الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

أدهم.. بائع الخضار مفقودً!

25 ديسمبر 2024 قراءة 3 دقيقة

 

غزة_ أمل حبيب

وجد نفسه في صدمة النزوح، خيمة، لا جدران، أين الفلاح، أين هي صباحات العمل، صوت الباعة، رفوف الفاكهة التي تصطف فوق بعضها في محل "عمو عماد"، الزبائن التي تطلب منه أن يوزن لهم كيسًا من الخضار الطازجة، يسأل نفسه أين أنا، متى أعود؟

ظلّت هذه التساؤلات تجتاح عقل أدهم رامي الديب 22 عامًا، حتى قرر البحث عن عمل في مدينة خانيونس حيث مكان نزوحه بعد أن ترك حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وتوجه جنوبًا تحت زخات الرصاص منتصف تشرين أول من العام الماضي.

بسطة خضراوات صغيرة بالقرب من مجمع ناصر الطبي في خانيونس، لا وجه شبه بينها وبين محل الفواكه والخضروات الذي كان يعمل به والمعروف وسط مدينة غزة بــ "عمو عماد"، لكنه حاول بناء حياة جديدة تشبه تلك التي عاشها قبل العدوان المستمر على غزة.

لم تكتمل فصول حياة أدهم الجديدة بسلام، فقد بات في عداد الآلاف من المفقودين خلال عام على إبادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

الغائب مفقود!

تشعر أم أدهم أن عليها الصراخ بشكل مستمر، تنادي باسمه عبر مكبرات الصوت فيتشقق جدار الفقد وينتهي صراعها مع سؤال قلبها الدائم " وينك يمه يا أدهم؟"

تقول والدته وقد سبق الدمع الكلمات:" ما بنعرف مصير ابني، آخر مرّة شفناه فيها بعد عيد الفطر، كان ببيع خضار عند مستشفى ناصر، اجتاح الجيش المكان وانقطعت أخباره عنّا".

لم تتوقف الأم عن السؤال عن أدهم بين أصحابه، بين العاملين في المشفى، جيران المنطقة، بحثت عنه بين وجوه المصابين والشهداء كذلك، وأبلغت الصليب الأحمر بفقدانه، مرّت ستة الأشهر لكنها لم تفقد الأمل.

ذات مرّة تواصلت معها احدى المستشفيات للتعرف على شهيد مجهول الهوية، لم تتردد، توجهت على الفور.

تحت غطاء الكفن كان وجه الشهيد، ترددت أن ترفعه دفعة واحدة، هل هذا أدهم فأرتاح هذه المرة من نار الولد المفقود، هل سأمسي اليوم أمُ الشهيد؟

كانت تعيش هذه الأم مع مزيج من المشاعر أمام كفن أبيض، لكنها استجمعت قواها وكشفت عن وجه الشهيد فكان رجلًا غريبًا لا تعرفه، غادرت أم أدهم المشفى، تحمل وجعها مجددًا، تبحث عن وجه ابنها مجددًا.

لم تكن هي المرّة الأولى التي يغيب فيها أدهم، حيث اعتقلته قوات الاحتلال لمدة عشرة أيام خلال حصار مستشفى ناصر الأول، ثم عاد لأمه التي ظنت أن الجيش قد أعدمه كما فعل مع العشرات هناك، لكنه عاد لحضنها وطمأنها أنه سيبحث عن عمل آخر بعيدًا عن المستشفى.

تسلل الخوف لقبلها بعد غياب أدهم مرّة أخرى خلال شهر مايو من العام الحالي، لم يعد كعادته نهاية الأسبوع لحضنها، لم يرو لها تفاصيل أسبوعه، لم يطرق باب شقيقاته وعلى كتفيه أكياس الخضراوات والفواكه كعادته.

تسرد الأم خصال ابنها، تؤكد أنه لا يحب الاتكالية، نشيط في عمله، ويحلم بالعودة لمنزلهم في حي الشجاعية، كان يقول لها:" أنا مخنوق يمه، بدي أنام على ركام بيتنا، بحلم أرجع".

"لو ابني شهيد فداءً لغزة، لو معتقل بهدا بالي عليه، ياريت أعرف عنه خبر" تحرقها العبرات، تخنقها وهي تتحدث عن حلمها بالاطمئنان على ابنها البكر أدهم.

أثقل من الحزن أن نأجله لأن الغائب مفقود، ولا تدري تلك الأم هل تبكي أدهم شهيدًا، أم معتقلًا، أم أنه عليها العيش على أمل عودته!

 

مواد مشابهة