تفاصيــل التقرير

بين الجسد والذاكرة: شهادة من داخل السجن

ليس الأسير مجرد رقم في قوائم التبادل أو ملفات المحاكم العسكرية. هو زمنٌ مُعلّق، وجسدٌ يُدار خارج حدوده الطبيعية، وذاكرة تُعاد كتابتها تحت الإكراه. في التجربة الفلسطينية، يتجاوز الاعتقال كونه إجراءً قانونياً أو أمنياً، ليصبح منظومة كاملة من العزل، والتحكم، وإعادة تشكيل الإنسان داخل فضاء مغلق تُعلّق فيه الحقوق الأساسية أو تُفرّغ من مضمونها.

داخل هذا الفضاء، لا يُختبر الزمن كما يُختبر في الخارج. الأيام لا تُقاس بالتقويم، بل بدرجة الألم، وبعدد المرات التي يُعاد فيها تعريف الجوع، والضوء، والصوت، وحتى الصمت. وفي كثير من الحالات، يتحول الجسد نفسه إلى ساحة للتجربة، بينما تُترك الذاكرة وحدها لتحاول حفظ ما يمكن إنقاذه من صورة الإنسان قبل الاعتقال.

هذه الشهادة التي يرويها الأسير المحرر أمجد عطا محمد لافي، لا تقف عند حدود التجربة الفردية، بل تفتح نافذة على نمط احتجاز يُطرح حوله سؤال قانوني وإنساني واسع، يتعلق بمدى التزام سلطات الاعتقال بمعايير القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية مناهضة التعذيب.

من سرير المستشفى إلى منظومة التعذيب: شهادة الأسير المحرر أمجد لافي

لم يكن اعتقال أمجد عطا محمد لافي إجراءً أمنياً تقليدياً، بل عملية تمت داخل منشأة طبية، في انتهاك مباشر للحماية الخاصة التي تكفلها القوانين الدولية للمستشفيات والجرحى.

في الخامس من شباط/فبراير 2024، اقتحمت قوات خاصة مستشفى الهلال الأحمر في خانيونس، حيث كان أمجد يتلقى العلاج من إصابتين بطلق ناري في الصدر والرئة اليمنى. خلال الاقتحام، أُطلق الرصاص بشكل عشوائي، قبل أن يُعتقل مع عدد من الجرحى الآخرين. لم تُراعَ حالته الصحية، ولم يُستكمل علاجه، في مخالفة واضحة لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال تجاه الجرحى والمدنيين المحميين.

سبقت ذلك عملية حصار لمدرسة كان يتواجد فيها، تخللها اعتقال شبان والتحقيق معهم. لكن لحظة الاقتحام داخل المستشفى مثّلت انتقاله إلى فضاء احتجاز مغلق، خارج أي ضمانات فعلية للحماية أو الرقابة.

نُقل أولاً إلى مبنى الشؤون، حيث احتُجز نحو 12 ساعة في ظروف غير معلنة، قبل تحويله إلى سجن “سدي تيمان”. هناك، بدأت مرحلة يمكن توصيفها، وفق معايير القانون الدولي، بأنها معاملة قاسية ولا إنسانية ومهينة، وقد ترقى في بعض تفاصيلها إلى التعذيب.

لمدة 45 يوماً، احتُجز مقيّد اليدين والقدمين، معصوب العينين، ومجبراً على الجلوس على ركبتيه بشكل متواصل. هذا النمط من التقييد المطوّل يُعد من أشكال المعاملة المحظورة دولياً عندما يُستخدم كوسيلة ضغط أو إذلال أو عقاب.

ضمن هذه الفترة، أمضى ما بين 10 إلى 14 يوماً فيما يُعرف بـ”الديسكو”—وهو حاوية معدنية يُحتجز فيها عدد من الأسرى، مع تشغيل مكبرات صوت عالية بشكل متواصل ليل نهار. هذا الشكل من الاحتجاز، المصحوب بالعزل الحسي والضجيج المستمر، يُستخدم كوسيلة إنهاك نفسي وجسدي. ويشير أمجد إلى آثار جسدية مباشرة أصابت بعض المحتجزين، بينها نزيف من الأذنين وفقدان السمع.

يصف التجربة قائلاً: “بتطلع من جوّه بعد 10 أيام كأنك قاعد 60 يوم”.

الاعتقال كعُمرين

كان الاعتقال قد بدأ وهو قاصر، بعمر 17 عاماً وأربعة أشهر، وهي فئة تستوجب حماية قانونية مضاعفة وفق قواعد معاملة الأحداث المحرومين من حريتهم، إلا أن ظروف الاحتجاز لم تعكس أي التزام بهذه المعايير.

خلال رمضان الأول داخل السجن، كانت الحياة اليومية تُدار كامتداد للعقوبة: قيود مستمرة، حرمان من النوم الطبيعي، وتلاعب متعمد بتوقيت الطعام، حيث يُقدَّم السحور بعد شروق الشمس، والإفطار بعد العشاء أو يتأخر عنه. وفي بعض الحالات، كان الطعام يُستخدم كأداة إذلال أمام الأسرى.

كما أفاد بتعرض عدد من المعتقلين لاعتداءات جسدية، بينها إطلاق الكلاب والصعق الكهربائي، في سياق لا يتوافق مع أي مبدأ من مبادئ الكرامة الإنسانية التي يكفلها القانون الدولي.

لاحقاً، نُقل إلى قسم يُعرف بين الأسرى باسم “الجحيم”، حيث ازدادت القيود، خاصة على القاصرين، ضمن سياسة تهدف—بحسب وصفه—إلى منعهم من أي شكل من أشكال التنظيم أو التواصل.

في هذا القسم، كانت الظروف المعيشية دون الحد الأدنى: اكتظاظ شديد، غذاء محدود، وقيود صارمة على الحركة والصلاة. حتى أداء الصلاة جماعة كان يُقابل بالعقاب والاقتحام.

في سجن عوفر، حاول الأسرى خلق مساحات تضامن داخل الغرفة، لكن الاقتحامات المتكررة كانت تعيد فرض السيطرة بالقوة، بما في ذلك مصادرة الطعام وإتلافه. كما تعرضوا لتضليل متكرر حول التواريخ الدينية، ما أدى إلى صيامهم في أيام عيد.

من أكثر اللحظات قسوة، ما حدث خلال التحقيق، حين أُبلغ أمجد باستشهاد عائلته بالكامل. لم يكن بالإمكان التحقق من المعلومة، لكنها أُعطيت له كحقيقة، في سياق ضغط نفسي حاد.

كما عُلّقت داخل السجن صور لمناطق مدمرة في غزة، مرفقة بعبارة “غزة الجديدة”، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي والذاكرة لدى الأسرى عبر الصدمة البصرية المستمرة.

حتى حق التواصل القانوني لم يكن مضموناً. كانت عملية لقاء المحامي تتم تحت حراسة مشددة، مع تقييد وتعصيب العينين، والمرور عبر ممر طويل داخل سجن عوفر، يُستخدم بحسب شهادات الأسرى كمسار للعنف الجسدي والنفسي.

أُفرج عن أمجد في الثالث عشر من الشهر، لكن ما خرج منه لم يكن مجرد باب سجن يُغلق خلفه. كان هناك شيء آخر لم يُغلق.

في الداخل، ما زال الوقت يتحرك بطريقة مختلفة؛ لا يُقاس بالساعات، بل بالانتظار، ولا يُفهم إلا من وقع الخطوات في الممرات الضيقة، ومن صوت المفاتيح حين يقترب أكثر مما ينبغي. هناك، ما زالت الأجساد تجلس على الركب لساعات طويلة، والعيون لا ترى سوى ما يُسمح لها أن تراه، والصوت يأتي دائماً من خارج الجسد لا من داخله.

الغرف ليست أماكن بقدر ما هي حدود مؤقتة للصبر. الهواء فيها ثقيل، ليس لأنه لا يتجدد، بل لأنه محمّل بما لا يُقال. وفي كل اقتحام، يتكرر المشهد ذاته: حركة مفاجئة، صراخ قصير، أيدٍ تُسحب، وطعام يُبعثر على الأرض قبل أن يُدهس تحت أقدام لا تتوقف.

في الممرات الطويلة، لا أحد يمشي وحده. حتى الخطوات تبدو وكأنها تُساق. هناك، يصبح الجسد شيئاً يُنقل، لا شخصاً يتحرك. أما الزمن، فيُترك خلف الباب، أو يُعلّق مؤقتاً إلى أن ينتهي الدور التالي من الانتظار.

خارج السجن، تبدو الحكاية منتهية. لكن داخله، لا شيء ينتهي تماماً. كل ما يحدث هناك، يبقى يحدث… بشكل آخر.

أخبار مشابهة