تفاصيــل الخبـر

بين اعدام الأسرى وحراسة «التماسيح» ،،، الموت يواجه الأسرى الفلسطينيين

لم يكن يتخيل أحدٌ ما أن يكون السابع من أكتوبر 2023 العلامة الفارقة في حياة الأسرى ونقطة التحول الإجرامية في سياسات إدارة السجون تجاه الأسرى وقضيتهم العادلة ..

سنوات طويلة من الآلام والمعاناة والنضالات خاضها الأسرى لتحقيق أبسط الانجازات الحياتية والحقوق الإنسانية الأساسية تلاشت واختفت خلف قوانين سادية شرعنها الاحتلال دون حسيبٍ أو رقيب ، في ظل صمت دولي مريب وغياب كامل لأي دور للمنظمات الحقوقية الدولية مما ترك الـأسرى في مواجهة الموت اليومي وحدهم .

ما يحدث للأسرى خلال العامين الأخيرين في سجون الاحتلال يثير الجدل حول التطورات الأمنية والقانونية الخطيرة التي شرعنها الاحتلال للمضي في عملية الانتقام التي يُمارسها تجاه الأسرى .

إذ طرحت شخصيات سياسية إسرائيلية قوانين تقترح تغييرات جذرية في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين، من بينها مشروع قانون إعدام الأسرى إلى جانب أفكار غير مسبوقة مثل إنشاء سجن محاط بـ « التماسيح » لتشديد الحراسة على الأسرى ومنع هروبهم !!

فمنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023، أعلن الاحتلال الإسرائيلي حالة الطوارئ، في خطوة شكّلت نقطة تحوّل خطيرة في واقع الفلسطينيين عامة والأسرى داخل السجون خاصة، حيث حوّل حياة الأسرى إلى واقع تُنتهك فيه أبسط مقومات الكرامة الإنسانية، ويتدنى إلى ما دون الحد الأدنى المقبول إنسانيًا ..

إذ أعلنت مفوضة مصلحة السجون، اللواء كاتي بيري، في 16 أكتوبر / تشرين أول 2023، تعليق العمل باللوائح الناظمة لحياة الأسرى وبدء تفعيل قانون الطوارئ، في إجراء أتاح لإدارة السجون والسجّانين مخالفة القوانين بشكل " قانوني " ، وقد جاء في إعلانها أنه «في ضوء الوضع الأمني الاستثنائي الذي يسود دولة إسرائيل خلال الحرب، وبالرغم مما ورد في كل اللوائح الناظمة، سيتم تخفيض شروط الحياة إلى الحد الأدنى و / أو إلغاء كافة الأنشطة»، على أن يسري القرار حتى 29 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أو إلى حين اتخاذ قرار آخر.

 ورغم أن القانون يجيز تعليق شروط حياة الأسرى لمدة أسبوعين فقط في كل مرة، فإنه لا يحدد سقفًا لعدد مرات التجديد، الأمر الذي مكّن مصلحة السجون من تجديد القرار مرات متتالية والإبقاء عليه ساريًا حتى اليوم.

وبناءً على ذلك ، جرى بموجب قانون الطوارئ تعليق العمل بكافة اللوائح والأنظمة التي تنظّم شروط حياة الأسرى داخل السجون ، و عكس تغييراً جذرياً في ظروف الاعتقال ، وأتاح للاحتلال إيواء الأسرى دون أسرّة، في تجاوز صريح لما يُسمى " قانون مكان العيش " ، وشملت التغييرات تجميد زيارات الأهالي والطواقم القانونية ومنظمة الصليب الأحمر حتى بات الأسرى في عزلة تامة عن العالم الخارجي ، كما تم وقطع القنوات التلفزيونية والهاتفية عن الأسرى، مع استمرار قطع المياه والكهرباء وتقليص كميات الطعام إلى حد التجويع ، وحرمان الأسرى من استخدام المرافق الصحية من مياه وعيادات، إضافة إلى الشروط الصحية المرتبطة بالتعرض للهواء النقي وأشعة الشمس، فضلًا عن سحب المقتنيات الشخصية كالملابس والأغطية وغيرها.

وفق إجراءات قانون الطوارئ ، تحولت السجون إلى مسالخ ومعسكرات للتعذيب على غرار " غوانتانامو " جديد ، في ظل ما يرد من معلومات عن ممارسات تعذيب قاسية وممنهجة بحق الأسرى  ، وقد كان لحالة الطوارئ أثر مدمر على واقع الأسرى الفلسطينيين، إذ تفاقمت ظروف الاعتقال بشكل غير مسبوق، وارتفعت أعداد المعتقلين الإداريين المحتجزين دون تهمة أو محاكمة، وتوسعت دائرة الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية الكافية، في مشهد يعكس الترابط البنيوي بين حالة الطوارئ والتشريعات القمعية، حيث توفر الأولى الغطاء القانوني لتطبيق الثانية، بما يشرعن ممارسات الاحتلال ويُلبسها مظهر " القانونية " رغم جوهرها القائم على القمع وانتهاك حقوق الإنسان ، خاصةً بعد إعلان مديرية مصلحة السجون لاحقًا العودة إلى تطبيق اللوائح الناظمة بحق الأسرى الجنائيين، ولا سيما الإسرائيليين منهم، إلا أنها أبقت الأسرى الفلسطينيين، وخصوصًا الأسرى الأمنيين ، خاضعين لقانون الطوارئ، في سياسة تمييزية فاضحة تعكس توظيف التشريعات الاستثنائية كأداة قمع جماعي ممنهج بحق الفلسطينيين .

في ظل الإجراءات القمعية بحق الأسرى يتبادر السؤال من هو صاحب الأفكار الاجرامية تجاه الأسرى ؟

يُعدّ إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، أحد أبرز رموز التيار اليميني المتطرف في دولة الاحتلال ، ويُعرف بتاريخه الطويل في التحريض على العرب والدفاع العلني عن أفكار عنصرية، الأمر الذي أدى سابقاً إلى ملاحقات وإدانات قضائية بحقه ، ومع توليه منصبه كوزير للأمن القومي ، تبني سياسات وتشريعات متطرفة تستهدف الفلسطينيين عمومًا، والأسرى الفلسطينيين على وجه الخصوص، ساعيًا إلى فرض رؤيته الأيديولوجية عبر أدوات قانونية وتشريعية تُغلف القمع بغطاء " شرعي وقانوني " .

فقاد بن غفير سياسة  " الاكتظاظ " ، الهادفة إلى تكديس الأسرى الفلسطينيين في ظروف غير إنسانية، بما يفاقم معاناتهم الصحية والنفسية، إلى جانب تبنّي سياسة حرمان متعمّد من الطعام، حيث كشفت المحكمة العليا الإسرائيلية في حكم نادر أن الحكومة تحرم آلاف الأسرى الفلسطينيين من الحد الأدنى من الغذاء اللازم للبقاء على قيد الحياة، فيما أقرّ بن غفير نفسه بهذه السياسة بقوله إن السلطات ستستمر في توفير الحد الأدنى من الشروط المطلوبة قانونًا للإرهابيين المسجونين، في تصريح يعكس بوضوح العقلية العقابية والانتقامية التي تحكم سياساته، ويؤكد استخدام ملف الأسرى كأداة مركزية لترجمة الأيديولوجيا اليمينية المتطرفة إلى ممارسات قمعية ممنهجة.

إلى جانب ذلك ، تبنى بن غفير وبقوة مشروع قانون إعدام الأسرى ، الذي لم يكن طرحه وليد اللحظة، بل طُرح مرارًا خلال السنوات الماضية، ففي عام 2015 ، طُرح لأول مرة مشروع قانون لإعدام الأسرى الفلسطينيين من قبل شارون غال أحد أعضاء حزب " إسرائيل بيتنا " إلاّ أنه قد تم رفض إقراره في قراءته الأولى من قبل الكنيست الإسرائيلي بسبب معارضته من قبل 94 عضو من أعضاء الكنيست ، وفي يوليو/ تموز 2017 طُرح مرة أخرى مشروع قانون صريح لفرض الإعدام على فلسطينيين قتلوا إسرائيليين، قدمه عضو الكنيست روبرت إليطوف من حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة وزير جيش الاحتلال آنذاك أفيغدور ليبرمان ، و جاء ذلك بعد إلحاح من ليبرمان ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدعوى أن إعدام منفذي العمليات سيكون رادعًا قويًا يفوق إجراءات كهدم منازل عائلاتهم ، إلا أن المقترح الأول رُفض بأغلبية أعضاء الكنيست في حينه، مما أوقفه مؤقتًا.

مع نهاية عام 2017، أعيد طرح المشروع إثر توافق أحزاب الائتلاف الحاكم آنذاك على دعمه، وبالفعل صادق الكنيست على المشروع بالقراءة التمهيدية في 3 يناير/كانون الثاني 2018 بأغلبية 52 صوتًا مقابل 49.

ثم أُعيد طرح المشروع في أكثر من مناسبة، كان أبرزها عام 2022 عندما أعاد الوزير المتطرف إيتمار بن غفير تقديمه مع مجموعة من التعديلات، قبل أن يصادق عليه الكنيست بالقراءة التمهيدية عام 2023، إلى أن بلغ مرحلة حاسمة في سبتمبر / أيلول 2025 حين صادقت عليه لجنة الأمن القومي في الكنيست تمهيدًا لعرضه على الهيئة العامة للتصويت عليه بالقراءة الأولى، في خطوة تعكس سعي الاحتلال إلى ترسيخ جريمة مارسها فعليًا بحق الأسرى منذ عقود، وإضفاء صبغة شرعية قانونية على سياساته القمعية من خلال التشريعات والأوامر العسكرية.

 ينص مشروع القانون على فرض " عقوبة الموت " بحق كل من يتسبب، عن قصد أو بدافع اللامبالاة، في وفاة مواطن إسرائيلي بدافع عنصري أو كراهية أو بما يُعرّف على أنه إلحاق ضرر بـ" دولة إسرائيل " ، إلا أن خطورته الحقيقية تكمن في أن قرار فرض حكم الإعدام لا يُبنى على مسار قضائي مرن أو متعدد المراحل، بل على آلية مغلقة ومشددة تُقيد دور المحكمة نفسها ، فبحسب المسودة الحالية، يُكتفى بأغلبية بسيطة داخل الهيئة القضائية لإصدار حكم الإعدام، دون اشتراط الإجماع أو منح القضاة أي هامش للاجتهاد أو مراعاة الظروف المحيطة بالقضية، سواء تعلّق الأمر بملابسات الفعل، أو بالخلفية الشخصية للمتهم، أو بأي اعتبارات إنسانية أو قانونية مخففة ، والأخطر من ذلك أن المشروع يمنع صراحةً أي إمكانية للاستئناف على نوع العقوبة أو تقديم طلبات لإعادة النظر فيها، ما يحوّل الحكم إلى قرار نهائي غير قابل للمراجعة، ويقوض أحد أهم ضمانات العدالة الجنائية المتمثلة بحق التقاضي على درجتين على الأقل.

أما من حيث التنفيذ، فينص المشروع على أن يتم الإعدام بواسطة حقنة قاتلة، تتولى تنفيذها مصلحة السجون تحت إشراف وزارة الأمن القومي، في سابقة غير معهودة داخل المنظومة العقابية الإسرائيلية التي لم تعتمد هذا الأسلوب سابقًا. ويُضاف إلى ذلك فرض سقف زمني صارم لا يتجاوز تسعين يومًا بين صدور الحكم النهائي وتنفيذه، وهو قيد زمني استثنائي يُبرَّر رسميًا بمنع "العرقلة" أو محاولات التأجيل عبر الإجراءات القانونية، لكنه عمليًا يهدف إلى تسريع القتل وتقليص أي فرصة قانونية أو حقوقية قد تحول دون تنفيذ الحكم.

ولا يقف المشروع عند هذا الحد، إذ يُفتح الباب صراحة أو ضمنًا أمام اعتماد أساليب أخرى لتنفيذ الإعدام مستقبلًا، كالرمي بالرصاص، أو الشنق، أو الكرسي الكهربائي. وفي هذا السياق، يسعى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى تبرير هذا التوجه من خلال الإشارة إلى تجارب دول تطبّق عقوبة الإعدام، بل ومحاولته استلهام “النماذج العملية” المتبعة فيها، بما يشمل آليات التنفيذ نفسها، في مسعى واضح لتطبيع الإعدام داخل المنظومة القانونية الإسرائيلية وتحويله من استثناء نادر إلى أداة عقابية اعتيادية.

ورغم أن القانون الإسرائيلي يجيز نظريًا فرض هذه العقوبة في حالات محددة، إلا أنها لم تُنفذ تاريخيًا سوى في حالة واحدة معروفة، هي إعدام أدولف أيخمان، فيما أبطلت المحكمة العليا الإسرائيلية أحكام إعدام أخرى في السابق، الأمر الذي يجعل الإصرار الحالي على تقنين هذه العقوبة دليلاً إضافيًا على تجاهل الاحتلال الصارخ للقانون الدولي ولمبادئ العدالة والإنسانية، واستخدام التشريع كأداة مباشرة في إدارة القمع والانتقام السياسي بحق الأسرى الفلسطينيين.

بإقرار قانون إعدام  الأسرى ، اعتبرت مؤسسات الأسرى أن مصادقة لجنة الأمن القومي على هذا المشروع تمثل " توحشًا غير مسبوق " و يفتح الباب على مصراعيه أمام ترسيخ سياسة إعدام منظّمة وممنهجة داخل السجون الإسرائيلية، ولا سيما أنه قد يطال أسرى جرى اعتقالهم في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023 ، الأمر الذي يثير مخاوف جدية من توظيفه بأثر رجعي أو ضمن سياق انتقامي جماعي خاصةً أن دولة الاحتلال تتصرف باعتبارها فوق القانون وخارج نطاق المساءلة، وهو ما انكشف بوضوح خلال حرب الإبادة، التي عرّت عجز المجتمع الدولي وتواطؤه الممنهج مع منظومة الاستعمار والقتل.

كما أكدت المؤسسات الحقوقية أن الأسرى الفلسطينيين هم مناضلو حرية يتمتعون بالحماية القانونية الدولية بموجب اتفاقيات جنيف، وأن محاولة سنّ قانون لإعدامهم ترقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني ولمبادئ حقوق الإنسان، ويفتح الباب أمام ملاحقة ومساءلة دولية لدولة الاحتلال باعتباره جريمة حرب وفق ميثاق المحكمة الجنائية الدولية.

أما من منظور القانون الدولي، تُعدّ عقوبة الإعدام مخالفة صريحة للعديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية، وتشكل جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 والتي تكفل الحماية للمناضلين ضد الاحتلال في النزاعات المسلحة الدولية .

وتجدر الإشارة ، أنّ الادعاء الشائع بأن دولة الاحتلال لم تنفّذ أحكام إعدام بحق فلسطينيين عبر مسار تشريعي أو قضائي رسمي ، فإن الوقائع على الأرض تؤكد أنها مارست ، ولا تزال ، الإعدام بحق آلاف الفلسطينيين على نطاق واسع من خلال مسارات «خارج القضاء»، ويشمل ذلك أولًا القتل المتعمد أثناء عمليات الاعتقال، حيث يُعدم فلسطينيون ميدانيًا دون أي قرار قضائي أو تهديد فعلي، وثانيًا سياسة الاغتيالات المستهدفة التي طالت قادة ونشطاءفلسطينيين، والتي منحتها المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2006 غطاءً قانونيًا مشروطًا، بزعم ارتباط المستهدفين المباشر بالأعمال القتالية وضرورة تفادي قتل المدنيين، وهي شروط أثبتت الوقائع مرارًا تجاهلها أو الالتفاف عليها ، ما جعل هذه الاغتيالات شكلًا من أشكال الإعدام المنهجي ، ويضاف إلى ذلك شكل آخر لا يقل خطورة من الإعدام، يتمثل في سياسات الإهمال الطبي المتعمد داخل السجون، والتعذيب أثناء الاعتقال والتحقيق، وهي ممارسات أدت إلى استشهاد مئات الأسرى، إذ تشير المعطيات الحقوقية إلى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 بلغ 324أسيرًا ، منهم (87 ) أسيراً ارتقوا داخل سجون الاحتلال منذ حرب الإبادة في السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023  ، في ظل ظروف احتجاز قاسية وسياسات عقابية ممنهجة. وعليه، فإن غياب تنفيذ عقوبة الإعدام عبر المحاكم لا ينفي واقع الإعدام الفعلي الذي تمارسه إسرائيل بأشكال متعددة، ويكشف أن مشروع قانون إعدام الأسرى لا يشكّل تحولًا نوعيًا بقدر ما يمثل تقنينًا وتشريعًا لسياسة قتل قائمة أصلًا، تُمارس منذ عقود بحق الفلسطينيين خارج أي إطار للعدالة أو المساءلة.

أخبار مشابهة