السبت 20 يونيو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

شهادات من سجن الدامون: أسيرات تحت القيد والقمع

9 يوليو 2025 قراءة 6 دقيقة

منذ اندلاع عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، تصاعدت وتيرة الانتهاكات بحق الفلسطينيين، ولم تكن الأسيرات الفلسطينيات بمعزل عن هذا الجحيم. ففي سجن الدامون تحتجز عشرات النساء من مختلف المناطق الفلسطينية، تتكشف تفاصيل صادمة عن واقع قاس من التنكيل والتعذيب النفسي والجسدي وسط غياب الرقابة الدولية وتواطؤ الصمت العالمي. 

هذا التقرير يوثق واقع الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون ويرصد أبرز الانتهاكات التي تتعرض لها الأسيرات من التفتيش العاري، والإهمال الطبي، وسياسة التجويع، إلى الحرمان من أدنى الحقوق الإنسانية، ويقدم صورة حقيقية لمعاناة نساء فلسطين خلف القضبان. 

الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال: أرقام تروي فصول المعاناة  

في ظل استمرار الانتهاكات بحق الأسيرات الفلسطينيات، تكشف الأرقام عن واقع إنساني بالغ القسوة داخل سجون الاحتلال. حتى اللحظة يبلغ عدد الأسيرات 47 أسيرة، بينهن أسيرتان من قطاع غزة، إحداهما الأسيرة المسنة سهام أبو سالم (66 عاما)، والتي تعاني من ظروف صحية صعبة. من بينهن، 31 أسيرة ما زلن موقوفات دون محاكمة، و10 يخضعن للاعتقال الإداري دون تهم واضحة. وتشمل القائمة 15 أما محرومات من أطفالهن، وأسيرتين قاصرتين، إضافة إلى حالتين موثقتين لأسيرات مصابات بالسرطان في ظل غياب الرعاية الطبية الكافية. كما تقبع داخل السجون أسيرتان حاملان وسط ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحياة. 

ورغم كل ذلك، يصر الاحتلال على استثناء أسيرتين معتقلتين منذ ما قبل 7 أكتوبر من أي صفقة تبادل محتملة، وهما شاتيلا أبو عيادة وآية الخطيب في استمرار واضح لسياسة التنكيل والتجاهل المتعمّد لمعاناة الأسيرات. 

انتهاكات متصاعدة: شهادات حية من داخل سجن الدامون 

تكشف شهادات لأسيرات فلسطينيات يقبعن في سجن الدامون عن حجم المعاناة والانتهاكات الجسيمة التي يتعرضن لها يوميا، في ظل سياسة متصاعدة من الإهمال الطبي، والتنكيل الجسدي والنفسي، وسوء المعاملة، بما يشمل التفتيش العاري، الحرمان من الحقوق الأساسية، وغياب الخصوصية. 

الأسيرة فداء عساف أم ومصابة بالسرطان من بلدة كفر لاقف قضاء قلقيلية، اعتقلت بتاريخ 24 فبراير 2025 أثناء عودتها من العلاج، وتعرضت لتفتيش عار وشتائم نابية. نقلت إلى زنزانة موبوءة تفتقر للطعام والماء، مليئة بالحشرات ما تسبب في تدهور حالتها الصحية وارتفاع مؤشرات المرض مجددا. 

من جهتها روت الدكتورة والناشطة انتصار العواودة، المعتقلة منذ 13 مايو 2025، تفاصيل صادمة عن ظروف اعتقالها، بدءا من التحقيق في المسكوبية وسجن الشارون، حيث تعرضت للعزل، والتجويع، والتنكيل الليلي. تقول: "أخذوا ملابسي الداخلية، ولفيت جسمي بالحرام 15 يوم، الحمامات ملوثة والمجاري مكشوفة، والطعام مثلج وغير صالح للأكل". 

في المقابل تعيش الأسيرتان دعاء بدوي وزهراء كوازبة، وهما في الشهر السابع من الحمل، أوضاعا مأساوية في سجن الدامون وسط غياب تام للرعاية الصحية والغذاء الكافي ما يشكل خطرا كبيرا على حياتهن وحياة الأجنة. 

أما الأسيرة بشرى قواريق، فقد حرمت من حريتها قبل زفافها بشهرين، بعد اقتحام منزلها ليلا بطريقة وحشية، أجبرت خلالها على الخروج بملابس النوم، وتعرضت لمصادرة مقتنياتها وتفتيش مهين في مركز تحقيق "هشارون"، قبل أن تنقل إلى الدامون حيث تعاني من ظروف لا إنسانية وانتهاك خصوصيتها. 

ولم تسلم الطالبات الجامعيات من القمع، إذ اعتقلت الشابة لين مسك فجر 5 آذار 2025، من منزلها، واقتيدت من بين يدي والدتها إلى زنازين التحقيق، حيث تعرضت للتفتيش القاسي، والشتم، والحرمان من حقها في التعليم. في 24 حزيران، نقلت إلى العراء مكبلة ومعصوبة العينين، برفقة أسيرات أخريات في ظل حرارة الشمس الحارقة. 

تجسد هذه الشهادات الوجه الحقيقي لمعاناة الأسيرات الفلسطينيات داخل سجون الاحتلال وتكشف عن سياسات ممنهجة تستهدف كرامتهن، صحتهن، وحقوقهن الأساسية في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية. 

نمط ممنهج من القمع والتعذيب في سجن الدامون 

تشير شهادات الأسيرات وتقارير حقوقية عدة ومؤسسات معنية بقضية الأسرى إلى تصاعد الانتهاكات بحق الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون، حيث تتكرر ممارسات التفتيش الجسدي العاري المهين، والإهانة اللفظية المستمرة، إلى جانب الحرمان من الغذاء الكافي، والملابس ومستحضرات النظافة الأساسية. تمارس إدارة السجن تهديدات مستمرة بالاعتداء أو إعادة الاعتقال مع إهمال طبي متعمد رغم معاناة العديد من الأسيرات من أمراض مزمنة. 

وفق تقارير "هيومن رايتس ووتش"، أصبح الدامون رمزا لانتهاك حقوق النساء، إذ تعاني الزنازين من الاكتظاظ الشديد، وحرمان الأسيرات من التواصل، وتخزين الأدوية بشكل غير ملائم.  كما وثقت منظمة "بتسيلم" أن 70% من المحررات تعرضن لتعذيب جسدي مباشر. 

وتؤكد مؤسسات الأسرى استمرار الانتهاكات اليومية التي تسلب الأسيرات أبسط حقوقهن، منها الحرمان من مستلزمات النظافة الشخصية والنسائية، نقص الملابس مما يزيد من معاناتهن في غياب أي بدائل. كما تم تقليص وقت "الفورة" إلى 20 دقيقة يوميا فقط، وهو وقت لا يكفي سوى لاستخدام الحمام والتنفس قليلا خارج الزنازين. 

الأسيرات معزولات بالكامل، خصوصا منذ إعلان الاحتلال حالة الطوارئ في السجون، حيث منع المحامون من زياراتهن، مما أدى إلى تفاقم شعور العزلة والقطع عن التواصل مع عائلاتهن. وتنفذ إدارة السجن تفتيشات ليلية مفاجئة تقتحم خلالها الغرف وتصادر مقتنيات الأسيرات وسط أجواء من الترهيب والإهانة. 

اعتقال وإخفاء قسري: العام الأكثر دموية بحق النساء الفلسطينيات 

 يشكل العام الجاري الممتد منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، الأكثر دموية بحق النساء الفلسطينيات، في ظل تصاعد غير مسبوق في سياسات الاعتقال والإخفاء القسري التي تنتهجها سلطات الاحتلال. 

وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، فقد تجاوز عدد حالات الاعتقال بين صفوف النساء منذ بدء العدوان الإسرائيلي أكثر من 560 حالة، شملت نساء من الضفة الغربية بما فيها القدس، وداخل أراضي 1948. في المقابل، لا تتوفر تقديرات دقيقة لأعداد النساء المعتقلات من قطاع غزة، نتيجة سياسة الإخفاء القسري والتعتيم على أوضاعهن، ومنع الزيارات وغياب التوثيق. 

وأشار نادي الأسير إلى أن هذا التصعيد الممنهج استهدف النساء من مختلف المناطق، دون استثناء القاصرات، وشمل أيضا اعتقال عشرات النساء كرهائن بهدف الضغط على أحد أفراد عائلاتهن لتسليم نفسه، وهي سياسة تشكل واحدة من أبرز الجرائم التي صعدتها سلطات الاحتلال منذ بداية الحرب. وأن غالبية المعتقلات جرى احتجازهن بزعم "التحريض" على مواقع التواصل الاجتماعي، في إطار سياسة رقابية ممنهجة تستخدم كأداة لتوسيع الاعتقال، وتمثل وجها آخر لجريمة الاعتقال الإداري في مسعى واضح لقمع حرية الرأي والتعبير وتقييد الحريات العامة. 

من جهتها أكدت مؤسسة العهد الدولية أن الأسيرات الفلسطينيات يعانين أوضاعا مأساوية في سجن الدامون في ظل القمع الجماعي والعزل التام عن العالم الخارجي إلى جانب حرمانهن من أبسط الحقوق الصحية والإنسانية. ودعت المؤسسة كافة الهيئات الحقوقية والإنسانية إلى التحرك العاجل لفضح هذه الانتهاكات، ومحاسبة سلطات الاحتلال على جرائمها بحق النساء، والعمل الجاد من أجل الإفراج الفوري عن الأسيرات دون قيد أو شرط. 

وفي ظل صمت المجتمع الدولي، تواصل سلطات الاحتلال ارتكاب جرائم ممنهجة بحق الأسيرات الفلسطينيات، حيث تتحول السجون إلى مراكز تعذيب نفسي وجسدي، وما يجري في الدامون وصمة عار على جبين العدالة الدولية التي لا تزال تغض الطرف عن معاناة نساء يواجهن القيد بالعزيمة والقهر بالصمود. 

 

 

مواد مشابهة

مئة يوم من الفقدان:...

عد نحو 100 يوم من الفقدان والبحث، عاد الطفل أحمد الجرجاوي إلى عائلته بعدما اعتقد والده إبراهيم أنه استشهد. خلا...

15 يونيو 2026 اقرأ