لم يكن الدكتور محمد حميد أبو موسى يفكر في نفسه عندما خرج من السجن. بعد شهور طويلة من الاعتقال والتعذيب، وصل إلى مستشفى ناصر بخان يونس، محمولًا بجسد منهك، ووجه تغيّر، وعينين لا تزالان تتلفتان كما لو أن الجدران تراقبهما.
كان أخوه أحمد أول من رآه. اقترب منه محمد بسرعة، وسأله فورًا:
“وين أمي؟” لم يجب أخوه مباشرة. سأله مرة ثانية:
“وين آية؟ وين الأولاد؟”
لكن أحمد قال فقط:
“اقعد شوي.”
في تلك اللحظة، يقول محمد، شعر أن شيئًا ثقيلًا ينتظره خارج السجن. الخارج من الأسر يتعلم أن بعض الكلمات لا تُقال دفعة واحدة، وأن الصمت أحيانًا يحمل خبرًا أكبر من قدرة الإنسان على احتماله.
جلس قليلًا، ثم بدأ يبكي قبل أن يسمع الجواب كاملًا. كانت أمه قد استشهدت. وآية أيضًا. وأطفالها. خرج من السجن ليكتشف أن جزءًا من حياته لم يكن بانتظاره في الخارج.
لاحقًا سيقول إن أصعب ما مرّ عليه لم يكن الضرب، ولا التحقيق، ولا سدي تيمان، بل تلك اللحظة التي فهم فيها أن الحرية جاءت متأخرة عن الذين كان ينتظرهم.
“أنت 017.. أنت رقم”
كان محمد أبو موسى، البالغ من العمر خمسة وأربعين عامًا، يعمل أخصائي تصوير طبي في مجمع ناصر الطبي. قضى سنوات طويلة بين المرضى وغرف الأشعة والأجهزة الطبية، قبل أن يجد نفسه فجأة داخل رحلة اعتقال بدأت مع حصار المستشفى في فبراير.
قبل اقتحام مجمع ناصر بيوم تقريبًا، طُلب من الموجودين الخروج. كانت عائلته معه داخل المستشفى، وكانت زوجته ترفض فكرة أن يخرجوا متفرقين.
“يا بنطلع سوا، يا بنضل سوا”، قالت له. خاف على أطفاله من الاقتحام، فقرر الخروج معهم نحو الحاجز، دون أن يتوقع أن الطريق القصير خارج المستشفى سيكون بداية أشهر من التعذيب.
عند نادي شباب خان يونس، كان الجنود يفرزون الناس أمام الكاميرات. مجموعات تمر، وأسماء تُنادى، وآخرون يُسحبون جانبًا.
حين جاء دوره، نظر الضابط إلى هويته، ثم طلب منه أن يتجه نحو اليمين.
هناك بدأت الإهانة الأولى.
أُجبر على خلع ملابسه بالكامل أمام الناس. لم يكن تفتيشًا عاديًا، بل محاولة متعمدة لتحطيم الإنسان أمام عائلته والغرباء والنازحين.
بعدها ألبسوه “الأفرول الأبيض”، وكبلوا يديه من الخلف بكلبشات بلاستيكية، ووضعوا عصبة على عينيه. تُرك واقفًا في البرد، يسمع أصوات الصراخ والضرب والتعذيب حوله، ويعرف أن دوره قادم.
كان يتحدث العبرية، وهذه وحدها تحولت إلى تهمة. حين عرف الجنود ذلك، انهالت عليه الاتهامات بأنه كان يترجم “للمخطوفين”. حاول أن ينفي، لكن أحدهم ضربه بعصا على مكان حساس فسقط أرضًا.
منذ تلك اللحظة، كما يقول، صار كل شيء فيه موضع شبهة. حتى مهنته لم تعد تعني شيئًا.
في سدي تيمان، حاول مرة أن يشرح حالة مريض أمام الجنود، فسأله أحدهم:
“أنت دكتور؟”
أجاب بأنه أخصائي أشعة.
نظر الجندي إلى الرقم المعلق على يده وقال: “أنت 017. أنت رقم. ما تحكيش.” هناك فهم محمد المعنى الحقيقي للسجن.
ليس فقط أن يُحتجز الإنسان، بل أن يُمحى. أن يسقط اسمه ومهنته وتاريخه، ويبقى مجرد رقم ينتظر النداء.
“مرحبًا بكم في الجحيم”
نُقل الأسرى إلى سدي تيمان داخل شاحنات مكشوفة، جالسين على الركب داخل ناقلات حديدية تتخبط فيها الأجساد مع الطريق الوعر.
وعندما وصلوا، كانت أول عبارة سمعوها: “مرحبًا بكم في الجحيم.”
أُنزل الأسرى، وسط الكلاب ،والصراخ، والضرب. كانوا معصوبي الأعين، يسمعون نباح الكلاب حولهم ولا يعرفون إن كانت ستنهشهم أم لا.
لاحقًا عرفوا أن الكلاب كانت ملجمة، لكن الرعب في تلك اللحظة لم يكن يسمح بالتفكير. داخل البركسات بدأت مرحلة أخرى من الانهيار.
أربعة أرغفة صغيرة وملعقة قليلة من المربى أو التونة كانت تكفي يومًا كاملًا. بعد أيام من الجوع، بدأ محمد يشعر بالهلوسة. يقول إن الاحتلال كان يدفع الأسرى عمدًا إلى مرحلة يفقد فيها الجسد طاقته على التفكير أو المقاومة.
لاحقًا اختير ليكون “شاويشًا” في قسم المرضى بسبب معرفته بالعبرية والإنجليزية وخلفيته الطبية.
هناك رأى ما لن يغادره أبدًا.
كان القسم يضم عشرات المرضى، بعضهم عاجز عن الوقوف، وآخرون لا يستطيعون الوصول إلى الحمام دون مساعدة. كانوا مرميين فوق قطع إسفنج رقيقة، وسط برد قاسٍ وطعام لا يكفي للبقاء.
من بين الوجوه التي بقيت في ذاكرته، ماجد السوافيري، الذي وصل بحالة صحية شديدة السوء. كان مريض سكري، عاجزًا عن الأكل أو الحركة وحده. لاحقًا عرف محمد أنه استشهد.
يروي أنه رأى أسرى تُركت جروحهم حتى تعفنت. أحدهم دخلت حصاة صغيرة إلى قدمه أثناء النقل، ثم أُهملت حالته حتى انتهى الأمر ببتر ساقه. وآخرون من مرضى السكري تُركوا دون علاج كافٍ حتى فقدوا أطرافهم.
يقول محمد إن الإهمال الطبي لم يكن خطأ عابرًا، بل بدا وكأنه شكل من أشكال العقاب البطيء.
في الليل، لم يكن الأسرى ينامون فعلًا. كانوا يغمى عليهم من التعب أكثر مما ينامون. وكان رمضان، كما يصفه، “أيامًا لا يعيدها الله”.
في وقت السحور والإفطار تحديدًا، كانت فرق القمع تدخل الأقسام. لم يكن الهدف التفتيش فقط، بل إبقاء الأسرى في حالة خوف دائم.
الصلاة نفسها كانت تتم سرًا.
أحيانًا كانوا يصلون بعيونهم فقط، دون حركة واضحة. أما الوضوء، فكان يُسرق من لحظات قصيرة داخل الحمام. وسط ذلك كله، كان القرآن الملجأ الوحيد.
في الخيمة كان هناك عدد من حفاظ القرآن، وكانت جلسات التلاوة بعد الفجر وبعد الظهر تمنح الأسرى شيئًا يشبه النجاة المؤقتة. لكن النجاة لم تكن تدوم طويلًا.
الطريق إلى عوفر
يقول محمد إن أسوأ ما كان يمر على الأسرى لم يكن الزنازين نفسها، بل النقل. في الطريق من سدي تيمان إلى عوفر، تعرض لأعنف ضرب طوال فترة اعتقاله.
كان مكبلًا من الخلف، معصوب العينين، مربوطًا بأسير آخر. جلس قرب الممر داخل الحافلة، فصار كل جندي يمر يضربه.
هناك كُسرت ضلوعه، وتأذت عضلات يده اليمنى، وانخلع فكه بعد لكمات مباشرة على وجهه، حتى بقي نحو عشرة أيام عاجزًا عن الأكل بشكل طبيعي.
حتى الوصول إلى “العلاج” كان يتحول إلى رحلة تعذيب، لذلك صار بعض الأسرى يرفضون الذهاب إلى الطبيب رغم آلامهم.
في عوفر، كان الأسرى يمشون حفاة فوق الحصى والأسفلت الساخن، معصوبي الأعين ومكبلين. أحيانًا يخدعهم الجنود بشأن وجود درج، فيرفع الأسير قدمه ويسقط، ثم ينهال الضرب عليه.
وفي مرات أخرى كانوا يجبرون الأسرى على إصدار أصوات قطار أو كلاب أثناء المشي الجماعي.
حتى المحكمة لم تكن أكثر من مشهد قصير للتمديد.
بعد أكثر من خمسين يومًا من الاعتقال، أُدخل محمد إلى جلسة عبر الفيديو لم تستمر سوى دقائق. التهمة جاهزة مسبقًا: “الانتماء إلى تنظيم إرهابي” أو “مقاتل غير شرعي”.
كان يشعر أن القرار متخذ قبل دخوله، وأن المحكمة مجرد إجراء شكلي لإبقاء الأسرى داخل الجحيم فترة أطول.
في عوفر أيضًا، تحول الطعام إلى وسيلة إذلال.
كان الجنود يركلون صناديق الطعام قبل إدخالها إلى الغرف، فيما تحدث الأسرى عن تلويث الطعام أو البصق عليه. أما الغرف، فكانت مكتظة بأكثر من عشرين أسيرًا، بينما ينام بعضهم على الأرض فوق فرشات مهترئة أو مباشرة فوق الحديد.
القمعات كانت شبه أسبوعية. تدخل وحدات خاصة إلى إحدى الغرف، تُخرج الأسرى واحدًا تلو الآخر، تضربهم، ثم تبعثر الطعام والملابس وكل ما يملكونه. حتى المحارم التي كان الأسرى يخفونها للأيام القادمة كانت تُرمى وتُداس.
وفي إحدى المرات رُش غاز الفلفل داخل الغرف بعد أن تحدث الأسرى مع بعضهم بين الشبابيك. امتلأت الزنازين بالاختناق والكحة والدموع، حتى صار التنفس نفسه مؤلمًا.
الجرب حين يتحول المرض إلى تعذيب
بعد عوفر، نُقل محمد إلى النقب. يقول إن النقب كان “أهون” مقارنة بسدي تيمان وعوفر، لكنه لم يكن مكانًا إنسانيًا. هناك ظهر وجه آخر للعذاب.
كانت المياه تأتي لساعتين فقط في اليوم، فيضطر الأسرى إلى تخزينها داخل أكواب صغيرة أو في ثنيات الخيام. ومع قلة المياه وانعدام النظافة والازدحام، بدأ الجرب ينتشر بين الأسرى.
يشرح محمد، بصفته عاملًا في المجال الطبي، أن الجرب ليس مرضًا خطيرًا إذا عولج، لكنه داخل السجن تُرك لينتشر شهورًا دون علاج حقيقي.
تحولت الحكة إلى جروح وصديد وروائح مؤذية. بعض الأسرى كانوا يحكون أجسادهم حتى ينزل الدم، وآخرون كانوا يحكون بطونهم بالحائط من شدة الألم. في الليل كان المرض يزداد قسوة، حتى صار النوم رفاهية مستحيلة.
العلاج لم يصل إلا بعد شهور، بعدما تحول المرض نفسه إلى شكل من أشكال التعذيب.
الحرية التي وصلت متأخرة
قبل الإفراج بأيام، بدأت الإشارات تظهر داخل النقب. قال أحد عناصر الشرطة العرب للأسرى:
“بتحلقوا في بيتكم.”
ثم جاء ضابط آخر وقال إنه لا يريد أن يسمع أحدًا يفرح أو يعانق أحدًا. عندها فقط بدأ الأسرى يصدقون أن هناك من سيخرج. لكن حتى لحظة الحرية بقيت محاصرة بالخوف.
في الحافلات مُنع الأسرى من رفع رؤوسهم أو النظر عبر النوافذ. وعندما حاول بعضهم النظر إلى الخارج، اقتحم الجنود الحافلة وأجبروهم بعنف على خفض رؤوسهم. كأن الاحتلال أراد، كما يقول محمد، أن يسرق حتى لحظة الإفراج نفسها. حتى اليوم، لا يشعر محمد أن السجن انتهى تمامًا.
أحيانًا، أثناء الصلاة، ينسى أنه خرج، ويدعو تلقائيًا:
“يا رب فك أسري.”
وفي الليل، تعود الكوابيس.
يستيقظ أحيانًا وهو يصرخ، بينما يحاول أمام الناس أن يبدو متماسكًا.
“إحنا من الداخل منهارين”، يقول بصوت منخفض.
يرى محمد أن ما يحدث داخل السجون ليس مجرد سوء معاملة، بل “إعدام بطيء”، تُستخدم فيه الأمراض والجوع والإهمال والضرب والخوف لتحطيم الإنسان تدريجيًا.
لكن رغم كل ما مرّ به، يقول إن أصعب لحظة لم تكن في سدي تيمان، ولا في عوفر، ولا في النقب.
أصعب لحظة كانت خارج السجن. حين وصل إلى مستشفى ناصر، ونظر إلى أخيه للمرة الأخيرة قبل أن يفهم الحقيقة، ثم سأله بصوت مرتجف:
“وين أمي؟”
مواد مشابهة
في ذكرى النكبة... ما زالت نكبات الأسرى تتوالى
تأتي هذه الذكرى والحركة الأسيرة تعيش " المرحلة الأكثر دموية وقسوة " منذ عام 1967، حيث تحولت السجون إلى ساحات م...
الجوع كسلاح.. شهادات من داخل السجون الإسرائيلية توثق سياسة ا...
أسرى محررون يتحدثون عن الهزال والإغماء والطعام الفاسد، ومؤسسات حقوقية تحذر من تحوّل الجوع إلى أداة تعذيب ممنهج...
الدكتور حسام أبو صفية...
في حديث خاص لمؤسسة العهد الدوليةيروي الأسير المفرج عنه أحمد عبد الكريم حسن قدّاس، شهادةً مؤلمة عن الأوضاع التي...