كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين استيقظت أسماء شتات على صوت يشبه فتح جرّة غاز. رائحة حادة اخترقت الغرفة، وبدأ أطفالها الثلاثة يكحّون. محمد، ابنها ذو الثلاث سنوات، عنده أزمة في صدره. حملته وهي لا تستطيع هي الأخرى أن تتنفس. وحين رفعت رأسها، وجدت الغرفة تعجّ بأكثر من عشرين جندياً يرتدون كمامات واقية من الغاز الذي رموه على أطفال نائمين في دير البلح.
من تلك اللحظة بدأت رحلة اعتقال دامت قرابة عام كاملاً.
أسماء معلمة، 43 عاماً، أنجبت أطفالها الثلاثة بعد ثماني سنوات من العلاج الصعب. في الليلة التي اعتُقلت فيها، مدّ جندي يده وانتزع ابنها محمد من بين ذراعيها. حين طلبت قطعة قماش تستر بها شعرها، شدّها من شعرها وسحلها إلى الخارج. نزف أنفها وانكسر، وتركت ثلاثة أطفال لا تعرف إن كانوا أحياءً أم لا.
في هذا اليوم الذي يحتفل فيه العالم بالأم، تمضي 32 امرأة فلسطينية يومهن في سجن الدامون الإسرائيلي وراء جدران لا تعرف المناسبات. بينهن أمهات يتركن خلفهن 130 طفلاً.
الأرقام: ما وراء الأعداد
منذ السابع من أكتوبر 2023، وثّق نادي الأسير أكثر من 570 حالة اعتقال لنساء وفتيات من الضفة الغربية وحدها، فيما لا تزال أعداد الأسيرات من غزة غير محصورة بدقة وتُقدَّر بالعشرات.
وتُمارَس بحق أسيرات غزة سياسة الإخفاء القسري، إذ لا يُكشف عن هوياتهن أو أماكن احتجازهن، مما يعزز الشكوك حول وجود أسيرات أخريات مجهولة المصير.
وبين المحتجزات حالياً أسيرتان حاملان، إحداهن تدخل شهرها الثامن وتواجه وضعاً صحياً حرجاً، فضلاً عن أسيرة مصابة بالسرطان تحتاج رعاية طبية عاجلة في ظل سياسة الحرمان الممنهج من العلاج.
من مركز عسقلان إلى الدامون: رحلة أسماء شتات
بعد انتزاع ابنها من بين ذراعيها، نقلوا أسماء في ناقلة عسكرية مكبّلة من الخلف ودمها يسيل ووجهها يتورم. ساعتان في الطريق بين الجنود حتى وصلت إلى عسقلان. كان أول ما طلبته شيئاً يستر شعرها. وكان أول ما أخبرتها به السجانة عند بوابة الدامون لاحقاً: “بيتك مهدود.”
في مراكز التحقيق، وصفت أسماء الزنازين بأنها “قبور مثلّجة”: مساحة متران في متر، مرحاض طافح، فراشة رائحتها كريهة، وتكييف يرفعونه حتى تتجمد. لا نافذة ولا فتحة. لا تعرف الليل من النهار، ولا وقت الصلاة. “تيممت بالحجر الذي أجلس عليه وصليت بعيني خوفاً من ردة فعلهم.”
خضعت للتحقيق من ست إلى اثنتي عشرة ساعة يومياً لأربعة عشر يوماً متواصلة. جاء مشهد عيد الفطر وهي لا تزال في الزنزانة. أخبرها موزع الطعام بأن اليوم عيد. أمٌّ لا تعرف إن كان أطفالها أحياء أم ميتون، في يوم عيد، في قبر مثلّج.
عندما وصلت إلى الدامون، تعرّضت لتفتيش عاري كامل. وعرفت من رفيقاتها أن في سجن هشارون كان التفتيش العاري جماعياً، يُجبَر فيه الأسيرات على النظر إلى بعضهن. جلست في الدامون وكل تفكيرها في ولادها. بعد أشهر وعبر محامية، وصلها الخبر: أطفالها أحياء. “كانت هذه أحلى لحظة قضيتها في السجن.”
شهادات من الداخل
الدكتورة انتصار عواودة، محاضِرة في جامعة الخليل، اعتُقلت فجر الثالث عشر من مايو 2025. استولوا على هاتفها وحاسوبها، عصّبوا يديها وعينيها، ونقلوها إلى مركز المسكوبية حيث مكثت اثنين وعشرين يوماً في ظلام خافت بلا نوافذ وبماء غير صالح للشرب.
تصف عواودة الدامون: “لا توجد تهوية طبيعية، ولا أدوات تنظيف شخصية. معظم الأسيرات يعانين حكةً في الجلد من شدة التعرق والرطوبة. أغلبنا تعاني نقصاً في فيتامين د وتساقطاً في الشعر.” وتصارع اليوم مشكلات في القلب والعمود الفقري دون رعاية طبية مناسبة.
ويصف المحامي حسن عبادي معاناة الأسيرات في سجون الاحتلال: "دعسوا على أسيرات، مجاعة، قمع، إذلال، ظروف مأساوية تعيشها الاسيرات، يقول: الوضع باختصار أنني سمعت أشياء تقشعر لها الأبدان.
سياسة ممنهجة: ليس استثناءً
يبيّن نادي الأسير أن الانتهاكات بحق الأسيرات تبدأ منذ لحظة الاعتقال، مروراً بفترة التحقيق، ثم نقلهن إلى سجن هشارون كمحطة مؤقتة، وصولاً إلى احتجازهن في الدامون.
وحذّر مكتب إعلام الأسرى من أوضاع إنسانية مأساوية تعيشها الأسيرات وسط تصاعد في الانتهاكات والإذلال والتجويع المتعمد.
ما رسمته أسماء شتات في شهادتها يتقاطع حرفياً مع ما وثّقته هيئة شؤون الأسرى ومحامون زاروا الدامون: الغاز على الأطفال النائمين، الزنازين المثلّجة، التحقيق بالتهديد بالعنف الجنسي، والتوقيع على أوراق بالعبرية لا تُقرأ. منظومة كاملة لا حوادث فردية.
موقف مؤسسة العهد الدولية: الإطار القانوني والمطالب
في هذا اليوم تحديداً، تؤكد مؤسسة العهد الدولية أن ما يُمارَس بحق الأسيرات الفلسطينيات يُشكّل خرقاً صريحاً لمنظومة القانون الدولي الإنساني، وتحديداً:
اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر التعذيب والمعاملة المهينة وتشترط الإشراف النسائي المباشر على النساء المحتجزات. واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، التي تُجرّم الإيذاء الجسدي والنفسي المتعمد بما يشمل أساليب الحبس الانفرادي والتبريد القسري والتهديد بالعنف الجنسي الموثقة في الشهادات. وقواعد مانديلا الأممية، التي تحدد الحد الأدنى لمعايير الاحتجاز الإنساني من رعاية صحية وتهوية وتواصل عائلي، وهي معايير تغيب كلياً عن واقع الدامون.
وترى عضو فريق فلسطين القانوني في محكمة العدل الدولية السفيرة نميرة نجم أن ممارسات التعذيب والمعاملة غير الإنسانية والاعتداء على الكرامة تقع ضمن جرائم الحرب وفق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف، وأن هذه الوثائق قابلة للتوظيف أمام المحاكم الدولية المختصة.
على هذا الأساس، تُطالب مؤسسة العهد الدولية بالإفراج العاجل عن جميع الأمهات المحتجزات ووقف سياسة الحرمان من الزيارة العائلية، وبفتح تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات الموثقة، وبمطالبة الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف بتفعيل التزاماتها بموجب المادة الأولى المشتركة التي تُلزمها بكفالة احترام الاتفاقيات في جميع الأحوال. وتؤكد المؤسسة أن صمت المجتمع الدولي عن هذه الجرائم ليس حياداً، بل هو تواطؤ.
جنى ابنة أيماء شتات، التي كانت مكبّلة بالكلبشات على الحائط تلك الليلة في دير البلح، قالت لأمها بعد عودتها: “ياما، أتمنى أنهم يطخوني أنا أول واحدة عشان ما أشوفش إخوتي.”
طفلة تتمنى أن تُقتل أولاً حتى لا ترى.
في هذا اليوم الذي يحتفل فيه العالم بالأمومة، يجلس 130 طفلاً فلسطينياً في بيوت ناقصة. وتجلس أمهات خلف قضبان الدامون على جبل الكرمل، لا يعرفن أوقات الصلاة لأن الساعة ممنوعة، ولا يرين الشمس لأن الكاميرات تمنعهن من خلع الحجاب في الساحة.
الأمومة حق إنساني لا تسقطه القضبان. وما يتعرض له هؤلاء النساء ليس ظرفاً استثنائياً، بل سياسة موثقة تستهدف المرأة بوصفها ركيزة المجتمع وقلب الأسرة الفلسطينية.
والسؤال الذي يظل معلقاً في وجه كل بيان دولي وكل احتفالية: متى يُحتسب انتزاع الأم من أطفالها بالغاز والكلبشات جريمةً كافية لتحريك ضمير العالم؟
مواد مشابهة
حرية تحت الركام
تتزايد شهادات الأسرى المحررين من قطاع غزة حول ما تصفه مؤسسات حقوقية بامتداد آثار الاعتقال إلى ما بعد الإفراج،...
في ذكرى النكبة... ما زالت نكبات الأسرى تتوالى
تأتي هذه الذكرى والحركة الأسيرة تعيش " المرحلة الأكثر دموية وقسوة " منذ عام 1967، حيث تحولت السجون إلى ساحات م...
الحرية التي وصلت متأخرة
خرج الدكتور محمد حميد أبو موسى من السجن بجسدٍ منهك… لكنه لم يكن يعلم أن الوجع الحقيقي ينتظره خارجه. سأل فور وص...