصيام يومي الاثنين والخميس في ظل عدم تحسن الطعام منذ شهر رمضان. كما أشاروا إلى عدم انتشار الأمراض داخل الغرفة، وإلى أن مدة “الفورة” تصل إلى نحو ربع ساعة يوميًا، يستغلونها للاستحمام. وأضافوا أن القرآن الكريم متوفر لديهم، وأنهم يواصلون الدعاء والصلاة بشكل جماعي، بينما توفر لهم ماكينات حلاقة يُجبرون عبرها على حلاقة شعرهم بالكامل. كما أوضحوا أن إدارة السجن تواصل سحب الفرشات خلال ساعات النهار، ولا تعيدها إلا قبيل وقت المغرب، رغم توقف حملات القمع خلال الفترة الأخيرة.

أما داخل سجن عصيون، فقد أكدت مؤسسات الأسرى أن الأوضاع الإنسانية تشهد تدهورًا خطيرًا وغير مسبوق، وُصف بأنه الأسوأ منذ بدء الحرب على قطاع غزة، في ظل ظروف معيشية قاسية وانعكاسات نفسية شديدة على الأسرى. وبحسب شهادات نقلتها المؤسسات الحقوقية، فإن غالبية الأسرى حُرموا من الاستحمام لأكثر من شهر، نتيجة انعدام المياه الساخنة وغياب المستلزمات الأساسية، مثل الصابون والمناشف، ما فاقم من معاناتهم الصحية والإنسانية.

وأوضحت الشهادات أن إدارة السجن صعّدت من إجراءات القمع والتنكيل، من خلال تنفيذ اقتحامات متكررة للأقسام بمعدل ثلاث مرات أسبوعيًا، ترافقها الكلاب البوليسية، إلى جانب الصراخ والشتم وإجبار الأسرى على الركوع لساعات طويلة، فيما يتعرض غير القادرين على التحمل للضرب والاعتداء. كما أشارت المؤسسات إلى تعمد إدارة السجن إلقاء قنابل الغاز في ساحة " الفورة "، الأمر الذي يتسبب بحالات اختناق وإغماء بين الأسرى، خاصة في ظل حالة الإرهاق وسوء التغذية التي يعانون منها.

ورغم قسوة الظروف المعيشية ونقص الطعام، أكد الأسرى أن أكثر ما يرهقهم هو ما وصفوه بـ« سياسة الإذلال وكسر الكرامة » التي تُمارس بحقهم بشكل يومي داخل السجن.

انتهاكات متواصلة في عزل سجن " جانوت "

لا يزال الأسرى داخل سجن جانوت يواجهون أوضاعًا صحية وإنسانية بالغة القسوة، في ظل استمرار انتشار الأمراض الجلدية، وعلى رأسها مرض " السكابيوس "، نتيجة غياب الرعاية الطبية المنتظمة وسوء الظروف المعيشية داخل الأقسام ، وبحسب شهادات الأسرى، تتواصل معاناتهم من الحكة والالتهابات الجلدية دون توفير علاج كافٍ، إلى جانب حرمانهم من الملابس والاحتياجات الأساسية، ما يزيد من تفاقم أوضاعهم الصحية والنفسية.

كما تشهد أقسام العزل داخل السجن اقتحامات متكررة تنفذها وحدات القمع، تتخللها عمليات تفتيش عارٍ، وإجبار الأسرى على الانبطاح أرضًا وتقييدهم لساعات طويلة، وسط اعتداءات جسدية مباشرة ، وأفادت الشهادات بأن بعض هذه الاقتحامات رافقها استخدام القنابل الصوتية والاعتداء العنيف على الأسرى، قبل إخراجهم إلى الساحات وهم مقيدون وتركهم لفترات طويلة في ظروف جوية قاسية دون ملابس كافية.

وتواصل إدارة السجن فرض إجراءات عقابية إضافية بحق المعتقلين، من بينها التلاعب بأوقات الاستحمام وحرمان الأسرى منها، إلى جانب تعريضهم للتهديد والتقييد والاحتجاز فوق أرضيات مبللة، ضمن سياسة تضييق ممنهجة تهدف إلى إنهاك الأسرى وكسرهم جسديًا ونفسيًا.

وفي كلٍّ من سجن نفحة وسجن ريمون، المقامين في عمق الجنوب، يعيش الأسرى، وخاصة قيادات الحركة الأسيرة، في عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي، بعد مصادرة وسائل التواصل والمعرفة، بما فيها التلفاز والراديو والكتب، في ظل ظروف وصفها الأسرى بأنها تحوّل الغرف إلى " مقابر للأحياء "، تُسلب فيها أبسط الحقوق الإنسانية التي تكفلها المواثيق الدولية.

 

المشهد العام: واقع السجون الأخرى ( مجدو، النقب )

لا يختلف الحال في بقية قلاع الأسر؛ فالسجون الأخرى باتت تعيش ذات الواقع الفاشي وإن اختلفت المسميات ، في سجن "مجدو"، تم تحويل أقسام الأطفال (الأشبال) إلى مراكز ترهيب، حيث يُحرم الأطفال من التعليم ومن التواصل مع عائلاتهم ويخضعون لسياسة التجويع ذاتها ، أما في سجن "النقب الصحراوي"، وهو أحد أكبر المعتقلات، فإن الأسرى يعيشون في أقسام خيام قديمة مهترئة وسط أجواء الصحراء القاسية، مع تقليص مياه الشرب والاستحمام إلى أقل من ساعة واحدة يومياً للأقسام كافة.

وقد كشفت شهادات جديدة نقلها محامون بعد زيارات لأسرى داخل سجن النقب عن أوضاع إنسانية بالغة القسوة يعيشها المعتقلون في ظل استمرار سياسة التجويع والتنكيل ، ففي القسم 23، الغرفة 3، وصف الأسرى أوضاعهم بأنها " صعبة جدًا "، مؤكدين أن شدة الجوع وقلة الطعام دفعت معظم المعتقلين إلى الصيام بشكل متواصل ، وأضافوا أن السجانين يتعمدون اقتحام الغرف أثناء أداء الصلاة، ويجبرون الأسرى على الركوع بهدف إذلالهم وإهانتهم، إلى جانب توجيه الشتائم والكلمات البذيئة بحقهم بشكل مستمر.

وفي شهادة أخرى من القسم 28، الغرفة 3، أكد أحد الأسرى أن الطعام المقدم " سيئ جدًا " ولا يكفي إلا لطفل صغير، فيما تكاد النظافة تكون معدومة داخل الأقسام ، كما أشار إلى أن خروج الأسرى إلى " الفورة " يخضع لمزاجية السجانين، حيث يُسمح لهم بها أحيانًا ويُحرمون منها في أحيان أخرى، إضافة إلى عدم توزيع الملابس الصيفية عليهم حتى الآن، مع امتلاك بعض الأسرى لملابس محدودة جدًا لا تتجاوز طقمًا واحدًا.

" قانون الاعدام " : الكنيست يشرعن المقصلة والجيش يمددها إلى الضفة الغربية

تتزامن ذكرى النكبة هذا العام مع تحولات قانونية خطيرة داخل المنظومة التشريعية للاحتلال ، حيث شهد ملف " قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين " ، تطورات تشريعية وميدانية بالغة الخطورة، و انتقل المقترح من أروقة المزايدات السياسية إلى حيز التنفيذ والتشريع الفعلي والامتداد الجغرافي في خطوة تشكل تحولاً جذرياً غير مسبوق في المنظومة القانونية والأمنية الإسرائيلية، وبذلك دخلت قضية الأسرى الفلسطينيين نفقاً مظلماً جديداً بعد أن تحول  "قانون إعدام الأسرى"  من مجرد شعارات انتخابية ومشاريع مقترحة إلى واقع تشريعي نافذ، ممتد جغرافياً  ومحصن سياسياً.

وقد بدأ المشهد التشريعي من داخل الكنيست الإسرائيلي، الذي أقرّ القانون بشكل نهائي بأغلبية 62 نائباً مقابل معارضة 48 ، وينص القانون صراحة على فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات أدت لمقتل إسرائيليين ، وقد صيغت مواد القانون بعناية " عنصرية " تضمن تطبيقه حصرياً على الفلسطينيين دون المحاكمة بالمثل لأي إسرائيلي يقتل فلسطينياً.

لم يتوقف الأمر عند حدود المحاكم المدنية؛ بل شهد الملف تصعيداً خطيراً بتوقيع قائد القيادة الوسطى في الجيش الإسرائيلي على تعديل أمر عسكري يقضي بتطبيق قانون الإعدام داخل الضفة الغربية المحتلة ، هذا التعديل يمنح المحاكم العسكرية صلاحية إصدار أحكام الإعدام على أبناء الضفة والقدس، ما يعني توسيع دائرة الاستهداف لتشمل آلاف المعتقلين والقضايا المنظورة حاليًا أمام المحاكم العسكرية، دون أن يطبق القانون بأثر رجعي على الأحكام السابقة

وفي تطور بارز كشفت عنه صحيفة " هآرتس" العبرية، وقّع قائد القيادة المركزية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، آفي بلوط، أمراً عسكرياً يمنح المحاكم العسكرية في الضفة الغربية صلاحية إصدار أحكام بالإعدام بحق أسرى فلسطينيين يثبت إدانتهم بقتل إسرائيليين بدافع  "إنكار وجود دولة إسرائيل " .

ورغم أن القانون يتضمن بنداً يتيح للمحكمة استبدال حكم الإعدام بالسجن المؤبد في حال توفرت "مبررات خاصة أو ظروف استثنائية"، إلا أن هذه الاستثناءات لا تشمل عناصر "النخبة"  التابعة لحركة حماس والمشاركين في هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والذين جرى إعداد مسار قانوني منفصل وأكثر تشددًا بحقهم.

يكشف الفحص الدقيق لبنود القانون الجديد عن رغبة إسرائيلية عارمة في تسريع عمليات القتل العمد وإغلاق أي نافذة لإنقاذ الأسرى، وينص القانون على منع أي جهة رسمية، سواء الحكومة أو القائد العسكري المسؤول، من تخفيف أو إلغاء حكم الإعدام بعد إقراره، كما يحظر إدراج الأسرى المحكومين بالإعدام ضمن أي صفقات تبادل أسرى مستقبلية، في خطوة تهدف إلى قطع الطريق أمام أي تسويات سياسية أو إنسانية محتملة.

كما حدد القانون مهلة لا تتجاوز 90 يومًا لتنفيذ الحكم بعد صدور القرار النهائي، على أن يتم التنفيذ شنقًا داخل السجون الإسرائيلية ، وبحسب البنود المطروحة، يُحتجز الأسير المحكوم بالإعدام في زنزانة انفرادية معزولة تحت الأرض، مع حرمانه الكامل من الزيارات والتواصل الخارجي حتى لحظة تنفيذ الحكم ، كذلك يمنح القانون حصانة كاملة للجهات المنفذة، إذ ينص على أن يتم تنفيذ الحكم بواسطة ضابط سجون ملثم، مع توفير حماية قانونية وجنائية له تحول دون ملاحقته أو مساءلته مستقبلًا.

إن ذكرى النكبة الفلسطينية اليوم ليست مجرد بكاء على أطلال الماضي، بل هي صرخة بوجه الحاضر الأليم الذي يكتوي بناره آلاف الأسرى وعائلاتهم ، إن استمرار النكبات المتوالية بحق الأسرى يستدعي وقفة دولية حازمة تخترق جدار الصمت والنفاق العالمي؛ فالحرية للأسرى ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل هي واجب إنساني وأخلاقي لإنهاء واحدة من أطول وأبشع مظاهر الظلم في التاريخ الحديث.

مواد مشابهة

الدكتور حسام ابو صفية
الدكتور حسام أبو صفية...

في حديث خاص لمؤسسة العهد الدوليةيروي الأسير المفرج عنه أحمد عبد الكريم حسن قدّاس، شهادةً مؤلمة عن الأوضاع التي...

13 مايو 2026 اقرأ