السبت 9 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

عائلة الرجوب : ثلاثون عاما من الأسر وقلوب معلقة بالمصير

31 أغسطس 2025 قراءة 5 دقيقة

ليست الأرقام مجرد أعداد صماء حين ترتبط بالأسر، ثلاثون عاما من الاعتقال ليست سطورا في سجل، إنها عمرا أكِل من حياة أسرة بأكملها. هي أيام ثقيلة انقضت على بيت يفتقد الأب ويطارَد فيه الأبناء، بيت تقوده امرأة بصبر الجبال، تحمل وحدها أعباء الحياة بينما يتوزع زوجها وولداها بين الزنازين والعزل والاعتقال الإداري.

إنها حكاية عائلة الرجوب التي تتصدر اليوم مشهدا إنسانيا قاسيا، يكشف ما يتركه الاحتلال من فراغات موجعة في قلوب العائلات الفلسطينية.

رصدت مؤسسة العهد الدولية ما تمر به عائلة الأسير رزق الرجوب، وتابعت تفاصيل معاناتها المركبة عبر حديث مباشر مع زوجته. تحدثت الزوجة بوجع يثقل الكلمات عن قلقها على زوجها الذي فقد ذاكرته داخل السجون، وعن ابنيها أحمد ومحمد اللذين يواجهان الاعتقال الإداري المفتوح.

وأكدت المؤسسة أن ما تعيشه هذه العائلة يختزل صورة أوسع لانتهاكات الاحتلال بحق الأسرى وذويهم، حيث تتداخل العزلة والعقوبات الجماعية والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية في مشهد واحد.

الأسير الشيخ رزق الرجوب.. ذاكرة تتلاشى خلف القضبان

الشيخ رزق عبد الله الرجوب (65 عاما)، من دورا الخليل، قضى ما مجموعه 30 عاما في سجون الاحتلال، على مدار 13 اعتقالا متقطعا. في اعتقاله الأخير بتاريخ 12/6/2023، زج به مباشرة في ملف الاعتقال الإداري، ومن ثم نقل بين السجون حتى استقر في العزل الانفرادي في سجن جانوت.

اليوم، يعيش الرجوب وضعا صحيا مقلقا بعد أن أبلغ المحامي زوجته بأن زوجها لم يتعرف عليه خلال الزيارة، وسأله عن اسمه وعن معنى كلمة "أم محمد"، في مشهد صادم يعكس فقدانا في الذاكرة ناجما على الأرجح عن تعذيب وضربة على الرأس، حيث ظهرت إصابة واضحة وتورم في عينه اليسرى.

إلى جانب ذلك، يعاني الرجوب من أمراض مزمنة: البهاق، مشكلات في المعدة وحساسية من بعض الأطعمة، خضع سابقا لعملية استئصال المرارة، ويحتاج لرعاية صحية متواصلة لا تتوفر في ظروف العزل.

زوجته التي تحاول التماسك تقول: "زوجي رجل يحفظ القرآن، ذاكرته صافية، ما الذي جرى حتى يفقد ذاكرته؟"، سؤال مفتوح على قلق يومي لا ينتهي.

أحمد رزق الرجوب.. أب خلف القضبان

الأسير أحمد رزق الرجوب (35 عاما)، اعتقل بتاريخ 8/11/2023، ويخضع منذ ذلك الحين لسلسلة متواصلة من التجديد الإداري وصلت إلى أربع مرّات بواقع 6 أشهر في كل مرة.

أحمد هو أسير سابق قضى 6 سنوات سابقة في سجون الاحتلال، متزوج وأب لأربعة أطفال، أكبرهم لا يتجاوز الثامنة. ومع اعتقاله قطع راتبه التقاعدي لتترك عائلته في مواجهة العوز والانتظار.

اليوم، يقبع أحمد في سجن ريمون، فيما تتساءل والدته بمرارة: "كيف لأطفاله أن يكبروا دون أب، وكيف لعائلة محاصرة بالفقد أن تجد قوت يومها؟".

 محمد رزق الرجوب.. الطفولة الجامعية المكسورة

الابن الأصغر محمد الرجوب (19 عاما)، طالب جامعي التحق مؤخرا بمقاعد الدراسة، لكن الاحتلال اعتقله في 16/12/2024، وحوله مباشرة إلى الاعتقال الإداري. منذ ذلك الحين، جدد اعتقاله مرتين، وقطع راتبه المستحق.

محمد يقبع حاليا في سجن عوفر، بعيدا عن حلمه الدراسي وأجواء الجامعة ليتحول من مقاعد القاعة الجامعية إلى جدران السجون، وليضاف اعتقاله إلى السجل المثقل لعائلة الرجوب.

الاعتقال الإداري والعزل والإهمال الطبي.. انتهاكات ممنهجة للقانون الدولي

تشكل معاناة عائلة الرجوب نموذجًا صارخًا لسياسات الاحتلال التي تنتهك بوضوح قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، خاصة في ثلاث مستويات خطيرة:

الاعتقال الإداري: يفرض الاحتلال أوامر اعتقال مفتوحة بحق الشيخ رزق الرجوب ونجليه أحمد ومحمد دون لوائح اتهام أو محاكمة عادلة، وهو ما يتعارض مع المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر الاعتقال التعسفي، ومع المادة (71) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم سلطات الاحتلال بإبلاغ المعتقلين بالتهم الموجهة إليهم وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم.

الإهمال الطبي: ما يتعرض له الشيخ رزق الرجوب من فقدان للذاكرة وإصابات جسدية ناجمة عن الضرب، وحرمانه من الرعاية الطبية الملائمة لأمراضه المزمنة، يمثل خرقا واضحا للمادة (91) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم دولة الاحتلال بتوفير العلاج المناسب والرعاية الصحية الكاملة للأسرى والمرضى.

العزل الانفرادي: استمرار عزل الشيخ الرجوب في زنزانة ضيقة ومغلقة لعدة أشهر، يعد شكلا من أشكال العقوبة القاسية والمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية، المحظورة وفق اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، ويعتبره المقرر الخاص للأمم المتحدة نوعا من التعذيب النفسي المطول عندما يتجاوز المدد الزمنية القصيرة.

إن اجتماع هذه الانتهاكات في ملف عائلة واحدة يوضح أن الاحتلال يمدد العقوبة لتشمل العائلة والمجتمع في ظل صمت دولي مريب يكرس سياسة الإفلات من العقاب ويمنح الاحتلال ضوءا أخضر للاستمرار في ممارساته.

لذلك، تطالب مؤسسة العهد الدولية الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتحرك الفوري لوقف هذه السياسات، وإرسال لجان تحقيق دولية لمتابعة أوضاع الأسرى الفلسطينيين، وضمان التزام الاحتلال بواجباته القانونية، والعمل على الإفراج الفوري عن الشيخ رزق الرجوب وتقديم العلاج اللازم له، وإنهاء معاناة عائلته الممتدة على مدار ثلاثة عقود.

 وشددت المؤسسة على أن اعتقال الأسير الشيخ الستيني وابنيه إداريا في الوقت نفسه يظهر بوضوح سياسة الاحتلال في تحويل الأسرى إلى رهائن للابتزاز السياسي.

عائلة على أمل الحرية

عائلة الرجوب اليوم أمام امتحان قاس بين أب يفقد ذاكرته في الزنازين وابنين يواجهان الإداري بلا سقف، وأحفاد يتربون على غياب آبائهم.

ومع ذلك تتمسك الزوجة أم محمد بخيط الأمل، تقول: "أحلم أن يجتمع زوجي مع ابنيه في فضاء الحرية، أن يصبح جدا يرافق أحفاده، وأن نتذكر هذه السنوات كذكرى موجعة مضت ولن تعود".

إنها صورة من صور الصمود الفلسطيني حيث تحول الأسرى وأسرهم إلى حكايات متجذرة في الأرض تذكر العالم أن الحرية حق، وأن الاحتلال مهما طال عمره لن يقدر أن يسجن الأمل

مواد مشابهة