الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

بين زنازين الاحتلال وأنفاق غزة ، من يُجوّع الأسرى ؟!

5 أغسطس 2025 قراءة 10 دقيقة

جلسة طارئة عُقدت بالأمس في مجلس الأمن الدولي بطلب من الاحتلال لمناقشة أوضاع الرهائن الإسرائليين المحتجزين لدى المقاومة في غزة ، استندت فيها إلى مقاطع نشرتها المقاومة لعدد من الأسرى الاسرائيليين من بينهم إفياتار ديفيد وروم براسلفسكي، وتُظهر تدهورًا في صحتهم حيث يعانون من هزال حاد ونقص في الغذاء ، وفي الوقت الذي يروّج فيه الاحتلال الإسرائيلي لمزاعم تجويع المقاومة الفلسطينية للأسرى الإسرائيليين خلال احتجازهم في قطاع غزة، تفضح الوقائع اليومية في سجون الاحتلال سياسة التجويع المتعمدة بحق آلاف الأسرى الفلسطينيين، بما فيهم الأطفال والمرضى والنساء ، في ممارسات تصنّف كجرائم إنسانية ممنهجة تتجاوز في قسوتها كل ما تدّعيه سلطات الاحتلال.

 

المفارقة تكمن في أن من يُجَوِّع آلاف الأسرى الفلسطينيين اليوم، يطالب العالم بإدانة مقاومة تُحاصَر منذ سنوات ، وبات الاحتلال الذي يُتّهم بتجويع آلاف الأسرى الفلسطينيين بشكل ممنهج، يسعى لتسويق نفسه كضحية، في مشهد يفضح الازدواجية الدولية في التعامل مع القضايا الإنسانية.

يُطالب الاحتلال اليوم بضرورة السماح لمنظمة الصليب الأحمر الدولي بإدخال الطعام والدواء للأسرى الإسرائيليين متباكياً على أوضاعهم ومتجاهلاً في ذات الوقت بل منكراً للمجاعة الحاصلة في قطاع غزة وسياسة التجويع الممنهجة المتبعة داخل سجونه بحق الآلاف من الأسرى الفلسطينيين .

ادعاء الاحتلال حول "تجويع" الأسرى الإسرائيليين

مع بداية حرب أكتوبر / تشرين أول 2023 ، واحتجاز عدد من الجنود والمستوطنين داخل قطاع غزة، أطلقت دولة الاحتلال سلسلة من التصريحات الإعلامية والدبلوماسية تتهم فيها المقاومة بـ"حرمان الأسرى من الطعام والدواء"، وتحدثت عن "أسرى خرجوا بنقصان وزن ملحوظ" ، مع تداول إعلامها تقارير عن بعض الأسرى الاسرائيليين الذين خرجوا ضمن صفقات طوفان الأحرار ممن  فقدوا من 10 إلى 20 كغ من وزنهم، دون تقديم توثيق طبي محايد أو تقارير صادرة عن منظمات دولية مستقلة تؤكد هذا الادعاء .

صحيفة يديعوت أحرنوت الاسرائيلية نشرت في نيسان / إبريل 2024 تقريراً لها عن نقص وزن أسرى إسرائيليين عادوا من غزة غير أنها لم تُقدم أي صور دقيقة أو تقارير طبية تُفنّد إدعاءاتها ، كما أنّ إذاعة جيش الاحتلال صرّحت أكثر من مرة بأن الأسرى الإسرائيليين كانوا " على قيد الحياة فقط " وهو توصيف يفتقر تماماً للحقائق الطبية .

كما نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصادر أمنية قولها إن "إدارة السجون الإسرائيلية قلصت بشكل كبير كميات الطعام للأسرى الفلسطينيين، منذ السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023 .
ووفق الصحيفة، تم توجيه انتقادات حادة إلى مصلحة السجون ، ونقلت الصحيفة عن الوزير المتطرف بن غفير أنه أدّعى أن الإجراء "رادع"، موضحة أنه تفاخر في أكثر من مناسبة بالأشهر الماضية بأنه يقف وراء خفض حصص الغذاء التي تُقدم للمعتقلين الفلسطينيين.

في المقابل ، ظهرت صور الأسرى الإسرائيليين المحررين التي بثّها الاحتلال نفسه، أن كثيرًا منهم بدوا بصحة جيدة مقارنة بحالة أسرى فلسطينيين خرجوا بحالة تُثبت بالصورة القاطعة تعرضهم للتجويع والاهمال الطبي والحرمان من العلاج .

حتى اللحظة ومع إدعاءات الاحتلال بتجويع أسراه ، لم تنشر أي منظمة دولية تقاريراً تُؤكد تعرُّض الأسرى الإسرائيليين للتجويع المنهجي ، بينما هناك العشرات من التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والمؤسسات الحقوقية الفلسطينية التي تُؤكّد بالدليل القاطع تعرض الأسرى الفلسطينيين لسياسة التجويع الممنهج التي اعتمدتها إدارة مصلحة السجون بحق الأسرى الفلسطينيين ومنها تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي صدر في يوليو 2024 ووثّق عدداً من الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين والتي أظهرت حرمانهم من الطعام والعلاج مع استخدام التعذيب والتنكيل والضرب بشكل ممنهج ومستمر ، كذلك أصدرت منظمة أمنستي في نهاية 2023 تقريرًا تضمن شهادات من 27 أسيرًا أُفرج عنهم يُفصحون عن تعرضهم لتعذيب وحالات تجويع كوسيلة لقمع إرادتهم، ووصف حالات التجويع بأنها " مروعة " .

منظمة أطباء لحقوق الإنسان - إسرائيل وثّقت سابقًا تراجعًا حادًا في القيم الغذائية للوجبات المقدمة في السجون، خاصة بعد تشديد الإجراءات عقب عملية "طوفان الأحرار"، إذ تم تقليص كميات الطعام والخضار والفواكه، ومنع الأسرى من إدخال المواد الغذائية من خلال الكنتينا.

أمّا المفوضية الدولية المكلفة بالأراضي الفلسطينية للمجلس الدولي لحقوق الإنسان فقد أكدت أن اسرائيل تُرتكب جرائم حرب تشمل التعذيب، القتل، التجويع، الاعتقال التعسفي، والحرمان من الغذاء كوسيلة حرب أو للضغط النفسي على الأسرى الفلسطينيين ، وقيامها بأعمال تضمنت العنف الجنسي والجسدي والتجويع وممارستها لسياسات وانتهاكات تهدف إلى إذلال الأسرى الفلسطينيين جسدياً ونفسياً ، هذا وقدمت المفوضية أكثر من 7,000 دليل للجنائية الدولية في 2024–2025 .

أما عن تقارير المؤسسات الفلسطينية فقد أشار المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى أنّ الاحتلال لا يُوفر الحد الأدنى من الغذاء المتوازن والصحي للأسرى، وهو ما يتنافى مع اتفاقيات جنيف وقواعد السجون الدولية، كما أشارت التقارير الدورية لهيئة شؤون الأسرى والمحررين ومن خلال زيارات أطقمها القانونية أنّ ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيين من تطبيق سياسة التجويع بحق الأسرى وخاصةً من بعد 7 أكتوبر / تشرين أول  2023 بأنها سياسات متعمدة وممنهجة بهدف كسر الأسرى الفلسطينيين وتحقيق القتل البطئ لهم ، حيث فقد بعض الأسرى أكثر من 30 كغ وأتيحت لهم حصص طعام لا تكفي حتى طفل صغير، وجاء هذا في شهادات مباشرة من قبل الأسرى أنفسهم .

كذلك وثّقت كلٌ من "عدالة" و"الضمير"، شهادات لأسرى فلسطينيين تُؤكد أنّ وجبات الطعام التي تُقدَّم للأسرى تفتقر إلى المعايير الصحية والكمية الكافية ، إذ تُقدَّم الوجبة غالبًا باردة، رديئة النوعية، خالية من العناصر الغذائية الأساسية، بل وتكون في بعض الأحيان منتهية الصلاحية أو ملوثة.

اتبعت إدارة سجون الاحتلال ومنذ عقود سياسة ممنهجة تقوم على تقليص وجبات الطعام، وسوء نوعيته، وحرمان الأسرى من الأغذية الأساسية، مما يتسبب بنقص في الوزن، وضعف في المناعة، وانتشار الأمراض ، غير أنّ هذا الأمر زادت حدته من بعد السابع من أكتوبر و بحسب تقارير هيئة شؤون الأسرى والمحررين، فإن كثيرًا من الأسرى يفقدون بين 10 إلى 30 كغ خلال فترات الإضراب أو مع استمرار حرمانهم من الغذاء الصحي، دون أي تدخل طبي مناسب ، ففي عام 2024، استشهد الأسير خضر عدنان بعد 87 يومًا من الإضراب، وسط تجاهل كامل من سلطات الاحتلال، مما اعتُبر استخدامًا مباشرًا للتجويع كسلاح قتل.

سياسة التجويع التي انتهجتها إدارة مصلحة السجون بحق الأسرى الفلسطينيين لا تأتي من فراغ، بل استخدمتها وسيلة لكسر معنويات الأسرى، خاصة في فترات الإضرابات أو التوترات داخل السجون كما استخدمت الطعام كوسيلة "عقاب جماعي" في بعض الأقسام، عبر تقليص كمية الطعام، أو الحرمان من " الكانتينا " ، حيث منعت إدارة السجون الأسرى من شراء المواد الغذائية من " الكانتينا " والتي كان يعتمد عليها الأسرى بشكل أساسي في سدّ الفجوة في التغذية ، واستخدمت هذا المنع كإجراء عقابي بعد الاحتجاجات، أو حتى دون سبب واضح، مما يحوّل الأسرى إلى ضحايا سياسة تجويع مركبة: غذاء السجن السيئ، وحرمان من الشراء.

في الوقت الذي يتباكى فيه الاحتلال على أسراه داخل غزة لم يتحدث عن سياسة التجويع الممنهجة التي اعتمدها في عقاب الأسرى الفلسطينيين والتي أدت إلى خسارة الكثيرين منهم لأوزانهم مع ظهور الأمراض المختلفة دون توفير علاج مناسب لها .

 شهادات وأمثلة توثق التجويع

في شهادته ، يقول أحد الأسرى المفرج عنهم : " في بعض الأحيان كنا نكتفي بشرب الماء والنوم ، لأن الطعام إما غير صالح للأكل أو لا يكفينا كأربعة شباب بالغين في الزنزانة " .

كل من خرج من سجون الاحتلال ، بانت عليه معالم التجويع والإرهاق والتعب ، المحرر محمود عيسى من مدينة نابلس ، الذي أفرج عنه ضمن صفقات التبادل لعملية طوفان الأحرار ، أكّد في شهادته لمؤسسة العهد الدولية أن أبرز الانتهاكات التي عانى منها الأسرى داخل السجون كانت التجويع والحرمان من الغذاء المناسب وهو ما سبّب تفاقم الكثير من الأمراض بين الأسرى ، فالطعام في زمن الحرب كان واحدا، وهذه سياسة ممنهجة اتبعتها إدارة السجون بالإعدام عن طريق الطعام، فنوعيات الطعام وكميات الطعام التي قدمت للأسرى كانت بناء على قرار سياسي واشراف من خبراء تغذية ضمن خطة وآلية تم تسليمها لمدراء السجون تحت معادلة ألا تبقى صحة الاسرى طبيعية وصحية وهناك العديد من الأسرى الشهداء استشهدوا نتيجة سياسة التجويع الممنهجة.  

وأضاف عيسى أن جميع الأسرى بلا استثناء، خسر كل واحد منهم ما لا يقل عن 25 كيلوغرامًا ، إضافة إلى العديد من الأمراض التي اصابت الاسرى نتيجة قلة الطعام.

أما الأسير سامي جرادات (أسير حُرّر في فبراير 2025) ، وصف الطعام بأنه لا يكفي حتى طفل بعمر عامين، وقال إنه فقد أكثر من 30 كغ بسبب التجويع المتعمد، واصفًا الوضع بعد 7 أكتوبر بأنه تغيّر إلى تعامل " نازي " مع الأسرى الفلسطينيين .

الأسير المحرر معزز عبيّات من بلدة العبيّات شرق بيت لحم جنوب الضفة الغربية، كان قد اعتقل في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وأفرج عنه بعد اعتقال دام 9 أشهر، قبل اعتقاله، كان الأسير المحرر معزز عبيّات لاعب كمال أجسام ورفع أثقال، يعمل جزّارًا في القرية، ولا يعاني من أي أمراض، لكن المفارقة أنه بعد دخوله السجن، بات يعاني من كسور في قدميه، وحروق في مفاصل يديه وركبتيه، وبات جسده نحيلًا هزيلًا لا يقوى على المشي، ويردد أن أوضاع السجون مزرية، يتعرض فيها الأسرى للضرب المستمر الذي يصل إلى حدّ الموت، ويعانون فيه من الجوع الشديد، وانتشار الأمراض، والتهديد بالقتل بشكل متكرر، ما أدى لإصابته بصدمة أنسته من حوله، بحسب ما يوضحه شقيقه نقلًا عنه

ويعكس مشهد الأسير عبيّات حالة السجون الإسرائيلية التي دخلت مرحلة غير مسبوقة من التردي، وتحديدًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ "لا ماء ولا طعام يكفي لسد الجوع، وسط انتشار أمراض لا وجود لأدنى مقومات العلاج لها عدا عن كونها معدية وتنتشر في صفوف الأسرى

ازدواجية المعايير الدولية والإعلامية

بينما تنشغل الصحافة الغربية بنقل تفاصيل "معاناة" الأسرى الإسرائيليين، فإنها تتجاهل عمدًا أو تقلل من شأن الانتهاكات المستمرة بحق الأسرى الفلسطينيين، رغم توثيقها من قبل منظمات كـهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية ، و لا يتم الحديث عن التجويع القسري كأداة ضغط تُمارس بحق الأسرى الفلسطينيين بشكل دائم، بما في ذلك الأطفال الذين لا يُراعى في طعامهم الاحتياجات الصحية والنفسية.

من يُحاسب من؟

وفق تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، فإن شروط التغذية في السجون الإسرائيلية تقع تحت تصنيف "المعاملة القاسية واللاإنسانية"، وهي لا تتوافق مع الحد الأدنى من معايير الأمم المتحدة لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، والتي تنص على ضرورة أن يكون الغذاء كافيًا، متوازنًا، ومهيأً بشكل صحي.

ويقول تقرير منظمة أطباء لقوق الإنسان لعام 2023 : "النظام الغذائي المقدم للأسرى الفلسطينيين لا يفي بالحد الأدنى من القيم الغذائية اليومية، وهناك تقليص ممنهج للكمية والنوع، مما يؤدي إلى تدهور صحي طويل الأمد."

حتى اللحظة ووفقاً لما أعلنته مؤسسات الأسرى فقد تم الإعلان عن ما يقارب ( 76 ) أسير شهيد داخل سجون الإحتلال بسبب سياسات التجويع والتعذيب والتنكيل والحرمان من العلاج ، وهم من تم الإعلان عنهم بشكل رسمي ، أسرى لو قامت المؤسسات والمنظمات الدولية والحقوقية بدورها تجاههم ، لكانوا احياء ينتظرون الحرية والعودة الى حضن الوطن والعائلة .

التجويع في سجون الاحتلال ليس عرضًا عابرًا، بل سياسة مُخطط لها بدقة ضمن منظومة القهر والقتل البطيء التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون ، ومع صمت المؤسسات الدولية، وتواطؤ الاحتلال، يبقى الجوع أداة فتاكة خلف القضبان، تستهدف الأجساد ، ولا تزال تُمارس في بيئة إهمال طبي ممنهج، اعتقال تعسفي، وغياب للرقابة الدولية .

 إذا كان الاحتلال يعتبر نقص الوزن الذي ظهر على بعض الأسرى الإسرائيليين دليلًا على تجويع متعمّد، فماذا يُسمي إذًا السياسات الممنهجة التي تنفذها "مصلحة السجون الإسرائيلية" منذ عقود؟ هل التجويع جريمة عندما يُمارس ضد الإسرائيليين فقط؟

يتباكى الاحتلال على أسراه ، تاركاً خلفه أكثر من مليونين مجوّع غزي وأكثر من 10400 أسير فلسطيني يمنع عنهم الغذاء والدواء والعلاج ، وينتظرون من يحمل صوتهم عالياً في أروقة الأمم المتحدة علّهم يجدون عدالة وانسانية تُنصفهم يوما ما .


 

مواد مشابهة