في خضم العمليات العسكرية الإسرائيلية، يزج بالفلسطينيين العزل في مواجهة الخطر كضحايا مجبرين على لعب أدوار لا إنسانية. يجبرون على دخول الأنفاق، ونقل أجسام مشبوهة، والتقدم في مناطق يحتمل قصفها في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
تقارير ميدانية وشهادات متواترة تؤكد أن جيش الاحتلال يتعمد استخدام المدنيين كدروع بشرية، لإبعاد الخطر عن جنوده، وتحقيق أهدافه العسكرية على حساب أرواح المدنيين الأبرياء فيها يتحول المدني إلى وسيلة حماية وإلى طُعم في ساحة قتال لا ترحم.
لكن الجريمة لا تنتهي بانتهاء المهمة، فكثير ممن استخدمهم الاحتلال في تلك المهام القسرية، اختفوا بعدها في غياهب المجهول؛ بعضهم استشهد، بعضهم أُسر، وآخرون فُقدوا دون أي أثر.
استخدام الأسرى كدروع بشرية: جريمة حرب موثقة بعدسات العالم
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر 2023، تصاعدت الأدلة المصورة التي توثق جريمة متكاملة الأركان يرتكبها جيش الاحتلال وهي استخدام المدنيين والأسرى الفلسطينيين دروعا بشرية لحماية جنوده في مناطق الاشتباك.
فيديوهات ومشاهد بثتها وسائل إعلام عالمية أظهرت جنود الاحتلال وهم يجبرون أسرى جرحى على اقتحام منازل مدمرة، والبحث عن متفجرات أو أنفاق، فيما تُثبّت كاميرات على أجسادهم للتحكم في حركتهم عن بعد. كما استخدم الاحتلال الأسرى كستار بشري خلال عمليات إطلاق النار، أو لإجبارهم على مناداة فلسطينيين آخرين للخروج من بيوتهم تمهيدا لاعتقالهم.
هذا السلوك الوحشي جزء من سياسة ممنهجة مارستها إسرائيل على مدى سنوات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعكس من جهة أخرى هشاشة الروح القتالية لدى جنود الاحتلال واعتمادهم على المدنيين كأداة وقائية.
القانون الدولي الإنساني يرفض بشكل قاطع هذه الممارسات، إذ تحظر اتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكولات الملحقة بها، استخدام أي شخص غير مشارك في القتال كدرع بشري، بما فيهم الأسرى والجرحى. وتنص المادة 7 من البروتوكول الإضافي الأول بوضوح على حظر استخدام الدروع البشرية، وتلزم اتفاقية جنيف لعام 1929 بإبعاد الأسرى عن مناطق الاشتباك تجنبا لتحويلهم إلى أدوات قتال.
وقد صنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هذا الفعل كـ "جريمة حرب"، ما يضع إسرائيل أمام مسؤولية جنائية دولية واضحة في حال توفرت الإرادة للمساءلة. إن استمرار الاحتلال في توثيق هذه الجريمة وتكرارها أمام أعين العالم دون رادع، يفضح تواطؤا دوليا مريبا، ويؤكد الحاجة العاجلة لمحاسبة إسرائيل أمام المحاكم الدولية حفاظا على ما تبقى من القيم الإنسانية والقانونية في هذا العالم.
شهادات حقوقية: الاحتلال والدروع البشرية
يؤكد منسق التحقيقات في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، بكر التركماني، أن الجيش الإسرائيلي خلال حربه المفتوحة على قطاع غزة، ارتكب الكثير من الجرائم، منها “جريمة الإبادة الجماعية، وجرائم مرتبطة باستخدام المدنيين كدروع بشرية، وهي مخالفات واردة في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويضيف التركماني: “وثقت الهيئة المستقلة ومؤسسات حقوقية أخرى، الكثير من الممارسات التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي، والمرتبطة باستخدام مدنيين كدروع بشرية سواء خلال اقتحام المجمعات الطبية أو المنازل، حيث استُخدم المواطنون من خلال إعطائهم كاميرات وربطها على رؤوسهم واقتيادهم عن بعد باتجاه أماكن محددة لفحصها”.
وأوضح رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، صلاح عبد العاطي، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل حرب الإبادة الجماعية بحق سكان قطاع غزة، وتنكل بالمدنيين وتستخدمهم دروعاً بشرية في عمليات التوغل البري. ونوه عبد العاطي أن: " قوات الاحتلال استخدمت بعض المدنيين دروعاً بشرية، ورصدنا اعتقال العشرات من المواطنين بعد تعرضهم للضرب والتعذيب، وتكرر الأمر أثناء مرور المواطنين من شارع صلاح الدين للتوجه إلى جنوب القطاع حيث استمر رصد قتل واعتقال عدد من المواطنين قرب الحواجز العسكرية الإسرائيلية".
كما بينت منظمة "بتسليم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان أن الجيش الإسرائيلي استخدم على مر السنين، وكجزء من سياسته الرسمية، فلسطينيين دروعاً بشرية، وأمرهم بتنفيذ أعمال عسكرية محفوفة بمخاطر حقيقيّة على حياتهم. وتؤكد المنظمة في بيانات منشورة عبر موقعها الإلكتروني، أن "الجيش الإسرائيلي أجبر مواطنين فلسطينيين على إزالة أجسام مشبوهة من الشارع؛ وعلى مناداة فلسطينيين مطلوبين ليخرجوا من بيوتهم من أجل اعتقالهم، وعلى الوقوف سواتر يختبئ وراءها الجنود أثناء إطلاق النيران، وغير ذلك".
كذلك، اتهمت منظمتا العفو الدولية وكسر الصمت” الإسرائيلية، الجيش الإسرائيليّ باستخدام المدنيين، ومن بينهم الأطفال، دروعا بشرية، لحماية تمركزات قواته أثناء التوغلات في قطاع غزة، وأيضا للسير أمام الآليات العسكرية لدى اقتحام منزل يُعتقد أنه مفخخ.
كما سبق واتّهم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إسرائيل بالاستمرار في استخدام الأطفال الفلسطينيين دروعاً بشرية وإجبارهم على العمل كـمرشدين”.
وفي تحقيق أجرته صحيفة "هآرتس" كشفت أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يستخدم الفلسطينيين، بينهم أطفال ومسنون، دروعًا بشرية في عمليات عسكرية بشكل منهجي لتمشيط الأنفاق والمباني في قطاع غزة. وعبر سلسلة شهادات من جنود وقادة ممن خدموا في الجيش الإسرائيلي، وأن الجيش يقوم بنقل شبان من غزة غير المشتبهين بكونهم "مسلحين" إلى وحدات مختلفة تابعة له؛ حيث يقوم باحتجازهم كمعتقلين، ثم يرسلهم لمرافقة قواته عند تفتيش الأنفاق والمنازل في القطاع.
دروع بشرية تحت التعذيب والتهديد: شهادات حية من جحيم الاحتلال
في واحدة من أبشع الجرائم التي ترتكب في وضح النهار، وُثّقت شهادات صادمة لفلسطينيين استخدمهم جيش الاحتلال الإسرائيلي كدروع بشرية في مناطق الاقتحام والاشتباك. روايات مؤلمة أدلى بها الضحايا لـمؤسسة العهد الدولية، تكشف حجم الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها إسرائيل بحق المدنيين والأسرى في خرق فاضح للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
محمد أحمد (18 عاما) من مدينة خانيونس يقول "كنت مع عائلتي في منزلنا حين حاصرونا منتصف مارس/آذار 2024، واقتادوني معتقلا دون توجيه أي تهمة. احتجزت أكثر من أسبوع وخلالها استخدموني كدرع بشري وكنت أتعرض للتعذيب والضرب والإهانة بشكل يومي". بهذه الكلمات استهل محمد شهادته لـمؤسسة العهد الدولية، مضيفا: "قيدوني بالأصفاد، وأجبروني على السير أمام الجنود عبر أنقاض المدينة للبحث عن متفجرات يعتقدون أن (حماس) وضعتها. كانوا يجعلونني أتقدم عنهم خشية تفجير المكان بدلا من إرسال كلابهم المدربة أو المسيرات، كنت حافي القدمين أسير فوق الزجاج والمعدن والحجارة، ما تسبب لي بجروح عميقة. وفي إحدى المرات أُرسلت إلى شقة مشبوهة، فسمعت أحد الضباط يقول: (دعوه يدخل وسنراقبه عن بُعد، إذا انفجر المكان فليكن هو من يموت لا نحن)، ربطوني بحبل حول بطني ليتحكموا بحركتي من بعيد"
ويروي حازم (35 عاما) من سكان شمال القطاع تجربة مماثلة: "أجبرت على ارتداء زي الجيش الإسرائيلي، وخوذة عسكرية، وثبّتوا على جسدي كاميرا وسماعة. أُرسلت لتفتيش منازل مشبوهة تحت تهديد مباشر بالقتل. كانوا يصرخون بي، يضربونني في مناطق حساسة، ويجبرونني على دخول البيوت قبلهم، رافقتهم خلال الاقتحامات، وكنت أتحرك أمامهم كدرع حي، لم يكن لي أي خيار، مجرد الرفض كان يعني الموت الفوري"
أما مسعود أبو سعد (47 عاما) من سكان مدينة رفح فقد اقتيد بالقوة من منزله واستخدم كدرع بشري لمدة أسبوعين ويقول : "أجبروني على البحث عن أنفاق، والدخول إلى منازل لتفتيشها، توسلت إليهم أن لدي أطفالا وأريد العودة إليهم، لكنهم كانوا يضحكون ويصرخون: (إما أن تفعل أو تقتل)، تم نقلي بين عدة وحدات عسكرية، وكل واحدة كانت تكلفني بمهمات خطرة بينما يختبئون خلفي، أرسلوني إلى مناطق اشتباك حامية، ورافقتني طائرات مسيرة تراقب تحركاتي وتوجهني. لم أتناول الطعام أياما، حرمت من استخدام الحمام أو الاستحمام طوال مدة احتجازي كنت أعيش تحت تهديد الموت".
لم تقتصر جريمة استخدام الدروع البشرية على غزة وامتدت إلى الضفة الغربية، حيث مارست قوات الاحتلال ذات السياسة بحق الجرحى والأطفال في أكثر من موقع.
في 22 يونيو/حزيران 2024، وخلال اقتحام حي الجابريات في مدينة جنين، استخدمت قوات الاحتلال الشاب الجريح مجاهد فياض درعا بشريا. وثقت الصور قيام الجنود بتثبيته على مقدمة آلية عسكرية، والتجول به وسط الحي المشتعل بالاشتباكات، في مشهد صادم هز مشاعر الفلسطينيين ولاقى إدانات واسعة، دون أن يتحرك أي تحقيق دولي فعلي.
وفي 5 و6 مايو/أيار 2024، وخلال اقتحام مخيم طولكرم للاجئين، استخدمت قوات الاحتلال ثلاثة أطفال فلسطينيين كدروع بشرية أجبرهم الجنود على التقدّم أمام القوات في أزقة المخيم، وعلى دخول منازل لتفتيشها، وفي حالتين وضعوا بنادقهم على أكتاف طفلين وأطلقوا الرصاص من فوق أجسادهم هذه الشهادة المروعة كشفتها عائلات الأطفال الذين يعانون حتى اليوم من اضطرابات نفسية عميقة وصدمة شديدة جراء ما مروا به. ما بين غزة والضفة تتكرر الجريمة ويعاد السيناريو ذاته، فلسطينيون يُزجّ بهم في وجه الموت ويُستخدمون كوسائل حماية بشرية لقوات الاحتلال في الميدان.
مؤسسة العهد الدولية تؤكد أن هذه الجرائم تستدعي تحركا دوليا عاجلا لمساءلة الاحتلال الإسرائيلي على انتهاكه الصارخ لحقوق الإنسان، ورفضه المتكرر للامتثال للقانون الدولي مشيرة أن الصمت على هذه الجرائم هو تواطؤ والعدالة المنتظرة تتحقق بالفعل وفتح الملفات في المحاكم الدولية.
في كل شهادة حيّة رواها ناجٍ، هناك عشرات القصص الأخرى انتهت بالصمت والفقد، من أولئك الذين قادوا الجنود نحو منازلهم، مكبلين أو مكرهين، من لم يعودوا أبدا، البعض دفن تحت الأنقاض، وآخرون لم يُسجّلوا في أي قوائم، ولا عادت جثامينهم، ولا بقايا أسمائهم، هكذا يتحول الأسير أو الجريح الفلسطيني إلى درع بشري، ثم إلى مفقود لا يعرف مصيره أحد، إنها جريمة تتجاوز حدود القتل لتغتال الإنسان مرتين: مرة حين يُستخدم، ومرة حين يُمحى أثره.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...