بعيداً عن أعين العالم، وعن حياة البشر، عاش فلسطينيون من قطاع غزة تجارب لا يحتمل تصديقها، ولا يقوى عقل على استيعابها، حيث أطلقت دولة الإجرام المنظم العنان لمختلّيها ليمارسوا أقبح أنواع التحلل الأخلاقي والإنساني، ويذيقوا المحتجزين عذابات الجسد والنفس، وسط امتهان كامل لآدميتهم، كما تمتهن الخرق البالية.
منذ نوفمبر 2023 حتى نهاية عام 2024، كانت آلية احتجاز المواطنين تتبع نظاماً ثابتاً، ضمن سياسة اعتقال جماعي، يبدأ من مراكز الإيواء والممرات الآمنة، ويمرّ فيه المعتقلون عبر محطات مختلفة بين معسكرات مؤقتة، ومراكز منشأة حديثاً، وسجون رسمية، وأخرى غير معلن عنها، كلها تتفق في أساليبها الوحشية من عزل، وضرب، وتعرية، وتجويع، ومنع من العلاج.
نرصد هنا، شهادات لناجين من جحيم مراكز الاحتجاز في عوفر والنقب ومعسكرات "سديه تيمان" وغلاف غزة، ترسم لنا صورة الوجه الحقيقي لعدو الإنسانية الذي كشفه السابع من أكتوبر، شهادات لناجين لم تنج أجسادهم ولا أرواحهم من الأضرار البالغة لتجربتهم المريرة.
الضرب حتى "العمى"
يقول أحد الناجين: "اعتقلت في شباط/ فبراير 2024، من مدرسة في خانيونس، برفقة أكثر من 100 مواطن، تم نقلنا بعدها إلى "البركسات" لمدة 23 يومًا، ثم إلى معتقل قرب القدس، ثم إلى سجن "عوفر"، ولاحقًا إلى سجن النقب، وخلال عملية نقلي من "عوفر" إلى "النقب"، ضُربت بالقيود الحديدية على رأسي، ما أدى إلى ضعف حاد في نظر العين اليسرى، وصداع دائم، وفقدان للتوازن، كما أُصبت بمرض الجرب داخل المعتقل مرتين، الظروف غير الصحية"
سكبوا الماء المغلي على جسدي، وكرامتي
في شهادة أخرى لمعتقل في نفس الفترة الزمنية، يقول: "اعتقلت في شباط/ فبراير 2024، وتعرضت لتحقيق ميداني، ثم نقلت إلى معسكر سديه تيمان لمدة 25 يوماً، ثم إلى معسكر آخر، ولاحقاً إلى سجن "عوفر"، ثم إلى سجن "النقب". طوال هذه الفترة، تعرضت لجميع صنوف التعذيب، وعند نقلي إلى سجن "النقب"، قاموا بسكب الماء الساخن على جسدي، ولا زلت محتجزاً اليوم في قسم الخيام داخل سجن النقب، حيث يتكدس 27 معتقلًا في كل خيمة، في ظروف غاية في القسوة، ونعاني جميعنا من اعتداءات مستمرة، وتجويع، فالطعام غير صالح للأكل، فنضطر إلى الصوم وجمعه في وجبة واحدة نتناولها مساء، كما يمارس علينا الإذلال اليومي، ونحرم من العلاج"
انتهاك مركب: التعرية والإجبار على شرب الخمر
شهادة مروعة لأحد المعتقلين تذكر تفاصيل الاعتقال بنفس مراحل الرحلة: "اعتقلت في شباط/ فبراير 2024، من الممر الآمن، ثم نقلت إلى غلاف غزة فمعسكر القدس، فمعسكر عوفر، فسجن "النقب"، وفي معسكر غلاف غزة، ضربت بأداة حادة، واحتاج جرحي إلى غرز معدنية بقيت في رأسي ١١٩ يوماً ما تسبب بالتهاب في فروة الرأس، أما في المعسكر قرب القدس، فتمت تعريتي بالكامل وأُجبرت على شرب الخمر"
كذبة القاتل: عائلتك أُبيدت
شهادة أخرى تصور التعذيب النفسي المصاحب لعذاب الجسد، يقول صاحبها: "اعتقلت في كانون الأول/ ديسمبر 2024، عبر حاجز الإدارة المدنية، وتعرضت للضرب المبرح، وتم تجريدي من ملابسي، وفي مركز الاحتجاز أخبرني المحقق أن الجيش قتل جميع أفراد عائلتي، ما تسبب لي في أزمة نفسية حادة دفعتني لمحاولة الانتحار داخل المعتقل، لولا تدخل زملائي، وخلال زيارتي أخبرني المحامي أن عائلتي بخير، فانهرت بالبكاء ولم أصدق ما سمعته"
خيمة تسكنها الكوابيس
في ظروف مشابهة، يفيد صاحب الشهادة التالية: "اعتقلت في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، عبر حاجز الإدارة المدنية، وتعرّضت لتحقيق ميداني، ثم احتُجزت في بركسات غلاف غزة، قبل نقلي إلى سجن "النقب"، حيث نعيش ظروفاً قاسية للغاية، ونتعرض يومياً للتفتيش، والاعتداء، والإذلال، الأمراض منتشرة، والخوف والرعب لا يفارقاننا، إلى جانب حرماننا من العلاج وتجويعنا المتعمّد".
كل ما ذكر من شهادات حية على جحيم السجون، ليس سوى جزء يسير من حقيقة ما يجري داخلها، فالبعض وفقوا للخروج، أو التواصل، أو تذكر التفاصيل المرعبة، بينما لم يستطع الكثيرون، وقد شهدنا منذ السابع من أكتوبر، كيف تجاوزت دولة الاحتلال كل الخطوط الحمراء في حربها ضد كل شيء، ومع تتابع هذه الشهادات المروعة، ننتظر أن تتم الاستفادة من توثيقها في محاسبة دولة الاحتلال، و ملاحقة مجرميها، فإن ما يُسكت عليه اليوم، يتضاعف غداً.
مواد مشابهة
في ذكرى النكبة... ما زالت نكبات الأسرى تتوالى
تأتي هذه الذكرى والحركة الأسيرة تعيش " المرحلة الأكثر دموية وقسوة " منذ عام 1967، حيث تحولت السجون إلى ساحات م...
الحرية التي وصلت متأخرة
خرج الدكتور محمد حميد أبو موسى من السجن بجسدٍ منهك… لكنه لم يكن يعلم أن الوجع الحقيقي ينتظره خارجه. سأل فور وص...
الجوع كسلاح.. شهادات من داخل السجون الإسرائيلية توثق سياسة ا...
أسرى محررون يتحدثون عن الهزال والإغماء والطعام الفاسد، ومؤسسات حقوقية تحذر من تحوّل الجوع إلى أداة تعذيب ممنهج...