الاثنين 18 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الشيخ الذي لم يغادر السجن حسام حرب… سيرة عمر مؤجَّل خلف الاعتقال الإداري

20 يناير 2026 قراءة 4 دقيقة

لا يُقاس عمر بعض الرجال بعدد السنوات التي عاشوها خارج السجن، بل بعدد المرات التي عادوا فيها إليه. الشيخ حسام حرب، أحد رجال الإصلاح في محافظة سلفيت، هو واحد من هؤلاء الذين تحوّل الاعتقال في حياتهم من حدث استثنائي إلى حالة دائمة، ومن طارئ أمني إلى نمط وجودي، حتى بات اسمه مرتبطًا تلقائيًا بالاعتقال الإداري، دون تهمة، ودون محاكمة، ودون أفق.

رجل الإصلاح الذي اعتُبر خطرًا دائمًا

في محافظة سلفيت، يُعرف الشيخ حسام حرب بوصفه شخصية اجتماعية وإصلاحية، لا تكاد تمر سنة دون أن تطاله فيها يد الاعتقال. توصيف واحد ظل يرافقه في قرارات الاعتقال المتعاقبة: “خطر على أمن المنطقة”. توصيف فضفاض، بلا وقائع، وبلا لائحة اتهام، لكنه كان كافيًا ليقوده مرارًا إلى الزنازين.

زوجته، أم حسان، لا تتذكر عدد الاعتقالات. تقول إن الذاكرة عجزت عن العد، لأن الغياب كان أطول من الحضور، ولأن أبناءه كبروا وهو ينتقل من سجن إلى آخر، حتى باتت السجون هي المكان الأكثر ثباتًا في حياته.

سيرة رجل وسيرة سجن

وُلد الشيخ حسام أنيس يوسف حرب في قرية إسكاكا قضاء سلفيت، في الثالث عشر من أيلول عام 1960. أنهى دراسته الثانوية في قريته، ثم غادر إلى الهند عام 1980 لدراسة التحاليل الطبية. هناك، لم يكن طالب علم فقط، بل واصل نشاطه الدعوي والوعظي، كما تربى في مساجد قريته.

لكن الرحلة لم تكتمل. قبل عام واحد من التخرج، اعتقلته الأجهزة الأمنية الهندية، ثم أبعدته إلى الأردن، ليعود بعدها مباشرة إلى فلسطين. ثلاث سنوات دراسية ضاعت دفعة واحدة، لتبدأ مسيرة أخرى أكثر قسوة.

بعد عودته، التحق بكلية الدعوة في قلقيلية، ودرس الشريعة والوعظ والإرشاد، وحصل على شهادته الجامعية. بدا كأن مساره قد استقر أخيرًا، لكن الاحتلال كان قد رسم له طريقًا مختلفًا.

الاعتقال الأول وبداية المسار الطويل

في الرابع من كانون الثاني عام 1991، اعتُقل الشيخ حسام للمرة الأولى لدى سلطات الاحتلال. أمضى أكثر من تسعة عشر شهرًا في الأسر، خرج بعدها ليعود إلى منابره ومساجد سلفيت، خطيبًا وواعظًا، يحث الناس على الالتزام ويعلّمهم شؤون دينهم وحياتهم.

لم تمضِ سوى عامين حتى أعيد اعتقاله. تكررت الاعتقالات تسع مرات، قضى خلالها ما يزيد على ثماني سنوات متنقلًا بين سجون الاحتلال، في محاولة واضحة لتغييبه عن مجتمعه، وكسر أثره الاجتماعي والدعوي.

الأسرة حين يصبح الغياب نمط حياة

تزوج الشيخ حسام ورُزق بسبعة أبناء وبنات: أربعة أولاد وثلاث بنات. لم يعش معهم حياة مستقرة؛ كان حاضرًا بالاسم، وغائبًا بالجسد. في الرابع من حزيران عام 2013، أُعيد اعتقاله مجددًا، ليبدأ فصلًا أكثر قسوة: الاعتقال الإداري المتجدد.

منذ ذلك الحين، تُمدَّد أوامر اعتقاله كل ثلاثة أشهر، ثم ثلاثة أخرى، دون تهمة أو محاكمة. حتى اليوم، أمضى ما يقارب ثمانية عشر عامًا من عمره في السجون.

الصحة تحت القيد

يبلغ الشيخ حسام اليوم 66 عامًا. وضعه الصحي صعب، يعاني من مشاكل في الصدر ونوبات تشبه الأزمات التنفسية، ويحتاج إلى بخاخ بشكل دائم. يوم اعتقاله، أبلغه الجنود أنه لا يحتاج إلى طعام أو دواء، وأن كل شيء “سيُؤمَّن له هناك”. لكن في السجن، حُرم حتى من البخاخ.

بعد الحرب الأخيرة، تغيّرت أوضاع السجون بشكل جذري. وفق زوجته، تفاقمت الانتهاكات: سوء تغذية، ضرب وقمع، انتشار مرض الجرب بين الأسرى، وانعدام شبه كامل للأخبار. لا يصلهم أي خبر إلا نادرًا، وغالبًا عبر أسرى محررين من سجن جلبوع. قبل شهر ونصف فقط، وصلهم سلام مقتضب، يفيد بأنه بخير نسبيًا.

لم يقتصر العقاب على الشيخ الأسير. تم قطع راتبه بالكامل، ما ترك العائلة بلا أي مصدر دخل. أبناؤه لكل واحد منهم بيته ومسؤولياته، وكانت الأسرة تعتمد على هذا الراتب لتسيير شؤون الحياة.

تروي زوجته أنها عندما ذهبت إلى البريد، قيل لها إنه لا يوجد أي مبلغ. راجعت هيئة شؤون الأسرى، وعند البحث عن اسمه، أُبلغت أن ملفه “مصنف أمني وسياسي”. تقول إنها غادرت المكان وهي تردد أن الرزق على الله، لكن الظلم كان أثقل من الصبر.

صوت لم ينكسر

رغم المرض والمنع من الزيارة وطول السنوات، لم تنكسر عزيمة الشيخ حسام. لا يزال صوته حاضرًا في السجون، خطيبًا ومؤذنًا وواعظًا. يروي الأسرى قصة صوته في سجن جنيد، أيام احتلال نابلس، حين صدح بأذان الفجر، وعند وصوله إلى “الصلاة خير من النوم”، صاح أسير من غرفة بعيدة: لم يبقَ أحد نائمًا يا شيخ، الكل استيقظ.

 

قصة الشيخ حسام حرب ليست استثناءً، بل نموذج صارخ لسياسة الاعتقال الإداري التي تحوّل الإنسان إلى ملف، والعمر إلى مدد قابلة للتمديد. هو شيخ تجاوز الستين، أمضى ثلث عمره خلف القضبان، وترك خلفه أسرة تُعاقَب معه، بلا تهمة، وبلا حكم، وبلا عدالة.

في انتظار الفرج، يبقى اسمه شاهدًا على سجنٍ لا يكتفي باحتجاز الجسد، بل يحاول مصادرة الزمن كله.

مواد مشابهة