الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

ريكيفت، مقبرة الأحياء تحت سجن أيالون

15 أغسطس 2025 قراءة 4 دقيقة

 منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر، وقوات الاحتلال تمعن في التنكيل بالفلسطينيين بكافة الأساليب الوحشية، وعلى مستوى الاعتقالات، ابتكرت إدارة الحرب الصهيونية عدة آليات جديدة لقهر وتعذيب المحتجزين؛ فمن افتتاح معسكرات اعتقال جديدة، إلى الظروف الوحشية في الاحتجاز والتعذيب، إلى تغيير جذري في طريقة الاعتقال وأسبابه ودوافعه، إلى العدد الهائل من المحتجزين، وتوجت تلك الآليات بإنشاء "ريكيفت"، الاسم الأكثر رعباً في قاموس الاعتقال.

جناح "سرّي"

حتى وقت قريب، لم يكن وجود جناح ريكيفت معلوماً، ولم يعلن عن مكانه سوى مؤخراً، بعد تسريبات متتالية من وسائل الإعلام العبرية، وبعض الشهادات المسربة مع محامين مطلعين، وعلى مراحل تمّ الكشف عن بعض التفاصيل، ففي البداية تم الإفصاح عن أن بعض المحتجزين من عناصر المقاومة، يتم إفراد مكان سري مخصص لهم، ثم تم تحديد هوية هؤلاء المحتجزين بأنهم عناصر من "النخبة" التابعة لحماس، و"قوة رضوان" التابعة لحزب الله، ثم تم تحديد المكان بأنه أسفل سجن "أيالون" بالرملة، وتوالت التسريبات حتى اتضحت الصورة الكاملة لذلك المكان الرهيب.

منشأة تجريبية سرية

تم افتتاح ريكيفت في أيلول/سبتمبر 2024 كمنشأة تحت الأرض، تقبع تحت سجن أيالون، وملحقة به، مزودة بكاميرات مراقبة متقدمة، وكأول وحدة تكتيكية من نوعها في مصلحة السجون الإسرائيلية، تقع تحت حراسة مشددة، وتدار بتدابير أمنية صارمة، كما يعتبر "نموذجاً تجريبياً" تغلفه السرية التامة، وتحتوي على أقسام خاصة، مصممة لتكون تحت الأرض بالكامل، معزولة عن شبكة السجون العامة.

في تصريحات إعلامية، أفاد قائد الجناح أن المعتقلين المحتجزين شاركوا في هجمات السابع من أكتوبر، وهم من بين "أخطر المعتقلين"، الذين تم انتقاؤهم بعناية من بين بقية المحتجزين، ونُقلوا إلى قسم ريكيفت الذي أقيم خصيصاً لعزلهم.

إجراءات صارمة

تسري الإجراءات الأمنية المشددة حتى على الحراس في الجناح، فهم لا يستخدمون أسماءهم، بل بطاقات تعريف بأرقام وأسماء عملياتية فقط، حفاظاً على السرية، ويخضعون لتدريب نفسي خاص، ويتلقون تعليمات تشدد على أن يبقوا في "حالة استنفار دائم"، دون انفعال أو رد فعل، وتعتبر المنشأة وحدة منقطعة تماماً عن العالم الخارجي، ولا يسمح للمعتقلين بمغادرة الجناح لأي غرض كان، بما في ذلك مقابلة المحامين أو تلقي العلاج الطبي، أو حضور جلسات المحكمة؛ إذ يتم تنفيذ كل شيء داخل السرداب.

مقابر الأحياء

صممت زنازين ريكيفت لتكون أشبه بسردابٍ من إسمنتٍ بارد، مدفونٍ، وليس فيه نافذة واحدة تطل على الفضاء الخارجي، ولا فتحة تسمح بمرور الهواء، أو إضاءة الشمس، كما أنها ضيقة، ولا تفي سوى بقدر الضرورة اللازمة لإبقاء الجسد على قيد الحياة، وتظل مغلقة أربعاً وعشرين ساعة يومياً، باستثناء ساعة واحدة للخروج إلى ساحة إسمنتية صغيرة ومغلقة، تضيئها فتحة ضوء ضيقة في الأعلى بالكاد تتيح الرؤية، وفي مدة قصيرة يسمح لهم فيها باستخدام الحمام، والاستحمام في دقائق محددة، أو التنظيف، ويسمح لهم بالمشي، لكن يمنعون من الحديث، أو حتى تبادل النظرات، وخلال ذلك يتحرك كل منهم داخل خط مرسوم بدقة، ويخضع لمراقبة دائمة عبر منظومة ذكية تسجّل تحركاته، وتقيس نبضه، وحرارة جسده، ومؤشرات انفعاله.

في تلك الساحة/ القبو، وضعت على الجدران صور كبيرة لدمار غزة ترى بوضوح، كجزء من تصميم الجناح، ونوع من التعذيب النفسي برؤية غزة المدمرة بسبب "ما جنته أيديهم" كما يقول لهم السجانون.

يعاني المحتجزون من سوء الطعام، وقلة النظافة، وتفشي الأمراض، ومنع الدواء، هذا الواقع المُمرض بالنسبة لشخص سليم، لكن كل من يقبعون في ريكيفت، جاؤوا بإصابات وجروح جراء التعذيب أثناء التحقيق، وأمراض وضعف وهزال نتيجة سوء التغذية والإهمال الممنهجين، في معسكرات الاعتقال التي أحضروا منها، وقد سُجلت حالات لاستشهاد عدد غير قليل منهم، في ظروف يمنع معها اتخاذ أي إجراء لإنقاذهم، ويتلقى الحراس تعليمات بذلك حتى لو تدهورت صحة أحدهم أو لفظ أنفاسه الأخيرة، ولا يُسمح بأي مظهر من مظاهر التعاطف أو التفاعل الإنساني.

تجربة للتعميم

تدّعي بعض مصادر الإعلام العبرية، أن القسم لا يزال في مرحلة "تجريبية"، لكنه يبدو أقرب إلى مشروع طويل الأمد، ويحظى باهتمام ودعم ومتابعة، وتعتبره وسلطات الاحتلال نجاحًا في احتواء أسرى المقاومة "دون مخاطرة"، ودون تبعات المآلات القانونية والحقوقية، وبعيداً عن أعين الرقابة، بل وتحاول التوسع في نموذج ريكيفت، وضمه لمنظومة متكاملة معزولة عن باقي السجون وهو ما يمثل نقلة خطيرة في عقيدة الاعتقال الإسرائيلي، تتجاوز المفهوم العقابي، إلى نمط من الإخفاء القسري المتجاوز لكل قانون.

مواد مشابهة