في الثلث الأخير من شهر يناير عام 2024، أي في أشدّ أيام الحرب وطأة وجنوناً، وأكثرها قصفاً لم يتوقف على مدار الساعة، وعلى امتداد رقعة القطاع، كانت عائلة شلح تتكور على نفسها خوفاً داخل منزلها في حي الشجاعية شرق غزة
تحت وطأة القصف المتواصل، واستمر الذعر يقترب منهم حتى قُصف البيت فوق رؤوسهم، فخرجوا جميعاً ناجين بأرواحهم من فكّ الموت، وتوجهوا جنوباً نازحين بلا شيء يملكونه، لكن هذه لم تكن المأساة الوحيدة التي عاشوها.
فرحة هيثم
هيثم شلح، هو الابن البكر لتلك العائلة، رجل طيب في الحادية والخمسين من عمره، حباه الله بلين وبراءة، كالأطفال، وكان يعاني من صعوبة في النطق، حيث لا يفهم الكثيرون كلامه،
فرحت العائلة بزواج هيثم، وانتظروا بلهف وشوق أن يروا أبناءه، لشدة تعلقه بالأطفال وحبه لهم، لكن الله شاء أن يتأخر في الإنجاب سبعة عشر عاماً، كان يدعو الله فيها ليل نهار أن يكرمه بطفل، وقبل الحرب بأشهر، أجرت زوجته
عملية زراعة تكللت بالنجاح، وأكملت حملها حتى وضعت مولودة جميلة في ذات الشهر الذي تم قصف بيتهم فيه.
كانت سعادة هيثم لا توصف بابنته، وكانت للعائلة البهجة وسط الدمار، وفرحة العمر المنتظرة التي نورت أيام الحرب القاتمة، والتقطت صورة لهيثم حاملاً طفلته الوليدة، لكنها كانت الصورة الأخيرة.
فرحة عمرها 4 أيام
أربعة أيام فقط، كان عمر الصغيرة، يوم قصف البيت على عائلة شلح، وكُتبت لهم حياة جديدة، وحين توجهوا نازحين إلى جنوب القطاع، لم يكونوا قد أسموها بعد، أو استخرجوا لها شهادة ميلاد،
في طريق النزوح، تفرقت العائلة، وتجمعت من جديد في رفح، لكن دون هيثم، فقدت آثاره دون معرفة أية معلومات عنه،
تقول هبة شلح شقيقة هيثم إن بعض الناس أخبروهم باستشهاده قرب مستشفى ناصر، وبعضهم قال إنه أصيب قرب وادي غزة، ولا شيء مؤكد، وتضيف هبة: " لم نتوقف عن طرق أبواب اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الدولية
وتقديم بيانات وصور لشقيقي، ولكن جهودنا لم تنجح في الحصول على أية معلومة حول مصيره"،
تعيش عائلة شلح اليوم ضياعاً، وهماً ثقيلاً، قلقاً عل مصير ابنها، الذي لا يكاد ينطق اسمه بصورة صحيحة، ولا يعلمون هل ضاع، أم لا زال على قيد الحياة؟ هل استشهد وحيداً وغريباً وخائفاً كطفل ضائع؟ أم يعيش مجهولاً دون أن يفهم
الناس ما يقول؟
تقول هبة إن خبر الفقد أهون عليهم من عدم الاستقرار والعيش في المجهول، وتبكي بحرقة وهي تخاطب طيف أخيها الغائب: "ابنتك في انتظارك لتختار لها اسماً، وتستخرج شهادة ميلاد لها، هذه فرحة عمرك التي انتظرتها طويلاً، لا نريدها أن تكبر بدونك".
مواد مشابهة
أجنة خلف القضبان:ثلاث أسيرات حوامل يواجهن الجوع والقمع في سج...
تحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من ناب...
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي: من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...