الأحد 10 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

مفقودو غلاف غزة: الحلم الذي انقلب كابوسا

26 يوليو 2025 قراءة 6 دقيقة

منذ السابع من أكتوبر 2023 ومع اندلاع الحرب ، فقدت آثار عدد من المدنيين الفلسطينيين الذين دخلوا المنطقة مع بدء الأحداث، دون معرفة مصيرهم حتى اليوم.

رغم صفتهم المدنية وعدم مشاركتهم في الأعمال القتالية، إلا أن مصيرهم ظل مجهولا، وأدرجوا ضمن ملف المفقودين الفلسطينيين، الذي ما زال مفتوحا على آلام مستمرة وجراح لم تغلق.

أرقام مخيفة تتحدث عن الكارثة

في قلب المجازر اليومية يقف ملف المفقودين شاهدا حيا على عمق المأساة، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد المفقودين في غزة يتراوح بين 8,000 و11,000 شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، بينما قدرت الهيئة العامة للإحصاء الفلسطينية أن نحو 6,000 إلى 8,000 شخص ما زالوا تحت الأنقاض خارج التصنيف الرسمي للضحايا.

أما المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان فأكد في تقريره أن هناك ما لا يقل عن 13,000 شخص إما دفنوا تحت الركام أو اختفوا قسرا في ظروف غامضة.

وقالت منظمة "أنقذوا الأطفال" الدولية (Save the Children) إن ما بين 17,000 و21,000 طفل يصنفون في عداد المفقودين، بعضهم فقد مع عائلاتهم وآخرون بعد استهداف مدارس ومراكز إيواء.

وتؤكد تقارير محلية ودولية متقاطعة أن أعدادا من المفقودين تعرضوا لعمليات إخفاء قسري بعد دخولهم مستوطنات الغلاف وسط ترجيحات باستخدام بعضهم كـدروع بشرية من قبل الجيش الإسرائيلي.

كما تشير شهادات ميدانية إلى وجود مقابر جماعية في مناطق مختلفة من القطاع ما يعكس حجم الانتهاكات ومحاولات إخفاء جرائم القتل والتصفية. وفي أعقاب انسحاب الاحتلال من مستشفى ناصر في خان يونس تم اكتشاف مقبرة جماعية تضم مئات الجثث، بعضها مقيد الأيدي. وفي مستشفى الشفاء، فقد المئات خلال إجبار المرضى والكوادر على الخروج قسرا دون توفير ممرات آمنة، في ظروف يشتبه بأنها جريمة اختفاء قسري جماعي.

 شهادات حية رصدتها مؤسسة العهد الدولية

وثقت مؤسسة العهد الدولية عبر مقابلات ميدانية وشهادات عائلية، العديد من الحالات لأشخاص فقدوا بعد دخولهم غلاف غزة. وضمن عملها التوثيقي والإنساني، تواصلت المؤسسة مع عدد من عائلات المفقودين الذين ما زالوا ينتظرون أي بصيص أمل. من بين هذه الشهادات، شهادة فاطمة زمزم، زوجة المفقود سليمان زمزم، التي روت تفاصيل اختفائه.

صباح السابع من أكتوبر، خرج سليمان زمزم، البالغ من العمر 41 عاما، برفقة جيرانه وأصدقائه من سكان مخيم المغازي، في محاولة للاقتراب من مشهد غير مسبوق ظن أنه لن يتكرر. انطلق بسيارته المدنية في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف، وكانت الأجواء تعج بالمدنيين والفرح. إلا أنه لم يعد منذ ذلك اليوم، تاركا خلفه زوجته وأطفاله السبعة ينتظرون أي خبر.

أفاد بعض الجيران بأن سليمان استشهد، بينما قال آخرون إنه معتقل ويحتجز في سجن عوفر، لكن زوجته تؤكد أنه لا توجد أية معلومات دقيقة تؤكد أيا من الروايتين. منذ ذلك اليوم، تغيرت حياة فاطمة زمزم كليا، بعدما أصبحت المعيل الوحيد لأبنائها في ظل ظروف النزوح والجوع والحصار. تقول بأسى: "تعبت من عدم إجابتي على سؤال أبنائي: هل سيعود والدي؟ خاصة ابني الصغير أحمد، الذي يبكي من منتصف الليل حتى الفجر وهو يردد: وين بابا؟" وتضيف أن ابنتها سمر، ذات الست سنوات، لا تحتمل غياب والدها، وتبكي طوال النهار قائلة: "بدي بابا، والله اشتقتله، طول الغيبة علينا."

تحاول فاطمة أن تملأ الفراغ الذي خلّفه غياب الأب، لكنها تعترف بصعوبة المهمة قائلة: "عائلتنا ناقصة بدونه، وأنا بحاجة إليه أكثر من الأولاد." وتقضي يومها وسط الأسئلة المعلّقة والسيناريوهات التي تنهكها: هل استشهد؟ هل هو معتقل؟ كم ستطول غيبته؟ وهل سيراه أطفاله مجددا؟ وتختم شهادتها قائلة: "أتمنى من الله أن يرشدني الإجابة تعبت من التفكير والتشتت".

وفي شهادة أخرى قالت والدة المفقود محمد بكر أبو لبن، من حي الزيتون شرق مدينة غزة، إن ابنها البالغ 24 عاما خرج في ذلك اليوم إلى مناطق الغلاف "ليشوف شو بصير"، مضيفة: "راح يطالع يلمح أرضنا من بعيد، بس ما رجع. من يومها لليوم ما عنا أي خبر عنه، لا شهيد، ولا معتقل، ولا حي، ولا ميت. تواصلنا مع الصليب الأحمر وكل المؤسسات، لكن ما في جواب، وما حدا بيعرف عنه شي."

وتتابع الأم المنكوبة شهادتها: "هذه أول فاجعة لي في ذلك اليوم، إلى أن جاءت الكارثة الثانية وفقدت ابني فيصل، ابن 16 عاما، الذي ذهب ليحضر لنا الطحين من دوار النابلسي. سمعنا عن المجزرة هناك، فذهبت للمشافي لكن بدون فائدة لا جثة، ولا خبر، ولا معتقل، لا أعرف إن كان في السماء أو تحت الأرض"

وقالت بصوت تخنقه الحسرة: "أنا مش قادرة أحط نقطة النهاية، محمد وفيصل أسماءهم مش طالعة لا بين الشهداء ولا بين المعتقلين ولا حتى في القوائم اللي بنسمع عنها كل يوم. من وقتها وإحنا بنعيش على الوهم، بنحاول نصدق إنّه ممكن يرجعوا، نسمع صوتهم أو حتى نعرف وين جثمانهم، أولادي مش مفقودين بس، هما مسروقين من قلبي"

مؤسسة العهد: عائلات المفقودين تطالب بكشف المصير وسط شهادات حية ووجع مستمر

في الوقت الذي يدفن فيه الركام بلا أسماء، وتمضي الأيام بلا قوائم حصر دقيقة، لا تزال عشرات العائلات الفلسطينية تبحث عن أبنائها المفقودين في قطاع غزة منذ أشهر الحرب الطويلة.

تقول مؤسسة العهد الدولية إن ملف المفقودين في غزة بات يمثل جرحا مفتوحا يتطلب تحركا فوريا وسط تقاعس الجهات المعنية محليا ودوليا في تتبع الأثر وكشف المصير.

مؤسسة العهد التي تابعت هذا الملف  أشارت إلى أن عددا من الشهادات التي وثقتها تعود لعائلات فقد أبناؤها أثناء الاجتياحات أو القصف الجوي أو أثناء محاولتهم النزوح من مناطق الخطر، دون أن يعثر لهم على أثر في السجلات الرسمية أو في تقارير الجهات الطبية والدفاع المدني.

وأضافت المؤسسة أن معاناة العائلات لا تقتصر على ألم الفقد وإنما تشمل أيضا انعدام المعلومات، وغياب التنسيق بين الجهات، وتداخل احتمالات الموت بالأسر، أو بقاء المفقودين تحت الأنقاض دون قدرة على انتشالهم.

وشددت مؤسسة العهد على ضرورة فتح تحقيق دولي عاجل ومستقل في ملف المفقودين، ومطالبة الجهات الحقوقية والإنسانية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ببذل الجهود الميدانية والإدارية الممكنة لتقصي مصيرهم.

كما طالبت المؤسسة عائلات المفقودين بتوثيق كل ما يتوفر لديها من معلومات وشهادات وصور تتعلق بأبنائها في محاولة جماعية لملاحقة الحقيقة وكسر جدار النسيان.

الوجع لا يسقط بالتقادم والغياب لا يصير موتا إلا إن شيدت له شواهد، أو نزل فيه اسم في قائمة رسمية. وحتى يتحقق ذلك تبقى العائلات شاهدة على وجعها حارسة لنداء لم يجب بعد.

ملف المفقودين في غزة  هو وجع يومي تعيشه الأمهات والآباء والزوجات والأبناء الذين ينتظرون على أبواب الصمت الموحش بين جدران منازل مهدمة وصور باهتة على جدران المخيمات وقلوب أمهات تنتظر، يتوارى ملف مفقودي غلاف غزة خلف ضجيج الحرب، لكنه لا يغيب عن الوجدان، هؤلاء الذين دخلوا بلادهم للحظة ثم اختفوا إلى الأبد.

مواد مشابهة