السبت 9 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الأسير سمير الكوسا: بطلٌ استثنته مواعيد الحرية

24 ديسمبر 2025 قراءة 3 دقيقة

حين يتغوّل الاحتلال، ينتفض الأحرار، وحين يقابلهم بالقمع والإرهاب، يقاومونه بالكرامة، فلا يتركون فرصة تمكّنهم من إيلامه إلا وينتهزونها، مهما كان الدرب إليها خطراً وذا نهاية مغلقة، وحين يزج بالثوار في متاهة الزنازين، يتسلحون بالأمل، أمل الحرية التي تزور بلا موعد بسواعد الرجال صانعي الصفقات، لكن الموعد أحياناً يخلفهم، فلا ييأسون، بل يستمرون في تغذية الأمل، لأن المواعيد لا شك تتكرر، وتطرق الأبواب من جديد.

ابن نابلس

الأسير سمير الكوسا من سكان حي الضاحية، في مدينة نابلس إلى الجنوب الشرقي منها تحديداً، كان رجلاً هادئ الطبع، يعمل سائقاً لتكسي عمومي، هو ابن لعائلة عرف عنها التدين والانتماء، كما عرف عنها كونها هدفاً دائماً لمضايقات قوات الاحتلال، حيث اعتقلت سابقاً شقيقيه زاهي وعبد الله أكثر من مرة، وتعرض سمير أيضاً للاستدعاء من قبل قوات الاحتلال، ليتم التحقيق معه في أمور عامة، تخص عائلته وحياته قبل أن يطلق سراحه في ذات اليوم.

سمير الذي أصبح والداً لثلاثة أطفال، كان منذ سنوات عمره الأولى طفلاً هادئاً طيباً يحب والديه، ويحنو على والدته، حتى كبر واحتل جزءاً واسعاً من قلبها، وصار رجلاً تباهي به البشر، وتواجه به الدهر.

إنما يعرف الرجال بالأفعال

مساء الأوّل من تشرين أوّل/أكتوبر من عام 2015، تمكّنت خلية “ايتمار” من تنفيذ عملية إطلاق نار على مركبة للمستوطنين على الطريق بين مستوطنتي “ايتمار” و”الون موريه” المقامتين على أراضي قرى شرق نابلس.

وأسفرت العملية التي نفذت من مسافة الصفر، عن مقتل ضابط استخبارات في وحدة هيئة أركان الاحتلال، وزوجته.

كانت ردًّا على مجزرة دوما، ومجزرة إحراق عائلة دوابشة، أم سمير لم تخفِ مشاعرها الوطنية تجاه العملية ومنفذيها، ففرحت ودعت لمنفذي العملية الذين كانت تجهل هوياتهم، ولم يدر في خلدها أن ابنها "سمير" هو أحد المشاركين في تنفيذها.

استيقظت عائلة زهير الكوسا على وقع اعتقال نجلهم البكر "سمير"، وذلك بعد أقل من 48 ساعة على تنفيذ العملية حيث تلقى أفراد العائلة بمن فيهم زوجة سمير الخبر بنوع من الصدمة التي فاجأتهم بفعل سمير البطولي الذي كان يخطط له في الخفاء سراً، ولم يكن كثير الكلام، بل عظيم الفعال، ويوم اعتقاله اعتقلت قوات الاحتلال أيضاً شقيقيه من منزل العائلة، ثم أفرج عنهما.

عظيم الأثر، والعقاب

كانت عملية “ايتمار” حافزاً لاندلاع انتفاضة القدس، ويعدُّ منفذوها في مقدمة من رسموا معالم تلك الانتفاضة، وسبب إلهام الشباب لإطلاق عملياتهم المقاومة عام ٢٠١٥، التي أرقت الاحتلال وأضرمت الرعب في مفاصله.

بعد اعتقال سمير الكوسا ورفاقه: راغب عليوي، وكرم المصري، ويحيى الحاج محمد، وزيد العامر ، وبسام السايح، صدرت بحقهم أحكام بالسجن المؤبد مرتين و30 عاماً إضافية، لدورهم في تنفيذ تلك العملية وبعض العمليات السابقة.

أودع الأبطال السجن، ليعانوا كما يعاني بقية إخوانهم الأسرى من سياسة التجويع وفقدان الوزن، وسياسة التنكيل، والإهمال الطبي، الذي أودى بحياة الأسير بسام أمين السايح الذي كان مصاباً بالسرطان، فاستشهد داخل سجون الاحتلال.

بيت الأحلام

هدم الاحتلال بيت سمير الكوسا، وخلف كل بيت قصة وأمل كبير، تقول ولاء زوجة الأسير إنها كانت تعيش حلم إكمال هذا البيت منذ سنوات، وتشارك زوجها ذلك الحلم السعيد الذي بنوه حجراً حجراً، وإنها وزوجها تعاونا في كل شيء ليصلا إلى بيت أحلاهما ومستقبلهما، وتكمل: "تشاركنا معاً حتى في طلاء البيت، كان بيتاً جديداً لم يمر على إنشائه أكثر من سنة". جرافات الاحتلال هدمت الحلم في لحظات، بعد ١٠ أيام من اعتقال سمير، وتركت عائلته تعاني غياب البيت، وغياب ربّ البيت، لكن زوجة سمير الشابة تحاول أن تعوض غياب الأب عن أطفاله، وتخلق استقراراً بعد تشرّدهم بهدم بيتهم.

أمل يخبو لكن لا ينطفئ

لم تشمل سمير صفقات التبادل التي أبرمت ضمن اتفاقات الحرب الأخيرة على غزة، لكنّ أمل عائلته بتحرره لا يموت، فلله أسباب فوق قدرات البشر، وللتاريخ طبيعة متقلبة، وللأحداث علوّ وهبوط، ولا ظلم يدوم، كما لا سجن يغلق على أصحابه للأبد، والصغار يكبرون على روايات البطولة، وتنمو في قلوبهم مشاعر الفخر والعرفان، لتتفوق على مشاعر الفقد والحرمان.

مواد مشابهة