الأربعاء 13 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الدكتور حسام أبو صفية أوجاعٌ وآلامٌ لا تجد من يداويها

13 مايو 2026 قراءة 13 دقيقة

في صباحٍ مثقلٍ بالدخان، وبين جدران مستشفى أنهكته الحرب في شمال غزة، كان الدكتور حسام أبو صفية يتحرك كعادته بين المرضى، يحاول أن يُبقي شيئًا من الحياة قائمًا وسط الخراب ، لم يكن الجو يومها يشبه صباحًا عاديًا؛ السماء رمادية، أصوات القصف متقطعة لكنها قريبة، والوجوه التي في الممرات كانت تحمل ذلك التعب الصامت الذي لا تصفه الكلمات ، وفي نحو ساعات النهار الأولى من يوم 27 ديسمبر/ كانون الأول 2024، اقتحمت القوات الإسرائيلية مستشفى كمال عدوان، في لحظة بدت وكأنها انتزاعٌ أخير لما تبقى من الطمأنينة داخل المكان.

كان البرد حاضرًا في ذلك اليوم الشتوي، لكن ما غلّف المكان أكثر من الطقس هو شعور ثقيل بالعجز والذهول، مرضى ينتظرون من يطمئنهم، وأطباء يراقبون زميلهم يُقتاد بعيدًا دون أن يعرفوا إن كانوا سيرونه مجددًا ، حتى الصمت في الممرات بدا خائفًا ، ومنذ تلك اللحظة ، تحولت قصة الدكتور حسام إلى رمزٍ إنساني يتجاوز شخصه؛ حكاية طبيب بقي يحمل رسالته حتى اللحظة التي انتُزع فيها من بين أسرّة المرضى.

الاختطاف من قلب المعركة الإنسانية

قبل لحظات الاعتقال، كان مستشفى كمال عدوان يشبه قلبًا متعبًا يحاول أن يستمر بالخفقان رغم كل شيء، الممرات مزدحمة بالجرحى، ورائحة الأدوية تختلط بالدخان والغبار، بينما تتردد في الخارج أصوات الانفجارات كأنها تقترب أكثر في كل دقيقة ، لم يكن أحد يشعر بالأمان هناك؛ الأطباء يتحركون بسرعةٍ مرهقة، والممرضون يخفون خوفهم خلف محاولاتهم المستمرة لإنقاذ من يمكن إنقاذه، والمرضى يراقبون الوجوه بحثًا عن أي طمأنينة صغيرة وسط هذا الخراب الهائل.

وحين بدأت لحظات الاقتحام والاعتقال، بدا المشهد وكأن الإنسانية نفسها تُسحب من المكان ، أصوات الجنود، ارتباك الطواقم الطبية ، النظرات المذعورة في العيون، كل ذلك جعل المستشفى يبدو كمدينة صغيرة تُنتزع منها الحياة بالقوة ، وفي وسط هذا المشهد، كان اعتقال الدكتور حسام أكثر من اعتقال شخص؛ كان لحظة شعر فيها كثيرون أن آخر من بقي يربطهم بالأمل يُؤخذ بعيدًا أمام أعينهم.

مشهد اعتقال الدكتور حسام أبو صفية وهو يسير بخطواتٍ ثابتة باتجاه دبابة الاحتلال، كان مشهدًا أثقل من أن يُختصر في صورة ، رجلٌ يرتدي معطفه الأبيض وسط الركام، يمضي بهدوءٍ غريب كأنّه يحاول أن يحافظ على ما تبقّى من كرامة المكان في اللحظة التي يُسحق فيها كل شيء ، وثّقته عيون الجميع قبل أن توثّقه الكاميرات؛ الأطباء الواقفون بصمتٍ عاجز، المرضى الذين تابعوا المشهد بذهول، والأمهات اللواتي أدركن أن حتى من يداوي الجراح لم يعد بمنأى عن الحرب.

في تلك اللحظة بدا المعطف الأبيض وحيدًا أمام الآلة العسكرية الضخمة، وكأن الصورة كلّها تلخّص الفرق الهائل بين إنسانٍ اختار أن ينقذ الحياة، وحربٍ لا تكفّ عن انتزاعها.

ولهذا بقي المشهد عالقًا في ذاكرة الناس؛ لأنه لم يكن مجرد اعتقال طبيب، بل صورة إنسانٍ سار نحو المجهول بينما كان يحمل في هيبته وصمته وجعه الشخصي، ووجع غزة كلّها.

من المعطف الأبيض إلى الجسد المنهك

منذ اللحظات الأولى لاعتقال الدكتور حسام أبو صفية، بدأت تتكشف روايات ثقيلة عن ظروف احتجازه داخل السجون الإسرائيلية ، فبعد اقتياده من مستشفى كمال عدوان في ديسمبر/ كانون الأول 2024، انقطعت أخباره لفترة طويلة، قبل أن يتمكن محامون من زيارته ونقل ما وصفوه بظروف اعتقال " قاسية ومهينة وغير إنسانية " .

ووفق شهادات نقلتها محاميته ومؤسسات الأسرى، تعرّض الدكتور حسام أبو صفية لتحقيقات طويلة وضربٍ شديد، إضافة إلى احتجازه في العزل الانفرادي خلال الأسابيع الأولى من اعتقاله.

وقالت المحامية غيد قاسم، في إحدى المقابلات التي تحدثت فيها عن زيارتها له، إنه كان ممنوعًا من رفع رأسه أو ظهره، معصوب العينين ومكبّلًا بأصفاد حديدية لا تفارق يديه طوال مدة الزيارة التي لا تتجاوز ثلاثين دقيقة ، وكانت الزيارة تتم من خلف حاجزٍ زجاجي، عبر سماعة هاتفية يمسكها بإحدى يديه المقيّدتين، في مشهد يعكس قسوة ظروف الاحتجاز التي يعيشها.

كما تحدثت التقارير أيضاً عن حرمانه من العلاج والرعاية الطبية، رغم تدهور حالته الصحية وفقدانه وزنًا كبيرًا نتيجة التعذيب وسوء ظروف الاحتجاز ، وهو ما أوضحته عائلة أبو صفية ، حيث أنه يعاني من ارتفاعٍ مزمن في ضغط الدم، إضافة إلى تضخّم في عضلة القلب، وهي حالة تتطلب رعاية طبية مستمرة ومتابعة متخصصة ، ورغم خطورة وضعه الصحي، أكدت العائلة أنه لا يتلقى الرعاية الكافية، إذ يُقدَّم له العلاج بشكلٍ محدود ومن دون إشراف طبي متخصص.

ولفتت العائلة أيضًا إلى أن ظروف الاحتجاز غير الإنسانية تزيد من معاناته؛ حيث يُقدَّم له طعامٌ قليل ورديء الجودة، لا يتجاوز وجبةً واحدة يوميًا، الأمر الذي ساهم في تدهور حالته الصحية بصورة أكبر.

وتحدث أسرى محررون التقوا به داخل المعتقل عن تغيرٍ صادم في ملامحه وهيئته؛ إذ بدا منهكًا وشاحبًا بصورة يصعب التعرف إليها مقارنة بصورته المعروفة كطبيبٍ كان يقف بثبات بين مرضاه ، ووصفت شهاداتهم ما يتعرض له بأنه " إعدام بطيء "، في ظل الضرب المتكرر، والإذلال النفسي، والحرمان من النوم والطعام الكافي، إضافة إلى القيود المشددة ومنع التعرض للشمس إلا لفترات قصيرة جدًا.

في حديث خاص لمؤسسة العهد الدولية ، يروي الأسير المفرج عنه أحمد عبد الكريم حسن قدّاس، شهادةً مؤلمة عن الأوضاع التي عاشها إلى جانب الدكتور حسام أبو صفية داخل المعتقلات، وتحديدًا في سجن "سدي تيمان" ، يقول إنه التقى الدكتور حسام هناك، وشاهده في حالة صحية ونفسية صادمة، مضيفًا أن آثار التعذيب كانت واضحة عليه إلى درجة أنه لم يكن قادرًا على الوقوف على قدميه، وأن جسده بدا منهكًا ونحيلًا بصورة مخيفة.

ويصف قدّاس كيف كان الأطباء داخل السجن يتعرضون لمعاملة قاسية ومهينة، مؤكدًا أن الطواقم الطبية كانت تُستهدف بعنفٍ خاص، سواء بالضرب أو الإذلال أو إطلاق الكلاب عليهم، إلى جانب الاعتداءات المتكررة أثناء نقلهم إلى التحقيق ، ويقول إن المعتقلين كانوا يسمعون صرخات الدكتور حسام خلال جلسات التحقيق، بينما يعود بعدها عاجزًا عن الحركة، فيُحضر له أطباء السجن بسبب حالته المتدهورة من شدة الضرب والتعذيب.

كما تحدث عن التغير الكبير في ملامح الدكتور حسام، مشيرًا إلى أن فقدان الوزن والإرهاق الشديد كانا واضحين على وجهه وجسده، حتى بدت عظامه بارزة بشكل مؤلم ، وأضاف أن الدكتور حسام كان بالكاد يستطيع التحدث، وكان يطلب العلاج بصوتٍ ضعيف ومتقطع، بينما يستمر تعرضه للضرب والإهانة بصورة يومية تقريبًا.

وأكد الأسير المفرج عنه أن ما شاهده داخل السجون بحق الأطباء يفوق الوصف، موضحًا أن كثيرين منهم خرجوا أوضاعهم الصحية منهارة نتيجة التعذيب المستمر، فيما بقي آخرون داخل المعتقلات في ظروف شديدة القسوة ، واختتم شهادته بنداء مؤثر طالب فيه بإنقاذ الدكتور حسام أبو صفية وبقية الأطباء المعتقلين، مؤكدًا أن حالتهم الإنسانية والصحية تتدهور بشكل خطير داخل السجون.

الأطباء خلف القضبان… حين أصبح إنقاذ الحياة تهمة

لم يتوقف استهداف الطواقم الطبية الفلسطينية عند قصف المستشفيات وإخراجها عن الخدمة، بل امتدّ إلى اعتقال الأطباء والمسعفين من داخل أماكن عملهم، في مشهد وصفته مؤسسات حقوقية بأنه استهدافٌ مباشر للقطاع الصحي في غزة ، ووفق توثيقات جهات طبية وحقوقية، اعتقل الاحتلال منذ بداية الحرب مئات العاملين في القطاع الصحي، بينهم عشرات الأطباء والاستشاريين ومديرو المستشفيات، فيما لا يزال العشرات رهن الاعتقال حتى اليوم ، وتُشير بيانات مؤسسات الأسرى إلى أن ما لا يقل عن 95 من الكوادر الطبية الفلسطينية ما زالوا معتقلين، جُلّهم من قطاع غزة.

يروي الدكتور عصام رباح حسن أبو عجوة ، استشاري الجراحة العامة في مستشفى الشفاء سابقًا، تفاصيل قاسية عن رحلة اعتقاله التي بدأت في السابع عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2023 ، بعد محاصرة مستشفى المعمداني الذي كان يعمل فيه خلال الحرب ، يقول إن قوات الاحتلال اقتحمت المستشفى واعتقلتهم من داخل غرفة العمليات، قبل أن يُقتادوا إلى حفرة عميقة في العراء، حيث تُرك المعتقلون — وغالبيتهم من الطواقم الطبية — في البرد القارس مكبلي الأيدي والأرجل ومعصوبي الأعين.

ويصف أبو عجوة ما تلا ذلك بأنه بداية " رحلة عذاب " امتدت لأشهر، بدأت في معسكر " سدي تيمان "، حيث تعرض، بحسب شهادته، لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي ، وأُجبر المعتقلون على خلع ملابسهم رغم شدة البرد، ثم نُقلوا إلى غرف تحقيق ضيقة عُرفت بين الأسرى باسم " غرفة الموسيقى "، حيث تُشغَّل الأصوات الصاخبة على مدار الساعة، بينما يُرش المعتقلون بالمياه الباردة وتُسلَّط عليهم المكيفات والمراوح بصورة متعمدة.

ويقول إن المحققين استخدموا أساليب مهينة وعنيفة، شملت الضرب، والإهانات، والتنكيل النفسي ، ويؤكد أن أحد المحققين كسر أسنانه الأمامية، فيما تعمد آخر السخرية منه باستخدام فرشاة تنظيف المرحاض لفرك أسنانه وهو مقيد ومعصوب العينين ، كما تحدث عن تعرضه لاعتداءات سببت له إصابة مستمرة في أذنه أثرت على توازنه حتى اليوم، إضافة إلى تقييده لساعات طويلة على كرسي صغير، بينما يتناوب الجنود على ضربه وإهانته.

ومن أكثر اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرته، حديث أحد المحققين معه بعد معرفته بأنه جرّاح، حين هدده قائلًا إن يده التي تحمل المشرط لن تعود قادرة على العمل ، إلا أن الدكتور عصام ردّ عليه بأنه سيعود إلى عمله، حتى لو خرج على كرسي متحرك، وهو ما فعله بالفعل؛ إذ توجه فور الإفراج عنه إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح لمواصلة عمله الطبي، رغم إبعاده عن منزله وعائلته في شمال غزة.

ويشير أبو عجوة إلى أنه أمضى 137 يومًا في " سدي تيمان " ، قبل نقله إلى سجن النقب، حيث استمرت — بحسب شهادته — ظروف الاحتجاز القاسية من تجويع ومنع للنوم والحرمان من الاستحمام وتغيير الملابس ، ويقول إن الطعام كان بالكاد يكفي للبقاء على قيد الحياة، ما تسبب بخسارته نحو 37 كيلوغرامًا من وزنه خلال فترة الاعتقال.

 

 

أطباء غزة… رحلة الاعتقال التي انتهت بالشهادة

لم يكن الدكتور عدنان البرش ، رئيس قسم العظام في مستشفى الشفاء ، الاسم الوحيد الذي خرج من غزة مرتديًا معطفه الأبيض ثم عاد خبر استشهاده من خلف القضبان ، فالحرب التي لاحقت الأطباء داخل المستشفيات، امتدت لتلاحقهم حتى السجون.

وكان الجيش الإسرائيلي قد اعتقل الدكتور البرش في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2023 أثناء وجوده في مستشفى العودة، إلى جانب عدد من الكوادر الطبية والمرضى والنازحين الموجودين هناك ، وفي الثاني من مايو/ أيار 2024، أعلنت مؤسسات الأسرى استشهاد الدكتور البرش ، بعد تعرضه لتعذيب شديد في جلسات التحقيق الميداني في معتقل عوفر ، ولا يزال جثمانه محتجزًا لدى قوات الاحتلال حتى اللحظة.

أسماءٌ كثيرة لطواقم طبية فلسطينية تحولت من رموزٍ للإنقاذ إلى حكايات ألم وشهادة، بعدما واجهوا الاعتقال والتعذيب والإهمال الطبي، فقط لأنهم اختاروا البقاء إلى جانب مرضاهم في أكثر اللحظات قسوة.

تروي دينا الرنتيسي، ابنة الطبيب إياد أحمد محمد الرنتيسي، تفاصيل الفقد الطويل الذي عاشته عائلتها منذ لحظة اعتقال والدها خلال نزوحهم من شمال غزة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 ، تقول : إن والدها، المولود عام 1971، بقي على رأس عمله طبيبًا خلال الحرب كغيره من الأطباء، إلى أن اقتربت آليات الاحتلال من المستشفى الذي كان يعمل فيه، فاضطر للنزوح مع عائلته إلى الجنوب، خاصة أن والدته المسنة لم تكن قادرة على الحركة وحدها.

وخلال سيرهم عبر ما سُمّي بـ " الممر الآمن " ، أوقفهم جنود الاحتلال عند أحد الحواجز، تتذكر دينا تلك اللحظة بوضوح، حين نادى أحد الجنود على والدها قائلًا: " أنت يا ممرض تعال " ، اقترب والدها منهم وترك خلفه زوجته وأطفاله ووالدته، بينما أكملت العائلة طريقها إلى الجنوب على أمل أن يلحق بهم لاحقًا، لكنه لم يعد أبدًا.

تقول العائلة إنها عاشت ثمانية أشهر كاملة من الانتظار والبحث، تواصلوا خلالها مع الصليب الأحمر دون الحصول على أي معلومات واضحة عن مصيره، إلى أن صدمتهم صحيفة “هآرتس” العبرية بخبر استشهاده، مشيرة إلى أنه توفي بعد نحو أسبوع فقط من اعتقاله، بتاريخ 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وسط حالة من التعتيم على القضية.

وتضيف دينا أن شهادات أسرى مفرج عنهم، إلى جانب ما نشرته وسائل إعلام عبرية، تحدثت عن تعرض والدها لتعذيب شديد داخل المعتقل، شمل — بحسب تلك الروايات — الصعق الكهربائي والضرب العنيف، خصوصًا على الرأس، حتى فقد وعيه ، وتقول إن بعض الشهادات أفادت بأنه بقي ثلاثة أيام في حالة إعياء شديد، لا يستطيع تناول الطعام، ويكتفي بشرب القليل من الماء، قبل أن يتعرض لضربة قاسية كانت سببًا في استشهاده.

وتصف دينا والدها بأنه كان صاحب رسالة إنسانية كرّس حياته لعلاج الناس، متسائلة بحرقة كيف يمكن لطبيبٍ قضى عمره في إنقاذ الأرواح أن يتحول فجأة إلى معتقل يُعذّب حتى الموت، وتقول إن أكثر ما يؤلم العائلة ليس فقط فقدانه، بل الطريقة التي اختفى بها، والصمت الطويل الذي سبق معرفة الحقيقة.

شهادة زوجة طبيب أسير… بين الانتظار والغياب القسري

منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب، لم ينقطع الدكتور رائد مهدي عن عمله كمدير في مستشفى الدرة للأطفال، حيث واصل أداء مهامه بصفته المدير الطبي بروحٍ مهنية وإنسانية عالية ، وكانت زوجته تنصحه أحيانًا بالبقاء بعيدًا عن الخطر، لكنه كان يرفض ذلك بإصرار، مؤكدًا أن واجبه لا يسمح له بالابتعاد عن المرضى.

تروي سهام الخطيب، زوجة الدكتور الأسير رائد مهدي ، تفاصيل لحظة اقتحام منزلهم واعتقال زوجها في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2023، بعد حصار استمر نحو أسبوع كامل ، وتقول إن قوات الاحتلال أجبرتهم على الخروج من المنزل عبر مكبرات الصوت، ثم فصلت الرجال عن النساء، واقتادت زوجها مع آخرين، بينما أُجبرت العائلة على النزوح جنوبًا، لتكون تلك اللحظة آخر مرة تراه فيها.

وتشير إلى أن زوجها لم ينقطع عن عمله منذ بداية الحرب، إذ واصل أداء مهامه كمدير طبي لمستشفى الدرة رغم المخاطر الشديدة، وكان يصرّ على البقاء إلى جانب المرضى والأطفال حتى في أصعب الظروف، مبيتًا في المستشفى أحيانًا، ومشاركًا في عمليات نقل الأطفال والمرضى بين المستشفيات بعد استهدافها ، وتضيف أنه رفض مغادرة عمله الطبي رغم القصف واستخدام الفسفور الأبيض، إلى أن اضطر الطاقم لإخلاء المستشفى ونقل المرضى، ثم لاحقًا تم اعتقاله أثناء محاولته مواصلة عمله في مستشفى آخر.

وتروي الخطيب أنها بقيت لسبعة أشهر ونصف دون أي معلومة مؤكدة عن مصيره، وسط محاولات متواصلة عبر مؤسسات حقوقية، بعضها لم يقدم إجابات واضحة ، ثم تلقت لاحقًا اتصالًا من مؤسسة " الضمير" يفيد بأن زوجها موجود في سجن النقب، وبعد ترتيبات قانونية تمكن محامٍ من زيارته.

وبحسب ما نُقل لها، ظهر الدكتور رائد بحالة صحية صعبة، هزيلًا ومتعبًا، ويعاني من آلام في المعدة ومشاكل صحية مرتبطة بمرض الضغط، في ظل نقص واضح في الرعاية الطبية، رغم أن حالته استدعت علاجًا منتظمًا. لكنها تؤكد أن حالته المعنوية بقيت قوية رغم ظروف الاعتقال القاسية.

وتختتم شهادتها بالحديث عن شعور الانتظار الثقيل الذي تعيشه عائلات الأسرى، خاصة في ظل الأخبار المتداولة عن تغييرات قانونية تتعلق بمصير المعتقلين، معتبرة أن الخوف الأكبر اليوم لم يعد فقط الغياب، بل أن يتحول الانتظار إلى فقدان مفاجئ ، وتوجه نداءً إلى المؤسسات الدولية والصليب الأحمر بضرورة التدخل الجاد لحماية الأسرى، ووقف ما تصفه بانتهاك إنساني مستمر، مؤكدة استمرارها في الاعتصامات والمطالبات حتى الإفراج عن زوجها وباقي الأسرى.

رغم تراكم الشهادات الحقوقية وإفادات الأسرى المفرج عنهم التي رسمت صورةً قاسية عن ظروف اعتقال الأطباء داخل السجون، وما رافقها من حديثٍ عن الضرب والتجويع والعزل والإهمال الطبي والحرمان من النوم، إضافة إلى تقييدهم لفترات طويلة ومنعهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، فإن ذلك كله لم ينجح في إنهاء معاناتهم أو وضع حدٍّ لما يصفه ذووهم ومؤسسات الأسرى بجحيمٍ مستمر داخل الزنازين..

وبين هذه الشهادات المتراكمة والنداءات الحقوقية المتواصلة، يبقى الأطباء المعتقلون عالقين في واقعٍ يختلط فيه الألم بالصمت، دون أن تفضي كل تلك الإفادات حتى الآن إلى انفراجٍ يضع حدًا لمعاناتهم أو يعيد لهم حريتهم.

 

مواد مشابهة