تفاصيــل التقرير
خلف الشمس: منظومة الاحتجاز الإسرائيلية والانتهاكات الجسيمة بحق الأسرى الفلسطينيين
يأتي السابع عشر من أبريل من كل عام بوصفه تاريخًا محفورًا في الذاكرة الفلسطينية، يومًا للأسرى الذين تحوّلت حياتهم منذ عقود إلى جزء من معجم الألم الوطني، لكن يوم الأسير الفلسطيني في عام 2026 لا يحضر كمناسبة رمزية فحسب، بل كعلامة على مرحلة هي الأخطر والأشد قسوة في تاريخ الحركة الأسيرة. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، لم تعد السجون الإسرائيلية مجرد أماكن احتجاز، بل تحوّلت، وفق ما خلصت إليه منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية وأممية، إلى فضاءات مفتوحة للتعذيب الممنهج، والإذلال المنظّم، والعنف الجنسي، والإخفاء القسري، والتجويع، والحرمان الطبي، والقتل البطيء ،والمباشر.
ولم يكن هذا التحول مجرد تصاعد في حجم الانتهاكات، بل انتقالًا نوعيًا في طبيعة منظومة الاحتجاز نفسها. فقد أُعيد تنظيم المعسكرات العسكرية ومراكز التوقيف والسجون بحيث تعمل، في عدد من الحالات، كفضاءات معزولة عن الرقابة الفعلية، أقرب إلى ثقوب سوداء قانونية ومكانية، يُنقل إليها المعتقلون، ولا سيما من قطاع غزة، خارج الحد الأدنى من الضمانات، في ظل حجبٍ للمعلومات، ومنعٍ للزيارات، وتقييدٍ للمحامين، وإبقاءٍ متعمّد لمصير عدد كبير من المحتجزين في دائرة الغموض. هكذا لم يعد الانتهاك مرتبطًا بسلوك حارس أو محقق أو وحدة عسكرية بعينها، بل صار يتكئ على بيئة احتجاز صُممت بما يسمح بوقوع الجريمة واستمرارها وإخفاء آثارها.
تُصدر مؤسسة العهد الدولية هذا التقرير بوصفه وثيقة حقوقية مرجعية لا تكتفي بجمع الأرقام، بل تسعى إلى قراءة البنية الكاملة للانتهاك، من لحظة الاقتحام والاعتقال، إلى التحقيق، إلى الزنازين والمعسكرات، إلى النصوص القانونية التي شرعنت الجريمة أو وسّعت من مجالها، إلى الصمت الدولي الذي لم يرتق بعد إلى مستوى الكلفة الرادعة. فالتوثيق هنا ليس ممارسة أرشيفية باردة، بل شرط أولي للمساءلة، وحماية للذاكرة، وتثبيت لحق الضحايا في أن تُسمّى جرائمهم بأسمائها.
يوم الأسير الفلسطيني، من الذاكرة الوطنية إلى لحظة الخطر التاريخي
منذ احتلال عام 1967، صار الاعتقال أحد الأعمدة البنيوية في إدارة إسرائيل لعلاقتها بالفلسطينيين. ووفق المعطيات التراكمية التي وثّقتها مؤسسات الأسرى الفلسطينية، وعلى رأسها نادي الأسير الفلسطيني وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، فإن ما يقارب المليون فلسطيني مرّوا بتجربة الاعتقال منذ ذلك العام، من بينهم أكثر من سبعة عشر ألف امرأة، وما يزيد على خمسين ألف طفل. وهذه الأرقام، على ضخامتها، لا تُقرأ بوصفها مجرد حصيلة تراكمية، بل بوصفها دليلًا على أن السجن لم يعد استثناء في التجربة الفلسطينية، بل مكوّنًا متكررًا في السيرة الجماعية للشعب الفلسطيني، حتى لم تكد تخلو عائلة من أسير أو محرر أو شهيد ارتبط اسمه بالمعتقل.
في السابع عشر من أبريل 1974، أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني هذا التاريخ يومًا وطنيًا للأسرى، رغبةً في نقل معاناتهم من حيزها الفردي والعائلي إلى فضاء القضية الوطنية العامة. ثم جاء اعتماده عربيًا في القمة العربية العشرين المنعقدة في دمشق عام 2008 ليمنحه بعدًا أوسع، غير أن القيمة الحقيقية لهذا اليوم بقيت كامنة في كونه موعدًا متجددًا لتثبيت مركزية قضية الأسرى، لا مجرد احتفال رمزي بهم..
غير أن يوم الأسير في عام 2026 يأتي في ظل تحوّل نوعي في طبيعة ما يجري داخل السجون والمعسكرات. فالمسألة لم تعد متعلقة فقط بالحرمان من الحرية، بل بوجود منظومة احتجاز يجري فيها تدمير الإنسان بصورة منتظمة، تحت غطاء الحرب، وداخل بنية تشريعية وسياسية تعتبر السجن إحدى ساحات الصراع المفتوح. وإذا كان الاعتقال قد استُخدم تاريخيًا أداة للسيطرة والإخضاع وتفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، فإن ما جرى بعد السابع من أكتوبر 2023 يشير إلى مرحلة أكثر تطرفًا، حيث انتقل الاحتجاز من كونه وسيلة للردع أو العقاب إلى بنية متكاملة لإنتاج الألم، تشمل التجريد، العزل، الإفقار الجسدي، الترويع النفسي، والإفلات من المساءلة.
صورة الأسر بالأرقام، حين تكشف الإحصاءات اتساع الجريمة لا حدودها
تكشف البيانات الصادرة حتى أبريل 2026 عن واقع احتجاز هو الأثقل منذ سنوات طويلة. فبحسب أحدث المعطيات المنشورة عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني ومركز الميزان لحقوق الإنسان، يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية أكثر من 9900 أسير. ومن بين هؤلاء، هناك أكثر من 3532 معتقلًا إداريًا محتجزين بلا تهمة أو محاكمة، من بينهم نساء وأطفال، في ارتفاع غير مسبوق منذ بدء الحرب. كما تشير المعطيات إلى وجود نحو 350 طفلًا فلسطينيًا داخل السجون الإسرائيلية، يتركزون بصورة رئيسية في سجني مجدو وعوفر.
أما فيما يتعلق بالأسيرات، فيبلغ عددهن اليوم 86 أسيرة، من بينهن 25 أسيرة معتقلة إداريًا، إضافة إلى أسيرتين معتقلتين منذ ما قبل السابع من أكتوبر 2023، فيما تشير إفادات خاصة بملف الأسيرات والأمهات إلى استمرار وجود أمهات معتقلات يتركن خلفهن عشرات الأطفال، في واحدة من أكثر صور العقاب الجماعي قسوة.
وفي قطاع غزة، تشير المعطيات إلى وجود 1251 معتقلًا مصنفين تحت مسمى “المقاتلين غير الشرعيين” وفق بيانات مصلحة السجون، دون أن يشمل هذا الرقم آلاف المعتقلين المحتجزين في المعسكرات العسكرية ومواقع الاحتجاز السرية، حيث يستمر الإخفاء القسري كأداة منهجية.
وعلى صعيد الوفيات داخل الاحتجاز، بلغ عدد الأسرى الشهداء منذ عام 1967 نحو 326 شهيدًا، من بينهم 89 استشهدوا بعد السابع من أكتوبر 2023، فيما لا تزال جثامين 97 أسيرًا محتجزة لدى الاحتلال، في استمرار لسياسة احتجاز الجثامين
الأسيرات والأمهات، حين يصبح السجن امتدادًا للعقاب الجماعي
في ملف الأسيرات، لا تتجلى الجريمة في حرمان النساء من حريتهن فحسب، بل في تفكيك الأمومة ذاتها وإعادة توظيفها بوصفها مساحة للعقاب النفسي والإنساني. فالشهادات التي وثّقتها مؤسسات الأسرى بشأن النساء المعتقلات تكشف أن الاحتلال لا يعتقل المرأة وحدها، بل يعتقل معها علاقتها بأطفالها، وقلقها عليهم، وجهلها بمصيرهم، ويفتح من هذا الألم بابًا إضافيًا للإذلال.
وتتضح خطورة هذا الملف أكثر حين يُقرأ في ضوء ما وثقته التقارير الحقوقية عن ظروف احتجاز النساء خلال هذه المرحلة. فالسجون التي احتُجزت فيها الأسيرات، ولا سيما الدامون وهشارون في بعض الفترات، لم تكن مجرد أماكن مغلقة، بل بيئات خالية من الحد الأدنى اللائق بالخصوصية والرعاية، والنظافة، والضوء، والهواء. وتظهر إفادات متقاطعة أن النساء وُضعن في غرف رطبة، سيئة التهوية، محدودة الحركة، مع نقص واضح في مواد التنظيف الشخصية، ورداءة الطعام، وصعوبة الوصول إلى العلاج، وحرمان أو تقييد للاستحمام وتبديل الملابس. كما أن التعرية القسرية والتفتيش المهين لم يكونا حدثين استثنائيين، بل جزءًا من منظومة إذلال تُمارس منذ لحظة الاعتقال، مرورًا بالنقل، وصولًا إلى السجن.
تروي أسماء شتات، وهي معلمة تبلغ من العمر 43 عامًا، اعتُقلت من دير البلح بعد اقتحام منزلها وإلقاء الغاز على أطفال نائمين، أن لحظة الاعتقال بدأت بصوت يشبه فتح جرّة غاز، ثم امتلأت الغرفة برائحة خانقة، وبدأ أطفالها الثلاثة بالسعال، فيما كان أحدهم، وهو طفلها محمد، يعاني أصلًا أزمة صدرية. وبينما كانت تحاول حمايته، انتزع جندي ابنها من بين ذراعيها، وحين طلبت ما يستر شعرها، شدّها من شعرها وسحلها إلى الخارج. هذه الشهادة، بما تحمله من تفصيل إنساني جارح، لا تصف مشهدًا فرديًا فحسب، بل تكثّف طبيعة الاقتحام بوصفه فعلًا يستهدف النساء عبر أطفالهن، ويحوّل البيت ذاته إلى مسرح للذعر المقصود.
تقول أسماء إنها نُقلت وهي تنزف ومقيّدة إلى مركز عسقلان، ثم خضعت للتحقيق ما بين ست واثنتي عشرة ساعة يوميًا لمدة أربعة عشر يومًا متواصلة، داخل زنازين وصفتها بأنها “قبور مثلجة”، مساحتها متران في متر، بمرحاض طافح وفراش ذي رائحة كريهة وتكييف يُرفع عمدًا حتى التجمد. لم تكن تعرف الليل من النهار، ولا أوقات الصلاة، وتروي أنها كانت تتيمم بالحجر الذي تجلس عليه وتصلي بعينيها خوفًا من رد فعل السجانين. وعندما وصلت لاحقًا إلى سجن الدامون، خضعت لتفتيش عارٍ كامل، وعلمت من أسيرات أخريات أن التفتيش في سجن هشارون كان في بعض الحالات جماعيًا، بما يجبر الأسيرات على النظر إلى بعضهن في ذروة الإذلال.
وتتقاطع هذه الشهادة مع إفادات أخرى. فالدكتورة انتصار عواودة، المحاضِرة في جامعة الخليل، اعتُقلت فجر 13 مايو 2025، وصادرت القوات الإسرائيلية هاتفها وحاسوبها قبل نقلها إلى مركز المسكوبية، حيث أمضت اثنين وعشرين يومًا في إضاءة خافتة، بلا نوافذ، وبماء غير صالح للشرب. وحين تصف الدامون لاحقًا، تتحدث عن غياب التهوية الطبيعية، وافتقار النساء إلى أدوات التنظيف الشخصية، وانتشار الحكة الجلدية ونقص فيتامين د وتساقط الشعر، مع معاناة صحية قائمة في القلب والعمود الفقري دون رعاية مناسبة. وتروي شهد حسن، وهي معلمة لغة عربية من رام الله تبلغ 23 عامًا، أنها فقدت عشرة كيلوغرامات منذ اعتقالها، وتصف الرطوبة في الغرف بأنها “قاتلة”، والطعام بأنه قليل، والملابس بأنها شحيحة، والاستحمام بأنه لا يتم إلا كل يومين، فيما تبقى الملابس نفسها على الأجساد منذ لحظة الدخول.
هذه الشهادات، حين تُقرأ في ضوء ما وثّقه نادي الأسير ومكتب إعلام الأسرى وهيئة شؤون الأسرى، وما أشارت إليه المعايير الدولية الخاصة بالنساء السجينات، تكشف أن الانتهاكات بحق الأسيرات تبدأ منذ لحظة الاقتحام والاعتقال، مرورًا بالتحقيق، والتعرية القسرية، والتهديد بالعنف الجنسي، والتوقيع على أوراق لا تُقرأ بالعبرية، ثم النقل إلى هشارون أو الدامون في ظل ظروف احتجاز مهينة، بما يجعل من ملف النساء المعتقلات أحد أكثر وجوه المنظومة العقابية الإسرائيلية كشفًا لسياسة الإذلال المنهجي.
من المدني إلى “المشتبه”، كيف أُعيد تشكيل الاعتقال بوصفه آلة للإذلال
في عشرات الشهادات الموثقة لمعتقلي غزة، تتكرر لحظة أولى شديدة الدلالة، لحظة نزع الملابس، وتقييد الأيدي، وتعصيب العينين، وسوق الرجال والمدنيين والمرضى والعاملين الصحيين والصحفيين كأجساد عارية من أي صفة أو حماية. وهذا التكرار ليس تفصيلًا عرضيًا، بل جزء من لغة الاعتقال نفسها، حيث يبدأ الإخضاع من تفكيك الإنسان أمام نفسه وأمام الآخرين.
وتؤكد المادة الحقوقية المتراكمة بعد السابع من أكتوبر 2023 أن هذا النمط لم يكن محصورًا في موقع واحد أو وحدة واحدة، بل ظهر في المداهمات المنزلية، والمستشفيات، ومراكز الإيواء، ونقاط العبور، وما سُمي بالممرات الآمنة التي تحولت، في عدد من الحالات، إلى نقاط فرز واعتقال جماعي. فالتعرية القسرية، والركوع في العراء، والانتظار بالساعات مع اليدين المقيدتين والعينين المعصوبتين، والضرب خلال النقل أو قبل بدء التحقيق، كلها تحوّلت إلى طقس افتتاحي ثابت تقريبًا في تجربة عدد كبير من المعتقلين. وهذه البداية ليست إجرائية بقدر ما هي رسالة، مفادها أن الجسد صار مكشوفًا بالكامل أمام سلطة بلا ضوابط.
إبراهيم فودة، الأب لطفلين من بيت لاهيا، اعتُقل في مارس 2024 من مبنى قرب مستشفى الشفاء بعد أن فجّرت القوات الإسرائيلية بابه، وأمرت جميع الرجال فوق سن السادسة عشرة بالنزول وخلع ملابسهم. يقول إنه أُخذ عاريًا إلى مبنى مجاور حُوّل إلى موقع عسكري، وهناك قُيّدت يداه وعُصبت عيناه، وبدأ التحقيق حول قادة حماس والأنفاق والأسلحة. وحين أنكر أي صلة، تحوّل التحقيق إلى تعذيب مباشر، إذ أُطفئت السجائر على جسده، وسُكب عليه حمض الملح، وأُحرق ظهره بقدّاحة، ما أدى إلى فقدانه البصر في عينه اليسرى.
وفي شهادة متقاطعة، يروي محمد أبو طويلة، وهو ممرض تقني في غرفة العمليات بمستشفى العودة، أنه اعتُقل خلال اقتحام المستشفى في ديسمبر 2023، حيث أُجبر جميع الرجال، بمن فيهم الطواقم الطبية، على خلع ملابسهم تحت تهديد القناصة والدبابات. ثم تعرّض لسلسلة طويلة من الإذلال والتحقيق والضرب بالعصي، وإطلاق الكلاب على المعتقلين، وسكب سائل شديد السخونة على ظهره تسبب بحروق من الدرجتين الثانية والثالثة. فقد 25 كيلوغرامًا من وزنه، وبقي معصوب العينين 41 يومًا متواصلة. هذه الوقائع تتقاطع مع ما وثّقته هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في أغسطس 2024 عن تعذيب العاملين الصحيين الفلسطينيين داخل الاحتجاز، بما يشمل الضرب والإهانة والحرمان من الرعاية، رغم أن القانون الدولي الإنساني يحيطهم بحماية مضاعفة نظرًا لطبيعة عملهم المدني والإنساني.
وتبرز في هذا السياق شهادة الصحفي أمين بركة بوصفها مثالًا إضافيًا على استهداف فئات يفترض أن تتمتع بحماية واضحة. كان بركة يؤدي عمله الصحفي بين مستشفى ناصر ومناطق النزوح في خان يونس، قبل أن يتحول فجأة إلى معتقل بعد محاصرة المدرسة التي كانت تؤوي عائلته. يروي أنه أُجبر أمام الناس على خلع ملابسه كاملة، ثم ضُرب وهو عارٍ، وأُكره على اتخاذ وضعية السجود لساعات طويلة منذ التاسعة صباحًا حتى أذان المغرب، قبل نقله إلى مواقع تحقيق وتعذيب متتالية. وهناك، يقول إن المحقق استقبله بعبارة ساخرة، “أهلًا بالصحافة”، ثم سأله عن عمله ومصادر المواد المصورة التي تبثها وسائل الإعلام الفلسطينية، قبل أن يصرّح له بوضوح، “أنتم أخطر علينا من المقاتلين”. هذه العبارة، بغضّ النظر عن حمولة الشهادة الشخصية، تحمل دلالة سياسية وقانونية واضحة، إذ تكشف أن الاعتقال لم يكن متعلقًا فقط بالشبهة الأمنية، بل أيضًا باستهداف الشاهد والناقل والرواة.
سديه تيمان، الجحيم الذي أخذ اسم معسكر
إذا كان ثمة اسم واحد تكرر بوصفه مرادفًا للرعب في الشهادات القادمة من غزة، فهو “سديه تيمان”. هذا المعسكر، الذي أعادت إسرائيل استخدامه خلال الحرب لاحتجاز معتقلي غزة، لم يعد مجرد موقع احتجاز عسكري، بل غدا في التقارير والشهادات رمزًا مكثفًا لمنظومة تجريد الإنسان من إنسانيته. وقد أشارت تقارير صادرة عن مؤسسات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية، إضافة إلى تحقيقات صحفية دولية، إلى استخدام سديه تيمان على نطاق واسع لاحتجاز الآلاف من معتقلي غزة، في ظل قيود شديدة على وصول المحامين والمنظمات الحقوقية.
لكن ما يجعل سديه تيمان أخطر من مجرد معسكر سيّئ السمعة، هو أنه يمثل النموذج الأوضح على انتقال منظومة الاحتجاز الإسرائيلية إلى فضاء مغلق يعمل خارج الرقابة الفعلية. فالتقارير التي تناولته لا تصفه كسجن عادي، بل كبنية استثنائية تُحتجز فيها الأجساد في ظروف أقرب إلى المعسكرات العقابية: تقييد مستمر، تعصيب أعين، عزل عن العالم الخارجي، حرمان من العلاج، منع شبه كامل للمعلومات، ونظام يومي قائم على الإذلال والعقاب الجماعي. وفي هذا المعنى، لا يصبح سديه تيمان مكانًا فحسب، بل صيغة احتجاز تكثف ما حدث بعد السابع من أكتوبر كله: نقل الفلسطيني إلى منطقة لا يعرف فيها أين هو، ولا من يحتجزه، ولا متى سيخرج، ولا حتى ما إذا كان العالم يعلم بوجوده.
تصف شهادات عماد نبهان، ومصعب ماهر حمو، ومحمد إياد رمضان قرموط، المعسكر بوصفه فضاءً تتوقف فيه الساعة ويصير الجسد مادة للعقاب المتواصل. اعتُقل الثلاثة من أماكن مدنية تمامًا، مدرسة إيواء، ومستشفى، ومكان نزوح، ثم بدأ اختفاؤهم القسري عبر مراحل متشابهة من الضرب، وتقييد الأيدي بأربطة بلاستيكية تشق الجلد، وتعصيب الأعين، والتكديس في شاحنات مغلقة تضم ما بين 150 و200 أسير، فيما وصفه أحدهم بأنه أقرب إلى النقل إلى “مقصلة جماعية” منه إلى سجن.
في سديه تيمان، تكررت ثلاثة مشاهد قاسية في إفاداتهم. أولها الطابور إلى الحمّام، حيث يقف الأسرى أمام صندوق بلاستيكي مكشوف بلا ستار أو ماء كاف، تحت رقابة الجنود وشتائمهم وضربهم، ومن لا يحتمل الانتظار أو لا يستطيع الحركة بسبب القيود يُجبر على التبوّل في مكانه. وثانيها “التابوت الحديدي” الذي تحدث عنه عماد، وهو قفص ضيق يُقيّد فيه الأسير من يديه وقدميه ويُغطى رأسه بالكامل، ولا تدخل إليه سوى أنابيب تحمل قليلًا من سائل يسمّى طعامًا. داخل هذا الحيز، يتحول الزمن إلى عذاب خالص، ويبدأ الجسد بالتورم والتقرح تحت القيود والجوع والبرد. أما المشهد الثالث فهو الاقتحامات المفاجئة والضرب والكلاب البوليسية، حيث تُقتحم البركسات بلا سبب واضح، وتُطلق الكلاب على الأسرى، ويُنهال عليهم الجنود بالعصي والأيدي والأقدام، في عقاب جماعي يكفي لتحريكه أن يطلب أحدهم ماءً أو دواءً.
وتتسق هذه الإفادات مع ما رواه أمين بركة عن أربعة عشر يومًا أمضاها في المعسكر، وصفها بأنها “جحيم بلا ملامح”، حيث كان الأسرى مقيّدي اليدين والقدمين على مدار الساعة، معصوبي الأعين، محرومين من الطعام الكافي والماء والعلاج، فيما يُتاح الماء لدقيقة واحدة يوميًا داخل حمام واحد يخدم مئات الأسرى. ويقول إنه شهد موت أسرى بسبب الإهمال الطبي المتعمد وآخرين قضوا أثناء التعذيب، دون أن يُسمح لأحد بإبداء أي رد فعل، مضيفًا أن “الموت كان عاديًا بالنسبة للسجان”. هذه العبارة لا ينبغي قراءتها بوصفها انفعالًا شخصيًا، بل بوصفها وصفًا لبيئة احتجاز جرى فيها تطبيع الإيذاء حتى الموت.
التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، حين يصبح الألم سياسة يومية
لم تعد الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية خلال هذه المرحلة تُفهم بوصفها حوادث فردية معزولة، بل تشير التقارير والشهادات إلى وجود نمط متكرر من الممارسات القاسية. فقد خلصت تقارير حقوقية متقاطعة إلى أن التعذيب والمعاملة القاسية والإذلال باتت جزءًا بنيويًا من منظومة الاحتجاز.
وتتكاثر داخل هذا النمط صور التعذيب الجسدي بصورة تكاد تكون ثابتة، من الضرب المبرح، إلى الحرق بالسجائر والسوائل الساخنة، إلى الصعق الكهربائي، والشبح، والاعتداء بواسطة الكلاب البوليسية، والركل المتعمد على مناطق حساسة من الجسد.
وفي هذا السياق، وثّقت شهادات ميدانية حديثة أنماطًا شديدة الخطورة من العنف الجنسي، شملت الاغتصاب الفردي والجماعي، والاعتداء باستخدام أدوات صلبة كالعصي أو القضبان، وإدخال أجسام في فتحات حساسة من الجسد، إلى جانب الاعتداء بواسطة الكلاب المدربة، والتعرية القسرية المصحوبة بالتصوير والسخرية والضرب. كما تضمنت هذه الشهادات ممارسات مثل الضغط العنيف على الأعضاء التناسلية، ومحاولات إدخال أجسام في مجرى البول، وما نتج عنها من إصابات جسدية خطيرة ودائمة، وصلت في بعض الحالات إلى فقدان أحد الأعضاء نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي اللاحق.
ويأخذ التجويع مكانه داخل هذه المنظومة بوصفه أداة مستقلة للعقاب، حيث توصف الوجبات بأنها لا تكفي الحد الأدنى من الاحتياجات الجسدية، مع فواصل زمنية طويلة تدفع الأسرى إلى حالة إنهاك مستمر، فيما يُستخدم الطعام أحيانًا كوسيلة ابتزاز.
أما الإهمال الطبي، فيظهر كمسار موازٍ لا يقل خطورة، حيث يُحرم المعتقلون من العلاج، وتُترك الإصابات لتتفاقم، وتُسجّل حالات وفاة نتيجة التأخير أو الامتناع المتعمد عن تقديم الرعاية، ما يجعل من هذه الممارسات مجتمعة بنية واحدة تؤدي إلى الإعدام البطيء أو الموت المباشر
العنف الجنسي والتعرية القسرية، الإذلال بوصفه أداة حرب
يشكل ملف العنف الجنسي أحد أبشع فصول الانتهاكات الموثقة في هذه المرحلة. وقد أشارت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، في أكثر من إحاطة وتصريح وتقارير صادرة خلال عامي 2024 و2025، إلى وجود أدلة وشهادات متقاطعة تتعلق بأنماط من العنف الجنسي والمعاملة المهينة التي تعرّض لها معتقلون فلسطينيون. كما أن المادة الحقوقية الحديثة الخاصة بمراكز الاحتجاز الإسرائيلية بعد الحرب لم تعد تتحدث عن وقائع مبعثرة، بل عن استخدام واسع لأشكال من الإذلال الجنسي والاعتداء الجنسي بوصفها أدوات مقصودة لكسر الإرادة الفردية والجماعية وإلحاق ضرر جسدي ونفسي بالغ بالمحتجزين.
وتدل الشهادات، على أن التعرية القسرية لم تكن مجرد إجراء تفتيشي، بل جزءًا من هندسة الإذلال، وغالبًا ما اقترنت بتهديدات بالاغتصاب أو الإيذاء الجنسي أو بإجبار المعتقلين على أوضاع مهينة تمس الكرامة بصورة قصوى. وفي بعض التقارير، ورد الحديث عن اعتداءات مباشرة، واعتداءات باستخدام أدوات، وحضور جماعي لعناصر القوة أثناء ارتكاب الانتهاك أو التهديد به، بما يعزز قرينة الطابع المؤسسي لهذه الجرائم، ويخرجها من نطاق السلوك الفردي المنفلت إلى نطاق أوسع من التمكين والقبول.
في شهادة أسماء شتات، يحضر التفتيش العاري الكامل لحظة دخول الدامون كجزء من صدمة الاعتقال نفسها، فيما تتحدث شهادات أخرى عن تفتيش عارٍ جماعي للأسيرات في هشارون. وفي شهادات الرجال، من مستشفى العودة والشفاء والمدارس ومراكز الإيواء، تتكرر التعرية القسرية في العلن، أحيانًا أمام النساء والأطفال أو أمام مجموعات من المعتقلين، بما يجعلها عقابًا رمزيًا وجسديًا معًا. ويُظهر تكرار هذه الوقائع في أكثر من مكان أن الغاية لم تكن فقط التجريد من أي جسم قد يُستخدم في المقاومة أو الهرب، بل تحطيم صورة الإنسان أمام نفسه وأمام الآخرين.
وما يميز هذه الأفعال، من منظور قانوني، أنها لا تقع في خانة الإهانة الأخلاقية العامة فقط، بل قد ترتقي، بحسب طبيعتها وشدتها وسياقها، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولا سيما حين تأتي ضمن هجوم واسع أو منهجي على فئة مدنية محتجزة. كما أن بعض التقارير الحقوقية ذهبت أبعد من ذلك، حين ربطت العنف الجنسي والتعذيب الموجّه للأعضاء التناسلية بآثار جسدية ونفسية قد تمس القدرة الإنجابية أو الاستقرار الجسدي طويل الأمد، بما يمنح هذا الملف أبعادًا أخطر في التكييف القانوني.
الاعتقال الإداري والمقاتل غير الشرعي”، حين يُعاد تشكيل القانون كأداة قمع
في الحالة الفلسطينية، لا يعمل القانون الإسرائيلي بوصفه أداة تنظيم أو عدالة، بل كثيرًا ما يُستخدم باعتباره امتدادًا للبنية الاستعمارية نفسها. ويظهر ذلك بوضوح في الاعتقال الإداري، الذي يتيح للسلطات الإسرائيلية احتجاز الفلسطيني لأشهر متتالية قابلة للتجديد دون توجيه تهمة، ودون تمكينه أو تمكين محاميه من الاطلاع على ما يسمى “الملف السري”. ومع وصول عدد المعتقلين الإداريين إلى 3498 حتى مطلع أبريل 2026، من بينهم أطفال ونساء، يبدو هذا المسار وقد تحوّل من تدبير استثنائي تدّعيه السلطة القائمة بالاحتلال إلى سياسة جماعية تُستخدم على نطاق واسع.
أما في قطاع غزة، فإن قانون “المقاتل غير الشرعي”، الصادر عام 2002 والمُعدّل بعد السابع من أكتوبر 2023، سمح لإسرائيل باحتجاز المدنيين لفترات طويلة من دون مذكرة اعتقال، ومن دون تمكينهم من طعن فعّال أو وصول سريع إلى محامين، ومن دون الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة. وقد أسهم هذا الإطار القانوني، مقترنًا بمنع الزيارات وحجب أماكن الاحتجاز وتأخير اللقاء بالمحامي أو منعه، في تحويل عدد كبير من معتقلي غزة إلى محتجزين خارج السجل القانوني الطبيعي، بما يحقق عمليًا عناصر الإخفاء القسري في كثير من الحالات.
من التشريع إلى التحصين، كيف حاولت إسرائيل شرعنة الجريمة
لم تتوقف إسرائيل عند توسيع الانتهاكات في الواقع العملي، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر سنّ قوانين وتعديلات تمنح هذه الانتهاكات غطاءً قانونيًا، أو توفّر لمرتكبيها مجالًا أوسع للحركة والحصانة. ويبرز هنا قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي أقرّه الكنيست في 30 مارس 2026 بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48، بوصفه أخطر التحولات التشريعية في هذا الملف خلال السنوات الأخيرة. فهذا القانون لا يوسّع فقط نطاق العقوبة القصوى، بل يفعل ذلك في سياق سياسي وعنصري صريح يستهدف الفلسطينيين باعتبارهم جماعة قومية محددة، ويمنح القضاء العسكري والأمني أداة إضافية لتحويل المحاكمة إلى مسار قد ينتهي بالقتل المشرعن.
ويتكامل هذا القانون مع تعديلات قانون “المقاتل غير الشرعي”، ومع قوانين سابقة مثل قانون التغذية القسرية، والإعفاء من توثيق بعض جلسات التحقيق. وما يجمع هذه النصوص ليس فقط أنها جائرة، بل أنها تكشف إرادة سياسية واضحة لتحويل القمع من ممارسة قابلة للإنكار إلى سياسة قابلة للتشريع.
المرجعية القانونية الدولية، ما الذي يجعل هذه الأفعال جرائم مكتملة الأركان
تتعارض الوقائع الموثقة في هذا التقرير مع جملة واضحة من القواعد الآمرة في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي. فاتفاقيتا جنيف الثالثة والرابعة تلزمان القوة القائمة بالاحتلال بمعاملة الأسرى والمعتقلين معاملة إنسانية، وتحظران التعذيب والمعاملة القاسية والإهانة والاحتجاز التعسفي وحرمان المحتجزين من الرعاية الطبية والاتصال بالعالم الخارجي ضمن الضوابط المقررة. كما تلزم القواعد الدولية بتمكين هيئات الرقابة، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من الوصول إلى المحتجزين.
أما اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، فهي لا تكتفي بتحريم التعذيب، بل تفرض على الدول واجب التحقيق فيه ومساءلة مرتكبيه، وعدم التذرع بأي ظرف استثنائي لتبريره. ويزداد الأمر وضوحًا عند النظر إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يصنّف التعذيب الممنهج، والعنف الجنسي، والاختفاء القسري، والحرمان الجسيم من المحاكمة العادلة، والإضرار العمدي الشديد بالصحة، عندما تُرتكب على نطاق واسع أو بصورة منهجية، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحسب طبيعة الفعل والسياق.
كما أن ما وثقته التقارير الحديثة بشأن بيئة الاحتجاز، بما في ذلك العزل المطلق، وحرمان المحتجزين من الرقابة الدولية، والتستر على الأفعال أو إخفاء الفاعلين، يطرح مسألة أوسع من مجرد وقوع الانتهاك، وهي مسؤولية البنى التي أتاحت وقوعه واستمراره. فحين تتداخل الإدارة العسكرية، والمنظومة التشريعية، وبعض أوجه التمكين الطبي، والحماية القضائية أو ضعف المساءلة، فإن المسؤولية لا تعود حصرًا على المنفذ المباشر، بل تمتد على طول السلسلة المؤسسية التي صاغت البيئة أو وفرت الغطاء أو عطلت المحاسبة.
وفي ملف الأسيرات تحديدًا، تكتسب الإحالة القانونية أهمية إضافية، لأن ما وثقته الشهادات من تفتيش عارٍ، وتهديد بالعنف الجنسي، وتبريد قسري، واحتجاز في ظروف تفتقر للحد الأدنى من الخصوصية والرعاية الصحية، يتعارض أيضًا مع قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، وقواعد بانكوك الخاصة بمعاملة النساء السجينات، ومع واجب الإشراف النسائي المباشر على النساء المحتجزات. كما أن المادة الأولى المشتركة في اتفاقيات جنيف تلزم جميع الدول الأطراف ليس فقط باحترام هذه الاتفاقيات، بل بكفالة احترامها في جميع الأحوال، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية لا أخلاقية فقط.
العالم الذي وثّق ولم يردع
على مدار الفترة التي يغطيها هذا التقرير، تراكمت مواقف وتقارير صادرة عن جهات دولية وحقوقية ذات وزن معتبر وثّقت جوانب واسعة من الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين. فقد أشارت منظمة العفو الدولية في يوليو 2024 إلى احتجاز آلاف الفلسطينيين بلا تهم بموجب قانون “المقاتل غير الشرعي”، وربطت ذلك بشهادات واسعة عن التعذيب وسوء المعاملة. وفي أغسطس 2024، خصصت هيومن رايتس ووتش تقريرًا لتعذيب العاملين الصحيين الفلسطينيين داخل الاحتجاز. كما تحدثت فرانشيسكا ألبانيزي عن وجود أدلة موثقة على تعذيب الأسرى ومزاعم خطيرة حول العنف الجنسي. وسجلت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان أنماطًا متكررة من الاعتقال والانتهاكات المرتبطة به، فيما قدمت بتسيلم في يناير 2026 أحد أكثر التوصيفات صراحة حين وصفت السجون الإسرائيلية بأنها شبكة من معسكرات التعذيب.
كما أن التقارير الحقوقية الحديثة ذهبت إلى ما هو أبعد من مجرد التوثيق، إذ كشفت عن عناصر بنيوية في الإفلات من العقاب. فقد أشارت بعض هذه التقارير إلى أن المنظومة القضائية الإسرائيلية لم تظهر مسارًا فعّالًا للمحاسبة في هذا الملف، بل بدا أنها في عدد من الحالات تُعيد توصيف الوقائع الجسيمة أو تتركها معلقة أو تغلقها في مستويات أدنى، بما يعزز الانطباع بأن مساءلة مرتكبي الانتهاكات بحق الفلسطينيين ليست أولوية حقيقية داخل النظام ذاته. هذا المعطى بالغ الأهمية، لأنه ينقل المشكلة من غياب الردع الدولي إلى وجود عجز أو عدم رغبة مؤسسية في المساءلة الوطنية الفعالة.
من الشهادة إلى المسؤولية
تخرج هذه الشهادات من السجون والمعسكرات محمولة على أجساد أنهكها التعذيب وعلى ذاكرة تثقلها أسماء الذين لم يخرجوا بعد. ليست قصص أسماء شتات، وإبراهيم فودة، ومحمد أبو طويلة، وأمين بركة، وعماد نبهان، ومصعب حمو، ومحمد قرموط، استثناءات فردية في هوامش الحرب، بل نماذج مكثفة لما واجهه آلاف الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023، اعتقالًا بلا ضمانات، وتعذيبًا متكررًا، وتجويعًا، وحرمانًا من العلاج، وإخفاء قسريًا، ومحاولات منظمة لكسر الكرامة والإرادة.
ومن هنا، فإن المسؤولية الحقوقية لا تقف عند حدود التعاطف أو التنديد. المطلوب اليوم هو الدفع نحو تحقيقات جنائية مستقلة وفعالة في جرائم التعذيب والعنف الجنسي والإخفاء القسري والقتل داخل الاحتجاز، وتمكين الآليات الأممية والمحكمة الجنائية الدولية من الوصول إلى الأدلة والشهادات والملفات ذات الصلة، وممارسة ضغط جاد لتمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى جميع أماكن الاحتجاز، بما فيها المعسكرات العسكرية ومرافق الاحتجاز السرية، وإلزام السلطات الإسرائيلية بالكشف عن أسماء جميع المعتقلين ومواقعهم وأوضاعهم الصحية.
كما تبدو الحاجة ملحّة، على المستوى الفلسطيني والعربي، إلى بناء منظومة أكثر تماسكًا في التوثيق والمتابعة، عبر دعم الدفاع القانوني عن الأسرى، وتوحيد قواعد البيانات المتعلقة بالمعتقلين والشهداء والمفقودين قسريًا، وتصنيف الشهادات وفق معايير القانون الجنائي الدولي بما يسهل استخدامها أمام الهيئات القضائية والحقوقية الدولية، وتوفير الدعم النفسي والصحي والقانوني للمحررين وذويهم، وإبقاء ملف الأسرى في صدارة العمل الدبلوماسي والإعلامي والحقوقي، لا في هوامشه الموسمية.
خلف الشمس أناس ينتظرون العدالة
خلف كل رقم في هذا التقرير حياة كاملة انكسرت أو عُلّقت أو أعيد تشكيلها بالقوة. خلف كل شهادة جدار سميك من الصمت المفروض، وصوت لم يصل إلى العالم إلا بعد أن مرّ عبر الخوف والألم والإذلال، والجوع والبرد والعتمة. وفي يوم الأسير الفلسطيني لعام 2026، لا يظهر ملف الأسرى بوصفه هامشًا من هوامش الحرب، بل كأحد أكثر وجوهها عريًا وقسوة، حيث تعمل معسكرات التعذيب، وتُحتجز الأجساد والأسماء، وتُنتزع الكرامة، وتُشرعن الجريمة بنصوص وقوانين وخطابات علنية.
ومع ذلك، فإن هذا التقرير لا يُكتب بوصفه مرثية، بل بوصفه وثيقة اتهام، ووثيقة تذكير، ووثيقة التزام. تذكير بأن الأسير الفلسطيني ليس رقمًا زائدًا في نشرات الأخبار، بل إنسان كامل الحقوق، وأن ما جرى له ليس قدرًا غامضًا، بل أفعالًا محددة ارتكبها فاعلون محددون وينبغي أن يُحاسَبوا عليها. وتؤكد مؤسسة العهد الدولية، من خلال هذا التقرير، مواصلة عملها الحقوقي والتوثيقي حتى يُكشف مصير كل مفقود، وتُوثّق شهادة كل ناجٍ، ويُحاسَب كل مرتكب، وتعود الحرية إلى من أريد لهم أن يبقوا خلف الشمس.
آخر التقارير
-
حين تتحول الزنازين إلى محطات أخيرة في حياة الأسرى...
31 مارس 2026 -
بيان صادر عن مؤسسة العهد حول استشهاد الأسير الصحفي...
28 مارس 2026 -
حين يُصبح الإعدام قانونا...
26 مارس 2026 -
بيان صادر عن مؤسسة العهد الدولية حول ما يسمى "قانو...
26 مارس 2026 -
الأسير المحرر محمد البكري: رمضان خلف أسوار السجن،...
24 مارس 2026 -
في عيد الأم.. أمهات خلف القضبان 39 أمًّا في سجون ا...
22 مارس 2026