الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

بين الركام والأسوار.. المفقودون في غزة حرب أخرى

25 ديسمبر 2024 قراءة 6 دقيقة

 

 

ما بين باطن الأرض وخارجها، قصص مثقلة بالحسرات، ممتلئة بالآهات. "ما هو مصير المفقودين في قطاع غزة؟" هل سألت نفسك هذا السؤال من قبل؟

أتحت ركام المنازل المهدمة؟ أم ما زالوا في الطرقات والشوارع؟ أم دُفنوا في مقابر جماعية دون تمييز هوياتهم؟ أم ما زالوا أحياء تحت وطأة الاعتقال في سجون الاحتلال، الذي اعتقلهم أثناء نزوحهم قسرًا عبر الممرات التي يدعي الاحتلال أنها آمنة، أو من المناطق التي توغل إليها في حربه الشرسة؟ آلاف الغزيين اختفت آثارهم، وغابت خطاهم منذ بداية الحرب؛ لتروي تفاصيل إبادة جماعية لا تزال مستمرة.

لا يوجد إحصاء دقيق لأعداد المفقودين، بسبب انهيار جزء كبير من المنظومات الإدارية الفنية، وانقطاع الاتصالات، وتشتت العائلات، واستمرار العدوان الإسرائيلي.

تجاوز عدد المفقودين منذ بداية الحرب على غزة 10 آلاف شخص، بحسب أحدث إحصائية للمكتب الإعلامي الحكومي. وأكد المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان أن تقديراته أيضًا تشير إلى أن عدد المفقودين جراء الحرب بلغ أكثر من 10 آلاف فلسطيني، وهذا التقدير مبني على حجم البلاغات الأولية للمفقودين، مستدركًا أنه من الصعب تقدير الأعداد الحقيقية للمفقودين في هذه المرحلة، نظرًا للهجمات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة، فضلًا عن سياسات الاحتلال الهادفة إلى تشتيت الأسر الفلسطينية، وبخاصة من خلال إجبار العائلات على النزوح المتكرر دون تأمين ممرات آمنة.

يتوزع المفقودون بين أشخاص ما زالوا تحت أنقاض المنازل التي قصفها جيش الاحتلال على رؤوس ساكنيها، وأفراد استشهدوا في الشوارع بدم بارد وما زالت جثامينهم ملقاة فيها، إضافة إلى من اعتقلهم الاحتلال سواء أثناء النزوح أو في مناطق التوغل ولا يعرف مصيرهم لأن الاحتلال أعدم بعضهم ويخفي قسرًا مصير وأماكن احتجاز البقية وهم بالآلاف.

جيش الاحتلال لم ينشر -حتى الآن- أي معطيات حول ظروف قتل هؤلاء الأسرى والمعتقلين، كما لم تتمكن -حتى الآن- أي جهة مستقلة من التحقق والتعرف على ظروف مقتلهم، ولم يتم أيضًا انتشال جثامينهم أو تحديد هوياتهم أو إعادة رفاتهم، أو حتى تبليغ عائلاتهم.

وفي إطار الجهود الدولية لبحث قضية المفقودين في قطاع غزة، انعقدت الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي في سبتمبر الماضي بناءً على دعوتين؛ الأولى من الجزائر لمناقشة التطورات في الأراضي الفلسطينية، أما الدعوة الثانية فهي من إسرائيل؛ وذلك لبحث مسألة 6 أسرى انتشل جيشها جثثهم من غزة مؤخرًا، وتدعي تل أبيب أن حركة حماس قامت بتصفيتهم، رغم اتهام الأخيرة لها بقتلهم عبر قصف جوي.

وقال مندوب الجزائر لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، إن عدد القتلى المذهل والدمار يكشفان عن همجية تهدف إلى محو الهوية الفلسطينية. وفي ذات الصدد، طالبت منظمات حقوقية بتشكيل ضغط دولي حاسم على إسرائيل للكشف عن مصير آلاف المفقودين من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من قطاع غزة، ممن تحتجزهم قوات الاحتلال، بمن في ذلك من ارتكبت بحقهم جرائم الاختفاء القسري والقتل والإعدام غير القانونية في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية.

شهادات مروعة يكشفها ذوو المفقودين:

تعد قضية المفقودين الأشد إيلامًا في مناطق النزاع. عائلات كثيرة في قطاع غزة تبحث عن أبنائها المفقودين، في حيرة من أمرهم، يتساءلون: هل هم تحت أنقاض المباني، أم معتقلون لدى الجيش الإسرائيلي؟

في مقابلة أجرتها مؤسسة العهد الدولية مع زاهر شملخ، وهو والد أحد المفقودين "محمد شملخ"، يستذكر الحادثة ويقول: كان ولدي محمد نشطًا في العمل الخيري ومساعدة المعوزين وتأمين نقل النازحين من شمال القطاع إلى وسطه، خصوصًا مع اشتداد عمليات القصف والإبادة الجماعية ومطالبات جيش الاحتلال المتكررة بضرورة النزوح لمناطق جنوب الوادي. وأثناء أداء مهامه الإنسانية فقدنا الاتصال به أواخر أكتوبر من العام المنصرم، وأكد أنه حتى اللحظة لا يعرف مصيره إن كان قد قتل جراء عمليات القصف أو تم اعتقاله من قبل الجيش.

ومع دخول الحرب الإسرائيلية على غزة شهرها الرابع عشر، أفادت تقارير ومنظمات بفقدان آلاف الأشخاص تحت ركام المباني التي تعرضت للقصف، مما أدى إلى دفن العديد تحت الأنقاض. ولم تتمكن عربات الإسعاف والطوارئ من الوصول إلى العديد من المناطق بسبب استمرار القصف، ولم يتم انتشال الجثث من تحت الركام نتيجة نقص المعدات.

ويرى المراقبون أن هناك أشخاصًا آخرين يُعتقد أنهم أُوقفوا عند نقاط التفتيش الإسرائيلية أثناء محاولتهم العودة إلى شمال غزة أو النزوح جنوبًا.

قصة أخرى ترويها إسلام حماد من رفح للمؤسسة، تتحدث فيها عن قرار النزوح من جنوب إلى وسط القطاع بعد تنفيذ الجيش الإسرائيلي لعمليات عسكرية برية واسعة في رفح، مصحوبة بغطاء ناري عنيف من الطيران الحربي. إذ تقول: "لم يكن لأخي الرغبة في ترك المنزل، وكان على تواصل دائم معنا مطمئنًا عن مكان نزوحنا في الزوايدة ومحاولاته الدائمة لتوفير احتياجاتنا. وذات يوم علمنا أن الاحتلال قصف مساحات واسعة من منطقة تل السلطان برفح وأوقع مجزرة مروعة. حاولنا بشق الأنفس الاطمئنان على أخينا إبراهيم، وباءت كل المحاولات بالفشل. أخبرنا البعض أنه أصيب وتم اعتقاله، وأخبرنا البعض أنه استشهد ودفن ضمن المقابر الجماعية، وأخبرنا البعض أنه تم اعتقاله. وتؤكد أن العائلة لم تستطع التعرف على مصير ابنها لغياب الرواية الرسمية حول مصيره ومصير الكثير من المفقودين.

قانون المقاتل غير الشرعي: غطاء إسرائيل لاعتقال المدنيين.

تمت المصادقة على هذا القانون عام 2002، والذي يسمح باعتقال الأفراد المشتبه بانخراطهم في "أعمال عدائية" ضد إسرائيل أو كونهم أعضاء في قوة ترتكب مثل هذه الأعمال. يُشرَّع هذا القانون احتجازهم إلى أجل غير مسمى دون توجيه لائحة اتهام، وكذلك محاكمتهم دون تقديم أدلة علنية، وذلك بزعم وجود ملفات سرية لدى الأجهزة الأمنية تُدين المحتجزين.

وفي أعقاب العدوان الإسرائيلي على غزة، الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصدرت سلطات الاحتلال قرارًا ينص على اعتبار جميع المعتقلين من قطاع غزة "مقاتلين غير شرعيين"، وعلى احتجازهم في قاعدة "سدي تيمان".

ووفقًا لذلك، جرى اعتقال آلاف الغزيين، معظمهم مدنيون، بينهم مسنون ونساء وقُصّر، حبسوا في منشآت عسكرية إسرائيلية، يواجهون فيها شتى صنوف التعذيب والتنكيل والإهانة.

لا يعترف القانون الدولي بمفهوم "المقاتل غير الشرعي". فهو يصنِّف المحتجزين إلى مجموعتين: المقاتلين والمدنيين. وتنص المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949، بوضوح على أن "أعضاء حركات المقاومة المنظمة" هم أسرى حرب ويجب معاملتهم على هذا الأساس.

وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة، يحق للقوة المحتلة احتجاز الأفراد الذين يقعون تحت سيطرتها لأسباب أمنية قهرية، لكنها تُقر بالحقوق والحماية التي يضمنها القانون الدولي الإنساني للسجناء والمعتقلين. كما توفر هذه الاتفاقية ضمانات لمنع الاحتجاز إلى أجل غير مسمى أو الاحتجاز التعسفي، وتحظر التعذيب وكافة أشكال الإساءة

 

 

 

مواد مشابهة