عشية السابع من أكتوبر، 2023م عندما استيقظ الناس عل أنباء الهجوم، وشاهدوا صور المقاتلين وهم يقتحمون المستوطنات، ويتجولون في غلاف غزة، شعروا بالدهشة، واجتاحتهم مشاعر عميقة، تحاكي نموذجا مصغراً للتحرير، واندفعوا وقد اضطربت قلوبهم
وهم يتحينون فرصة لرؤية بلادهم المسروقة منذ عقود، وليس بينهم وبينها سوى سلك شائك، وتسابقت أقدامهم مع الريح لتطأ أقدامهم لأول مرة أرضاً لم يعرفوا عنها سوى حكايات النكبة من الجدات، هناك خلف أقدام المقاتلين الذين اقتحموا كل الحدود
تبعت خطى المواطنين خطاهم، وراحوا يتجولون في مستوطنات شيدت فوق تراب منهوب، تكوّن من رفات الشهداء، وارتوى من دمائهم، أخذ مئات المدنيين يجوبون الأنحاء الفارغة، التي كانوا يوماً لهم، قبل أن يفرغها المحتل منهم، ويستنشقون هواءها
وهم لا يكادون يصدقون أنهم يعيشون هذا الحلم واقعاً..
لكنّ كثيراً منهم انقلب حلمهم ذاك كابوساً، بعد أن فُقدت آثارهم إثر دخولهم مستوطنات الغلاف، مدنيون وقفوا ليراقبوا المعركة من بعيد، لكن ذلك لم يشفع لهم، بل طالتهم يد الانتقام المسعور، كما طالت الآلاف بعدهم طوال أيام هذه الحرب المجنونة.
خرج ولم يعد
صباح الحادثة التي غيرت وجه التاريخ، خرج سليمان زمزم ذو الواحد وأربعين عاماً، مع جموع جيرانه وأصحابه القاطنين في مخيم المغازي، ليشهد الحدث الذي ظنّ أنه لن يشهد مثله أبداً، وقد كان.
تروي فاطمة زمزم زوجة سليمان أنه خرج الساعة الحادية عشرة والنصف في سيارته المدنية، حيث كانت المنطقة تضج بشراً وفرحاً، لكنه منذ ذلك اليوم لم يعد لبيته وعائلته، وأطفاله السبعة الذين في انتظاره.
أبلغ بعض الجيران عائلة سليمان أنه نال الشهادة، ومنهم من قال إنه اعتقل وهو موجود في معتقل عوفر، لكن زوجته تؤكد أنه لا توجد أية معلومات دقيقة.
حرب ومعاناة ووحدة
منذ ذلك الوقت تغيرت حياة فاطمة وانقلبت رأساً على عقب، فقد حملت مسؤولية أبنائها السبعة، دون معيل، في ظل معاناة النزوح، والجوع، وتلبية الاحتياجات التي غدت شبه مستحيلة.
تقول فاطمة بلوعة: "تعبت من عدم اجابتي على سؤال أبنائي هل سيعود والدي، خاصة ابني الصغير أحمد، الذي يبكي كل يوم من منتصف الليل حتى الفجر يسأل: وين بابا وين بابا"
وتعاني فاطمة فتذكر لوعة ابنتها الرقيقة سمر ذات الست سنوات، لا تحتمل غياب والدها، فتبكي أغلب النهار صارخة:" بدي بابا والله اشتقتله، طوّل الغيبة علينا"
تحاول الأم الوحيد جاهدة أن تعوض غياب الأب، وتعوض أبناءها عن حنانه واهتمامه، رغم أن الحمل ثقيل عليها، والحرب صعبة جداً، تقول وهي تغالب دمعها: "عائلتنا ناقصة بدونه، وأنا بحاجة إليه أكثر من الأولاد"
تقضي فاطمة وقتها في حيرة الأسئلة الكثيرة والخيالات والأفكار والسيناريوهات الواسعة التي تتبادر إلى ذهنها: كيف ستبلغ أطفاله إذا قيل لها إنه استشهد؟! وكيف سيكون حاله إذا كان معتقلاً؟ وكم ستطول غيبته؟
هل سيرونه مجدداً؟.. وبئر من الأسئلة لا قرار لها.
تختم فاطمة حديثها بأمنية يائسة: أن يرشدها الله للإجابة، فتعرف خبراً عنه، وتتحقق من مصيره، فقد تعبت من التفكير والتشتت.
مواد مشابهة
أجنة خلف القضبان:ثلاث أسيرات حوامل يواجهن الجوع والقمع في سج...
تحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من ناب...
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي: من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...