عندما أعلن الاحتلال حربه الشعواء على قطاع غزة، فاجأ العالم كله بمقدار الإجرام والدمار الذي جلبه معه إلى هذه البقعة المحاصرة المغلوبة على أمرها، ومارس وحشية لم يتخيلها بشر، وعلى مرأى ومسمع من العالم المتخم بشعارات الحرية والإنسانية، الغارق وسط بروتوكولات النزاعات ومعاهدات حقوق الإنسان، كانت غزة تعاني كل أصناف الخراب، وتعاين كل أشكال الموت، حرفياً!
غير أن هذا كله لم يكن كل شيء، فهناك الكثير مما لا نعرفه، يختبئ بين أنقاض البيوت التي احتلها الجنود، وفي جدران بركسات الاحتجاز المؤقت، وبين سياج مراكز الاعتقال التي أقيمت خصيصاً لتكون نسخة مصغرة من الجحيم، وكل الشهادات التي يتم تسريبها أو الحصول عليها أو يرويها الناجون ليست سوى جزء ضئيل جداً من حقيقة ما يجري داخل غياهب السجون، والسجون هنا لفظ مخفف ومزين للأماكن التي يحتجز فيها المعتقلون.
رعب يكمّم الأفواه
في شهر آذار/ مارس 2024، تم اعتقال المواطن علي اليازوري من مستشفى الشفاء، حيث كان نازحاً لحظة الاقتحام المفاجئ للمستشفى، وخضع لتحقيق ميداني لمدة 8 ساعات، وخلال التّحقيق تعرض للضرب بقضيب حديدي على رأسه، ما أدى إلى إصابته بجرح عميق في فروة الرأس، بقي دون علاج أو قطب أو تعقيم، وبعد ذلك تم نقله إلى أحد معسكرات الغلاف، حيث خضع للتحقيق مجدداً لمدة 16 يوماً، واستخدم بحقّه تحقيق من نوع جديد يطلق عليه اسم (الديسكو)، وهو أحد أنواع التحقيقات التي تعتمد على استخدام الصوت الصاخب، وقد استخدم بشكل أساسي بحق معتقلي قطاع غزة بعد بدء حرب الإبادة، كما تعرض اليازوري لتحقيق عسكري مرتين، واستخدم المحققون أسلوب الخنق بالماء لتعذيبه، كما أنهم كانوا يقومون بسكب الماء على جرح رأسه بشكل متعمد، مما فاقم من وضع الإصابة وأحدث التهابات حادة، أدت إلى خروج الصديد من فروة رأسه.
وبعد ذلك تم نقله إلى سجن"عسقلان"، وهناك تعرض مجدداً للتعذيب بواسطة عمليات "الشبح" على الكرسي، حيث كانت كل جولة تحقيق معه تمتد ل 12 ساعة، خلالها كان يتعرض للضرب المبرح، الذي تسبب بفتح مكان الإصابة في الرأس مجددا، ولاحقا مكث في العزل الانفرادي لمدة 49 يوماً.
وفي قمة يأسه وإنهاكه الجسدي والنفسي، كان المحققون يستخدمون أقذر الوسائل لتعذيبه، وفي شدة احتياجه لأي طيف آدمي يمرّ به، كان يتم إحضار أشخاص يجلسون معه بين فترة وأخرى، ثم تبين أنهم من "العصافير"، أي الجواسيس الذين يحاولون إيقاعه بالكلام واستدراجه ليقرّ بأشياء لم يفعلها.
في بداية العام الجاري، تم نقله إلى قسم "ركيفت" وهو معتقل لا آدمي تحت الأرض، ويقع تحديداً تحت سجن "نيتسان – الرملة".
وهناك تمكن المحامي من زيارته والاستماع لتجربته التي ذكرت في السطور السابقة، أما عن وضعه الحالي في ذلك القبر، لم يتحدث شيئاً، حيث كان في حالة رعب شديد، وخوف من الحديث مع المحامي عن أي شيء يخص الظروف الاعتقالية في "ركيفت"، واكتفى الإشارة إلى أنهم يتعرضون للشتائم، والإهانات طوال الوقت، ويجبرون على شتم أمهاتهم، إضافة إلى استمرار عمليات القمع، التي يتم فيها رشهم بالغاز، واستمرار سياسة كسر الأصابع!
الضرب بسبب عدم القدرة على النوم
في شهر يناير/ كانون الأول 2025، تم اعتقال المواطن يامن أحمد، ومثل سابقيه تعرض لتحقيق ميداني غير قانوني، لمدة ساعة بعد اعتقاله، ومن ثم جرى نقله إلى مكان احتجاز "البركسات" الشهير، الذي أعدّ خصيصاً في منطقة الغلاف لاستجواب أسرى قطاع غزة، هناك تم التّحقيق مع أحمد من قبل المخابرات، حيث تعرض للضرب، ولما يعرف بتحقيق (الديسكو) الذي ينتهج التعذيب بالضجيج، إضافة إلى الشبح، ما أدى إلى فقدانه الوعي بشكل متكرر، وفي كل مرة يتم إيقاظه استئناف التّحقيق معه، وكان المحققون يتناوبون على ضربه بشدة لدرجة أن قيوده خُلعت من شدة الضرب! وزيادة في الوحشية، تركزت عمليات الضرب على الرأس، ولم يكفهم ذلك، بل عمدوا إلى نتف شعره، ثم جرى نقله إلى معسكر "عوفر"، ومكث فيه لمدة 18 يوما، ولاحقاً نُقل إلى قسم "ركيفت" مقبرة الأحياء التي تقع أسفل سجن الرملة.
وفي قسم "ركيفت"، لم يكن يامن أحمد قادراً على النوم بشكل طبيعي، بسبب الإصابات التي يعاني منها جرّاء التّحقيق، وبسبب ذلك تعرض للضرب مجدداً! لماذا؟ لأن قانون الاحتجاز يفرض على السجناء النوم في وقت محدد، وتتم مراقبتهم على مدار الساعة، ولأن آلام جراحه كانت تمنعه من النوم، كيلت له الضربات! ووجد السجانون ذلك ذريعة لقمعه، اليوم يعاني أحمد من كسور في الأضلاع، ولا يستطيع النوم، كما أنه يعاني من مشاكل في الأذنين والعينين، وأوجاع في الكلى، وعند لقائه المحامي، وسؤاله عن الأوضاع داخل سجن "ركيفت"، بدأ يامن بالبكاء، وكان هذا جواباً أبلغ من كل الكلام، مصحوباً بالرعب الذي ارتسم على وجهه.
الطبيب، يضاعف له العذاب
في كانون الثاني/ يناير 2024 تم اعتقال الطبيب توفيق الدلو، وبعد اعتقاله مباشرة، تعرّض لأزمة قلبية حادة، وتم تجاهله وانتظار موته أثناء نقله إلى سجن "عوفر"، وفي محاولة منه للنجاة صرّح أنه يعمل طبيباً، لكن هذا التصريح كان فرصة للمجرمين انتهزوها لمضاعفة عمليات التعذيب والتنكيل بحقه، فبمجرد أن علموا بمهنته، طلبوا منه أن ينحني ويركض، فلم يستطيع الانصياع بسبب الأزمة التي يعانيها، فقام السجانون بسحله وضربه مدة طويلة، أدى إلى تعرضه لأزمة قلبية ثانية، وتكرر الأمر معه بعد نقله إلى سجن "نفحة" بعد أربعة شهور، وهناك تعرض للقمع والضرب مجدداً لنفس السبب، وقد أدرك أن مهنته السامية التي ظنها تذكرة للنجاة، كانت وبالاً وسبباً لمضاعفة عذابه، وأن أزماته المتتالية لم تكن تمنعهم من ممارسة ساديّتهم عليه، وهم أعداء لكل ما هو إنساني.
أخيرا تم جرى نقل الطبيب توفيق الدلو إلى سجن "النقب"، وتم عزله انفراديا لمدة (24) يوماً، في زنزانة تفتقر للحد الأدنى من شروط الحياة الأدمية، وكانت تفتقر حتى لدورة المياه، وظلّ يتعرض للضرب والإهانة على مدار الوقت.
مواد مشابهة
أجنة خلف القضبان:ثلاث أسيرات حوامل يواجهن الجوع والقمع في سج...
تحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من ناب...
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي: من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...