تفاصيــل الخبـر
الأسرى الفلسطينيون من مدينة نابلس: مأساة مستمرة تحت الاحتلال
مدينة نابلس، التي لطالما شكّلت قلب المقاومة الفلسطينية النابض، تعيش منذ عقود تحت وطأة سياسات الاحتلال الإسرائيلي القمعية. الاعتقالات هنا ليست مجرد أرقام، بل قصص بشرية تتوزع بين الأطفال والرجال والنساء، المرضى والمؤبدين، كل منهم يحمل على عاتقه عبء التضحية من أجل وطنه. حتى نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، سجّلت نابلس نحو 1350 حالة اعتقال، شملت 35 طفلًا، و21 أسيرًا محكومًا بالمؤبد من أصل 115 مؤبدًا فلسطينيًا، و16أسيرة، وهو ما يعكس حجم الانتهاكات المستمرة والأثر العميق على النسيج الاجتماعي والمقاوم للمدينة.
الأسرى الأطفال: الأشبال في مواجهة الاحتلال
الأطفال الأسرى، والبالغ عددهم اليوم 350 طفلًا في السجون، يمثّلون واحدة من أشد الفئات تعرضًا للقمع المبكر، إذ يعيشون تجربة اعتقال تحوّلت منذ الصغر إلى مأساة حياتية كاملة.
وفي محافظة نابلس، يبلغ عدد الأسرى الأشبال 35 طفلًا، بينهم 17 معتقلًا إداريًا، و14 موقوفًا، و4 محكومين. ويواجه هؤلاء الأطفال التفتيش القسري، والضرب المستمر، والتهديد النفسي اليومي، ما يترك آثارًا نفسية وجسدية طويلة المدى.
في كل يوم يقضونه خلف القضبان، تتشكل لديهم جروح لا تلتئم إلا بالحرية، جروح تجعل من طفولتهم مفصلًا مأساويًا في سجلات الحركة الأسيرة الفلسطينية.
الأسرى المرضى: مواجهة يومية مع الإهمال الطبي
بين الأسرى، هناك فئة مريضة تعاني من أوضاع حادة، تعكس سياسة الإهمال الطبي المتعمد التي يمارسها الاحتلال. هؤلاء الأسرى يتعرضون لتفاقم الأمراض بسبب نقص الرعاية والعلاج، وسط صعوبات في الحصول على زيارات أو علاج مناسب. من بين الحالات البارزة:
كايد وليد كامل كلبونة، معتقل منذ عام 2003 ويعاني مشاكل قلبية وعصبية ومعدية.
أما محمود عطا الله، منذ 2003 أيضًا، فقد أصيب بالرصاص في الرئة والبطن، وأصيب بجرثومة في المعدة تتسبب في قيء الدم، وظهرت لديه كتلة بجانب الكبد، كما يعاني مشاكل متكررة في الأسنان.
ويعيش مراد محمد فضل، معتقل منذ 2004، مع إصابة في اليد اليسرى ومشاكل بالأسنان
بينما يعاني يحيى الحج حمد، الذي اعتقل عام 2015، من قصر في رجله نتيجة عملية في الحوض وهو طفل، ويحتاج لحذاء ونعل طبي مخصص.
كذلك، يعاني كرم المصري من إصابة في اليد اليسرى منذ 2015، وأصيب أسامة علاء الطويل في 2023 بالرصاص في منطقة الحوض، مع مضاعفات في المعدة.
واما الأسير حبيب عرعراوي والمعتقل منذ 12تنوفمبر/2024 ويقضي حكما بالسجن الإداري ويعاني من فشل كلوي مزمن يستدعي خضوعه لجلسات غسيل كلى ثلاث مرات أسبوعيا، إضافة إلى أنه أجرى مؤخرا عملية جراحية معقدة لتفتيت الحصى في الشرايين تُعد من بين أكثر العمليات دقة وخطورة.
هذه الحالات تعكس حجم المعاناة المستمرة داخل السجون، حيث يواجه المرضى صعوبة بالغة في الحصول على أي علاج حقيقي، ويعيشون ظروفًا من التجويع والإهمال تتفاقم في ظل سياسة العزل القسري.
الأسير معاذ بلال: أقدم أسرى نابلس ورمز الصمود خلف القضبان
يظل الأسير معاذ سعيد بلال، البالغ من العمر 54 عامًا، رمزًا حيًا لصمود الحركة الأسيرة الفلسطينية من نابلس. اعتُقل في 11 يناير 1998، بعد تنفيذ عمليات فدائية ضد الاحتلال، وحكم عليه بالسجن المؤبد 26 مرة بالإضافة إلى 27 عامًا إضافية، ما يجعل مسيرته الاعتقالية امتدادًا لما يقارب ثلاثة عقود من الأسر. معاذ لم يكن مجرد رقم بين المؤبدين، بل كان قائدًا بارزًا في كتائب القسام، ومشاركًا في تأسيس خلية "شهداء من أجل الأسرى"، التي نفذت عمليات عسكرية في القدس، مثل عمليتي "محانيه يهودا" و"بن يهودا"، ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من المستوطنين، قبل أن يُعتقل في كمين قرب مخيم العروب بالخليل.
تعرّض معاذ خلال سجنه الطويل لكافة أشكال الانتهاك، فقد والده عام 2005 وشقيقه بكر عام 2016 دون وداع، في حين تحرر شقيقه عثمان ضمن صفقة طوفان الأحرار. ورغم الظروف القاسية، واصل معاذ تحصيل العلم داخل السجن، حيث حصل على بكالوريوس في الشريعة الإسلامية وماجستير في الدراسات الإسرائيلية، مثبتًا أن الإرادة والثقافة يمكن أن تنتصر حتى في أقسى الظروف. ومع الإهمال الطبي المتعمد وفقدان الوزن الحاد وآلام الظهر والمعدة المزمنة، يظل معاذ رمزًا للصمود، مؤكدًا أن طريقه كان دائمًا من أجل كرامة شعبه وحرية وطنه.
خلية إيتمار: اعتقال جماعي وتنكيل ممنهج
تمثل خلية إيتمار نموذجًا صارخًا لسياسة الاعتقال الانتقامي التي يتبعها الاحتلال. اعتقل أفراد الخلية في أكتوبر 2015، بعد عملية أدت لمقتل مستوطن وزوجته، وتعرض أربعة منهم للسجن المؤبد، بينما حرر اثنان في صفقة طوفان الأحرار واستشهد الآخر محتجزًا جثمانه.
الأسرى الأربعة الذين بقوا يقضون أحكامهم يعانون حرمانًا شبه تام من الزيارات والتواصل مع المحامين والعالم الخارجي، ويواجهون التفتيشات الليلية القاسية والعزل المستمر.
من بين هؤلاء، يحيى محمد نايف الحاج حمد، الذي أُصيب أثناء العملية وأدى له قصر في رجله، وسمير زهير الكوسا، الذي تعرض منزله للهدم، وأمجد عادل عليوي، الذي فقد والدته أثناء الأسر، وكرم لطفي رزق، الشاب الذي ضحى بمستقبله الدراسي من أجل الحرية. رغم سنوات الاعتقال العشر، تمكن بعضهم من تحقيق إنجازات علمية وأدبية، مثل تأليف الديوان الشعري "قبلة الأبطال" ونيل شهادات تعليمية، لكنهم لا يزالون يعيشون ظروفًا مأساوية نتيجة سياسة التجويع والعزل المستمر.
الأسيرات الفلسطينيات من نابلس: مأساة وقمع في سجن الدامون
تضم مدينة نابلس 16 أسيرة محتجزة ضمن 51 أسيرة في سجون الاحتلال، يقبعن جميعًا في سجن الدامون الذي أصبح نموذجًا صارخًا لانتهاك حقوق النساء. هذه الأسيرات يواجهن معاناة يومية تتنوع بين العزلة، القمع، الإهمال الطبي، ونقص أبسط احتياجات النظافة والملابس، وسط تعرضهن لتفتيشات مهينة وتهديدات مستمرة، ما يجعل حياتهن داخل السجن أشبه بكابوس لا ينتهي.
دلال فواز يوسف حلبي (55 عامًا، روجيب) اعتُقلت بعد اقتحام منزلها، وتعرضت للتكبيل والاعتداء الجسدي، مع حرمانها من أبسط الحقوق والاحتياجات.
كرم محمد صادق موسى (مواليد 1971، قصرة) معتقلة منذ 25 فبراير 2025، مدرّسة وأم لأربعة أطفال، تعيش في الغرفة الثالثة مع عدة أسيرات أخريات، وتواجه قمعًا يوميًا، مع برد شديد ونقص الطعام.
إباء أغبر (مواليد 2002، رفيديا) معتقلة منذ 16 مارس 2025، تصف اقتحامات متكررة من القوات الخاصة وانتشار الأمراض الجلدية، وغياب الملابس والمواد الصحية الأساسية.
ماسة غزال (مواليد 2002) تعيش ظروفًا مشابهة، مع تعرضها لثماني اقتحامات خلال شهر واحد، ضرب، نزف دموي، ونقص الطعام والأدوية.
ولاء طنجة (مواليد 1996) معتقلة منذ 4 يوليو 2025، تعرضت للكلبشة والعزل لساعات طويلة، ومصادرة مقتنيات، مع قمع مستمر داخل الغرف.
بشرى قواريق (19 عامًا، عورتا) اعتُقلت قبل شهرين من زفافها، نقلت إلى مركز التحقيق قبل الدامون، حيث تعرضت للضرب، الإذلال، ونقص الطعام والخصوصية.
ولاء ربيح أنيس السلعوس (مواليد 1990) معتقلة منذ 23 يوليو 2025، عاشت اقتحام منزلها عند الساعة الثالثة فجراً، ونقلت إلى التحقيق قبل الدامون، حيث استمرت الانتهاكات اليومية.
الاسيرة منال بدرساوي (مواليد 1977) معتقلة منذ تاريخ 2 نوفمبر/2025 وهي محاضرة في جامعة النجاح الوطنية وتم تمديد محاكمتها لأكثر من مرة.
هيام شحادة، سلام كساب، منى عنبتاوي، ، آمنة وآيات سويلم، أسيل حماد، تقى السايح، دعاء جرارعة يعيشن ظروفًا مشابهة، مع تكرار القمع والعزل والضغط النفسي والجسدي، ونقص مستمر في الخدمات الأساسية.
حالات خاصة
الصحفية سمية جوابرة من نابلس، الوحيدة في الضفة الغربية التي فرض عليها الاحتلال الحبس المنزلي منذ عامين، لا يسمح لها بالخروج من منزلها، ولا باستخدام الهاتف أو الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، لتعيش عزلة كاملة منذ سنتين.
شهداء نابلس من الأسرى والمعتقلين
الاحتلال الإسرائيلي لم يكتف بالاعتقال، بل أدى إلى استشهاد العشرات من الأسرى من نابلس، حيث بلغ عدد الشهداء منذ حرب الإبادة 86 على الأقل، بينهم عبد الرحمن باسم البحش الذي استشهد في 1/1/2024 نتيجة التعذيب.
ووليد خليفة الذي أُطلق النار عليه قبل الاعتقال واستشهد لاحقًا، وسميح عليوي الذي قضى نتيجة الإهمال الطبي، ومصعب حسن عديلي الذي استشهد في مستشفى سوروكا، وبسام السايح الذي استشهد منذ 2019 وما زال جثمانه محتجزًا. هذه الأرقام تعكس حجم الانتهاكات الجسيمة، بما فيها القتل المباشر، الإهمال الطبي، والتنكيل المنهجي.
الرؤية الحقوقية: موقف مؤسسة العهد الدولية
أكدت مؤسسة العهد الدولية أن الأسرى في نابلس يعانون أوضاعًا مأساوية تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، بما يتناقض مع اتفاقية جنيف الرابعة 1949 والمواثيق الدولية التي تحمي الأسرى المدنيين، وتشكل أساسًا قانونيًا لأي متابعة حقوقية. تشمل هذه الانتهاكات الإهمال الطبي المتعمد، العزلة الطويلة، التعذيب الجسدي والنفسي، وحرمان النساء من أبسط الحقوق الصحية والإنسانية. وشددت المؤسسة على ضرورة تحرك الهيئات الدولية لفضح هذه الممارسات، ومحاسبة الاحتلال على انتهاكاته، وضمان الإفراج الفوري عن الأسرى دون قيد أو شرط، مع الدعوة لإجراء تحقيق دولي مستقل لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، باعتبارهم ضحايا لانتهاكات جسيمة تتعارض مع المواثيق الدولية كافة.
أسرى نابلس يمثلون شريحة نضالية واسعة تتعرض لكافة أشكال القمع والانتهاك. الأسير معاذ بلال رمز للصمود والقيادة، وخلية إيتمار نموذج للانتقام الجماعي، في حين تكشف الأسيرات في الدامون عن وحشية الاحتلال وانتهاك حقوق الإنسان. لا يزال المجتمع الدولي مطالبًا بالتحرك الفوري لضمان حقوق الأسرى وحماية كرامتهم، ومحاسبة الاحتلال على الجرائم الممنهجة التي ارتكبها ويستمر في ارتكابها بحق الشعب الفلسطيني.
آخر الأخبار
-
الأسير المحرر رامي أبو زبيدة: يوميات الإجرام في سج...
31 January 2026 -
التعذيب كسياسة: شهادتان من غزة توثّقان جرائم الاعت...
30 January 2026 -
أمين بركة… صحفي خرج من الجحيم حيًّا
28 January 2026 -
الصحفيون الفلسطينيون في زنازين الاحتلال مهنة قيد ا...
27 January 2026 -
الأسير رائد أبو حمدية: خلية الرعب التي ولدت في صور...
23 January 2026 -
الشيخ الذي لم يغادر السجن حسام حرب… سيرة عمر مؤجَ...
20 January 2026