على درب لقمة العيش تفقد الخطى، فعلى هذا الدرب تحديدًا دُثّرت آثار من انتظر تلك الشاحنات التي تحمل الدّقيق، علّ النصيب حليف أمعائهم الخاوية، فيسد به جوعًا أُشبعوا به كما كل ثابت في الشمال. ما بين موت وحياة خُطّ مصيرهم الذي لا نعلمه! أقتلوا خلال تدافعهم على تلك الشاحنات فاختلط الدّقيق بالدّم؟ أم قُتلوا برصاصات غدر من الجيش الإسرائيلي؟
تعمّدت إسرائيل استهداف منتظري المساعدات على مفترقي الكويت والنّابلسي جنوبي مدينة غزّة، ما أدّى إلى مقتل وفقدان وإصابة المئات منهم.
أصل الحكاية:
في مشهد مأساوي هزّ الضمير الإنساني، تحولت رحلة البحث عن لقمة العيش إلى مذبحة في شمال قطاع غزة. عشرات الفلسطينيين الأبرياء لقوا حتفهم وهم ينتظرون مساعدات غذائية، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل جرائم الاحتلال الإسرائيلي.
بعد 48 ساعة من بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف قالانت قراره بمنع دخول "الغذاء والماء والوقود إلى القطاع"، ليشكل هذا القرار اللحظة الفعلية التي بدأ فيها الاحتلال فرض حصاره التجويعي على قطاع غزة. كما أغلقت إسرائيل جميع المعابر مع قطاع غزة الذي كان يدخله يوميًا 600 شاحنة عبر معبر كرم أبو سالم، وظلت المساعدات الإنسانية التي تدفقت إلى مطار العريش المصري محتجزة لـ 15 يومًا كاملة، قبل التوصل إلى اتفاق أميركي مصري إسرائيلي لإدخالها بكميات لا تلبي 1٪ من احتياجات القطاع في الوضع الطبيعي.
ثم بدأ الجيش الإسرائيلي اجتياحه البري لشمال قطاع غزة في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد أيام من السماح بالدخول المقنّن للمساعدات، واقتصارها على خان يونس جنوبي قطاع غزة، ما أدى لانسحاب المؤسسات والمنظمات الدولية من شمال قطاع غزة، وتركت أكثر من مليون مواطن تحت سطوة آلة الحرب الإسرائيلية.
شمال القطاع لقمة سائغة لجنون الجيش:
أدت القيود المشددة التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى نفاد كل شيء من الأسواق وارتفاع أسعارها، وبسببها "نهشت" المجاعة أجساد زهاء مليوني فلسطيني من السكان والنازحين في جنوب القطاع.
وبعد تعذر دخول المساعدات للقطاع وبخاصة الشمال، لوح شبح المجاعة في الأفق، وتعالت أصوات التحذيرات من خطورة الوضع المأساوي الذي هدد حياة أكثر من 700 ألف فلسطيني في شمال غزة. تصاعدت النداءات الدولية من أجل السماح بدخول المزيد من المساعدات، لمدينة غزة والشمال، خاصة بعد تسجيل حالات وفاة بين الأطفال بسبب سوء التغذية، بحسب مسؤولين في وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
في الأسابيع الأولى، استنفد شمال القطاع مخزون بيوته ومحاله التجارية من المواد الغذائية، ولجأ المواطنون إلى البحث في البيوت المدمرة أو الخالية من السكان عن المعلبات أو المجمدات. يروي بعض السكان كيف أنهم اضطروا إلى خلع أبواب المحال التجارية التي هجرها أصحابها بحثًا عما يسدّ جوعهم وأفراد أسرهم، بعد نفاد مخزون الطعام لديهم.
كان المواطنون يتحينون الفرص بحثًا عن خبر هدنة أو أي فرصة سانحة لدخول البضائع حتى اختارت إسرائيل نقطتين لعبور شاحنات المساعدات مع اضمارها أن توقع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف المواطنين العزل.
دوار النابلسي ودوار الكويت النقطتين الشاهدتين على أبشع جرائم ارتكبت في حق الإنسانية ووثقت بالصوت والصورة، إذ أظهرت العديد من المواد المصورة قيام الجيش باستهداف المواطنين العزل على نقطتي النابلسي والكويت بشكل مباشر وبطرق شتى ما بين إطلاق نار من الجنود أو إطلاق قذائف الدبابات أو حتى من خلال الطائرات بدون طيار.
ردود فعل رسمية وأهلية على الفاجعة:
يصف الناطق باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، رائد النمس، ما حدث في غزة بـ"المجاعة الحقيقية"، وأن ما قام به الاحتلال الإسرائيلي بحق الآلاف من الفلسطينيين جريمة حرب تتوجب المحاسبة الدولية، خاصة مع انتشار الجوع وتفشي الأمراض، وأن ما يدخل إلى غزة وشمالها من مساعدات إنسانية شحيح جدًا ويتعرض للقصف والاستهداف الإسرائيليين، وأن الطواقم الإغاثية العاملة في القطاع استُهدفت بشكل متعمّد للحيلولة دون إيصال المساعدات للسكان. استُشهد 104 أشخاص وأصيب أكثر من 700 آخرين، في مجزرة "النابلسي" بقطاع غزة بعدما قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي تجمعًا لمواطنين ينتظرون الحصول على الطحين ومساعدات إنسانية، وهو ما أعلنه مكتب الإعلام الحكومي في غزة. وقال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن أكثر من 60 شهيدًا و160 إصابة، عدد منها بحالة حرجة، في مجزرة جديدة ارتكبها جيش الاحتلال بحق مدنيين فلسطينيين تجمعوا للحصول على إمدادات إنسانية قرب دوار الكويت بمدينة غزة.
الجيش الإسرائيلي تنصل من الحادثة، حيث قال المتحدث باسم الجيش دانيال هاغاري إن "حشودًا فلسطينية اعترضوا الشاحنات ونهبوها، مما تسبب في مقتل العشرات نتيجة الازدحام الشديد والدهس، وبعد ذلك شعر جنودنا بخطر على سلامتهم فأطلقوا النار، كانت قواتنا توجد في المكان لتأمين القوافل وحمايتها".
ومن جانبه، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، أن الجيش الإسرائيلي هو المسؤول عن الحادثة وليس تدافع الناس، ويقول "زار فريقنا مستشفى الشفاء في شمال غزة، وعاين عددًا كبيرًا من الجروح الناجمة عن أعيرة نارية في حادثة مجزرة الطحين".
من جانبها، تقول المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي "رواية إسرائيل في شأن حادثة الطحين غير صحيحة، معظمهم سقطوا نتيجة أعيرة نارية وليس التزاحم".
سيندي ماكين، المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، قالت "إن الناس في غزة يتضورون جوعًا حتى الموت الآن. إن السرعة التي انتشرت بها أزمة الجوع وسوء التغذية - التي هي من صنع البشر – في غزة أمر مرعب". وحذرت من عدم وجود سوى نافذة صغيرة للغاية لمنع حدوث مجاعة كاملة. وقالت إن ذلك يتطلب الوصول الفوري والكامل إلى شمال غزة، "إذا انتظرنا حتى يتم إعلان المجاعة، فسيكون الأوان قد فات، وسيموت آلاف آخرون".
شهادات على المجزرة:
في مقابلات وثقتها مؤسسة العهد الدولية، يروي بعض الناجين مشاهد أقرب للخيال، لكن الفاجعة كانت أشد مما يتخيل. في معرض حديثه، يقول محمد مدوخ: "خرجت برفقة إخوتي وجيراني من بيتهم في مدينة غزة إلى شارع الرشيد الذي يحاذي البحر تمام الساعة العاشرة مساءً للمبيت هناك وانتظار دخول شاحنات المساعدات الغذائية المحملة بأكياس الطحين. ما إن وصلنا مشيًا على الأقدام إلى دوار النابلسي، وهو المكان الذي تقف عنده شاحنات المساعدات الإنسانية المسموح لها بالمرور من جنوب القطاع إلى شمال غزة، وجدنا عشرات الآلاف من السكان الجائعين ينتظرون مثلنا المعونات ويأملون أن تحوي أكياسًا من الدقيق. كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، عندما وصلنا إلى مكان توقف الشاحنات، وهناك وجدنا ثلاث دبابات إسرائيلية متمركزة في المكان، وسمعنا وشاهدنا الطائرات المسيرة من نوع "كواد كابتر" التي تحلق على مستوى منخفض. كنت مترددًا بعد رؤيتي الدبابات والمسيرات، ولكن الجوع هو الذي دفعني إلى الذهاب والبقاء منتظرًا دخول الشاحنات.
عند الساعة الثالثة والنصف فجرًا، وصلت قافلة المساعدات الإنسانية. تقدمت دبابة وتوقفت أمام الشاحنة وأخذت تسير ببطء شديد وخلفها تتحرك القافلة، وبعيدًا تقف دبابتان توجهان مدفعيتهما نحو الأشخاص. اعتلينا بسرعة الشاحنة الأولى التي كانت مكدسة بأكياس الطحين بوزن 25 كيلوغرامًا، فيما كانت الدبابة ما زالت تقف، ولم يعرها أي شخص اهتمام، وكان الجميع يحاول الحصول على الدقيق. عند الرابعة فجرًا، انقلب المشهد حيث أطلقت الدبابة التي تقف أمام شاحنة المساعدات الإنسانية رصاصًا على الجميع. سمعنا صوت أعيرة نارية من القناصة وطائرات الكواد كابتر تركز على الأشخاص الذين اعتلوا شاحنة المساعدات وكانوا يعملون على إنزال أكياس الطحين.
وفي رواية أخرى على الفقد، ودّع علي البالغ من العمر ١٥ عامًا عائلته وخرج قاصدًا دوار الكويتي الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، لينتظر مع جيرانه وأقاربه وأصدقائه شاحنات المساعدات التي تحمل الدقيق، عله يتمكن من الحصول على بعض منه ليسد به رمق عائلته الذين كانوا يتضورون جوعًا كما كل أهالي شمال القطاع.
تروي والدته إيمان القصاص: "علي باسم حمد الطائي، مواليد العاشر من نوفمبر لعام ٢٠٠٨، من سكان غزة الزيتون، اختفت آثاره وكأنه تبخر في يوم ١٤ من مارس عام ٢٠٢٤." تسترسل الأم حديثها وتقول: "أريد فقط معرفة مصير ابني، هل هو على قيد الحياة أم معتقل في سجون الاحتلال؟"
ذهبوا جوعى وعادوا شهداء محمولين على شاحنات أعدت لنقل مساعدات غذائية انتظروها بالساعات لسد جوعهم. كانت أحلامهم أن يعودوا بطحين يأكلونه بدلًا من علف الحيوانات وأوراق الصبار، لكن نيران الاحتلال اخترقت الأمعاء الخاوية.
مجزرتا دوار النابلسي والكويت في مدينة غزة، جرائم تضاف إلى سجل الاحتلال العامر بالمجازر، والتي أسفرت عن ارتقاء المئات من الشهداء والآلاف من المصابين، إضافة إلى العديد من المفقودين. وهي واحدة من أشكال جرائم الإبادة التي يمارسها الاحتلال بحق المدنيين في إطار حرب التجويع الإسرائيلية
مواد مشابهة
أجنة خلف القضبان:ثلاث أسيرات حوامل يواجهن الجوع والقمع في سج...
تحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من ناب...
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي: من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...