السبت 9 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الصحفيون الفلسطينيون في سجون الاحتلال،، حرية مقيدة وعدسة مستهدفة   

27 يونيو 2025 قراءة 20 دقيقة

 

لم تكن مهنة الصحافة في فلسطين يومًا مجرد وظيفة، بل هي مواجهة يومية مع الخطر، خاصة حين تتحول التغطية الميدانية إلى تذكرة نحو الزنزانة ، تُقيّد فيها الحرية وتُستهدف فيها عين الحقيقة ، فالإعلام الفلسطيني كان وما زال الذاكرة اليومية لسردية الشعب الفلسطيني ، ومحاولات اعتقال الصحفيين الفلسطينيين ما هو إلاّ وسيلة لاغتيال وقمع الرواية الفلسطينية واخماد صوت فلسطين الذي يسعى الصحفي الفلسطيني إلى بثه داخلياً وخارجياً . 

و يسعى الاحتلال الاسرائيلي بقوة إلى استهداف الصحفيين الفلسطينيين ضمن حملات الاعتقال المستمرة التي تطال أبناء الشعب الفلسطيني، وعليه لم يعُد الصحفي في منأى عن دائرة الاستهداف ولم تعُد شارة الصحفي أماناً له تحول دون اعتقاله او استهدافه .. 

ويشكّل استهداف الصحفيين الفلسطينيين، واعتقالهم، وتعذيبهم، أكثر من مجرد انتهاك فردي لشخص الصحفي ، بل هو ضربة مباشرة إلى حرية التعبير والحق في سرد الواقع ، علاوة على أنّ استهداف الصحفي بشكل فردي،  ما هو إلاّ سلاحاً يُستخدم كوسيلة ردع جماعية تهدف إلى تحذير جميع الإعلاميين الفلسطينيين من التطرق إلى مواضيع حساسة ، خاصة التي تكشف انتهاكات حقوق الإنسان أو تنقل مشاهد المقاومة الشعبية. 

فعندما تستشهد شيرين أبو عاقلة ويُعتقل محمد صابر عرب أو يُصوّب رصاص قناص نحو عين معاذ عمارنة، فإن الاحتلال لا يستهدف شخصًا، بل يستهدف عين فلسطين وقلبها ولسانها.

وقد بات الصحفيّ الفلسطيني يعاني من تصعيد منظم في الاستهداف والخنق الإعلامي ، فقد تحرّك الاحتلال ، منذ سنوات، لمحاصرة الصحافة الفلسطينية عبر الاعتقالات والمضايقات ومصادرة معدات العمل ، حيث سُجّلت أكثر من 520  حالة اعتقال لصحفيين منذ عام 2000 ، ووفقاً لمؤسسات الأسرى الفلسطينية ، فقد شكّلت مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 الأكثر دموية في تاريخ الصّحافة الفلسطينية ، حيث أشارت نقابة الصحفيين الفلسطينيين إلى إرتقاء أكثر من 200 صحفي منذ بدء الإبادة ، فيما سجلت مؤسسات الأسرى نحو (188) حالة اعتقال واحتجاز بين صفوفهم منذ الإبادة ، ويواصل الاحتلال حتى اليوم اعتقال (47) من الصحفيين الفلسطينيين ، منهم (6) صحفيين يواصل الاحتلال اعتقالهم من قبل السابع من اكتوبر / تشرين أول 2023 . 

وفي المؤشر السنوي لحرية الصحافة العالمي لعام 2024، الذي أصدرته منظمة مراسلون بلا حدود ويقيم حالة حرية الصحافة في 180 دولة ومنطقة سنوياً ، بيّن المؤشر قتل ما لا يقل عن 97 صحفياً وعاملاً في مجال الإعلام منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 - 92 منهم فلسطينيين - وفقاً للجنة حماية الصحفيين. 

ومقارنة بسيطة بين ما قبل وبعد 7 أكتوبر 2023 تُظهر زيادة ملحوظة في عدد الاعتقالات ، حيث وثّقت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، اعتقال الاحتلال الإسرائيلي نحو 100 صحفي فلسطيني منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر العام الماضيي ، إضافةً الى استهداف الصحفيين في الضفة الغربية بصورة كبيرة عبر عمليات الاعتقال الإداري، والتذرع بوجود ملف سري، حيث أنّ من بين إجمالي الصحفيين المعتقلين ، 19 معتقلون إداريًّا ، كما يعمد الاحتلال الى اعتقال الصحفيين أيضًا بتهمة التحريض، من خلال رقابة كل ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي التي تحوّلت إلى أداة لقمع الصحفيين، وفرض المزيد من السّيطرة والرّقابة على عملهم. 

إلى جانب حملات الاعتقال بحق الصحفيين ، عمل الاحتلال بشكل ممنهج على استهداف الصحفيين وعائلاتهم بنية القتل المباشر ، حيث ارتقى العديد من الصحفيين وعائلاتهم خلال الإبادة، وذلك في إطار عمليات الانتقام منهم، فقد حوّل الاحتلال عائلاتهم إلى هدفًا وأداة لتهديديهم والانتقام منهم، في محاولة  مستمرة لإسكات أصواتهم واغتيال حقيقة وتفاصيل الإبادة الجماعية في غزّة . 

وبلغ عدد الصحفيين الذين استشهدوا في قطاع غزة منذ بدء الإبادة، ما يزيد عن 212 صحفيًا، بينهم 13 صحفية، وهو "العدد الأعلى" في العالم، منذ بدء الإحصاء للقتلى الصحفيين في 1992 . 

مشاهد الاستهداف المباشر كانت تتوزع ما بين الضفة الغربية وغزة لتعكس سلوكياً اجراميا ثابتاً تجاه الصحفيين الفلسطينيين ، و ما مشهد استشهاد مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة إلا دليلاً واضحاً على مدى تعمد الجيش الإسرائيلي لاستهداف الصحفيين، حيث سجلت الكاميرات مشهد القتل الدموي بتفاصيله ليُذاع في مختلف الشبكات الإخبارية حول العالم . 

اتسعت جرائم الاستهداف من بعد السابع من أكتوبر وسجلت استهداف عدد كبير من الصحفيين لتشمل على سبيل المثال لا الحصر استهداف منزل محمد أبو حطب، مراسل التلفزيون الفلسطيني، ليستشهد مع 11 فردا من أسرته ، وهناك أيضا استشهاد الصحفي في "وكالة وفا" محمد أبو حصيرة مع أكثر من أربعين فردا من أفراد عائلته، وإصابة زميله محمد حمودة في قصف استهدف منزليهما ، واستشهاد مصور قناة الجزيرة الفضائية سامر أبو دقة في استهداف واضح أثناء القيام بعمله ، كما تعرض الصحفي وائل الدحدوح مراسل قناة الجزيرة للاستهداف أكثر من مرة وتعرض أفراد من عائلته للاستشهاد كزوجته وابنيه ومنهم حمزه الدحدوح الذي كان يعمل أيضاً في مجال الصحافة. 

في تقريرها حول مرور عام على حرب الإبادة الإسرائيلية ، الصادر عن لجنة الحريات ، بيّنت نقابة الصحفيين الفلسطينيين ، أن "الاحتلال ارتكب 1639 جريمة بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، خاصة في قطاع غزة، من بينها استشهاد 167 صحفيا وعاملا في قطاع الإعلام . 

كما أشارت النقابة ، إلى أن عددا من الزملاء الإعلاميين والصحفيين استشهدوا وبقيت جثامينهم مع عائلاتهم تحت أنقاض المنازل لأشهر، كما حصل مع الزميلات هبة العبادلة ، وسلام ميمة وآيات خضورة. وأضاف تقرير النقابة، أن عددا من الصحفيين أصيبوا بجروح خطيرة أدت إلى بتر أقدامهم كالزميل سامي شحادة الذي بترت قدمه اليمنى جراء إصابته بقصف للاحتلال خلال تغطيته الصحفية لحركة النزوح في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، إضافة إلى إصابات في صفوف الصحفيين في أماكن قاتلة، وهو ما يشير إلى الرغبة في القتل لدى جيش الاحتلال. 

  كما بترت الساق اليمنى لمراسل قناة الجزيرة إسماعيل أبو عمر خلال قصف في منطقة ميراج شمال مدينة رفح، وأصيبت ساقه اليسرى بصورة بالغة، وكذلك المصور الصحفي عبد الله الحاج الذي أصيب أثناء تغطيته الصحفية في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، ما أدى لبتر إحدى قدميه، وإصابة المصور محمد الزعانين في عينه اليسرى بعد الاستهداف من طائرة مسيّرة ألقت قنابل متفجرة تجاهه بالقرب من مستشفى ناصر في خان يونس. 

في تقريرٍ لمكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الانسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، قال مدير المكتب أجيث سانغاي أن أوضاع الصحفيين الفلسطينيين والعاملين في مجال الإعلام كانت دائماً صعبة حيث تعرضوا للقمع في العديد من الحالات التي سجلها المكتب ، وقد نبه سانغاي إلى أن المكتب سجل "ارتفاعا هائلا" في عمليات القتل والاعتقال والرقابة ضد الصحفيين منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وأشار إلى أن أكثر من مائتي صحفي وعامل في مجال الإعلام قُتلوا منذ ذلك التاريخ وحتى نيسان/ أبريل 2025 في قطاع غزة ، بمن فيهم 27 امرأة على الأقل ، وأضاف: شهدنا تدمير مكاتب ومقرات وسائل الإعلام بالكامل ، وفي كل من غزة والضفة الغربية، تم اعتقال العديد من الصحفيين الفلسطينيين أيضا ، وسجلنا وتلقينا تقارير عن سوء معاملة قد تصل إلى حد التعذيب للصحفيين المعتقلين، بالإضافة إلى تهديدات مزعجة بالعنف الجنسي ضد الصحفيات ، وكذلك الرجال والنساء على حد سواء . 

وذكر المسؤول الأممي بأن الصحفيين هم مدنيون محميون من الهجمات بموجب القانون الدولي الإنساني، ما لم يشاركوا بشكل مباشر في الأعمال العدائية، مضيفا "القتل المتعمد للصحفيين جريمة حرب". ومع ذلك ، لم يقتصر الاستهداف والتترويع ومحاولات تكميم الأفواه على الصحفيين في غزة ، حيث شهدت الضفة الغربية موجة واسعة من الاعتقالات والمضايقات التي طالت عشرات الصحفيين الفلسطينيين ، على سبيل المثال، تعرض الصحفيان مهند توتونجي وهيثم أبو دياب من فريق "بي بي سي" للاحتجاز تحت تهديد السلاح بينما كانا في سيارتهما التي تحمل علامة الصحافة. 

كما اقتحمت قوات الاحتلال منازل عشرات الصحفيين في الضفة واحتجزتهم وعرَّضتهم للتنكيل والتهديد، من بين أبرزهم أمير أبو عرام ، والصحفي المستقل محمد أحمد عبيد، والصحفي مصعب إبراهيم سعيد، كما ألقت قوات الاحتلال أيضا القبض على الصحفية سمية جوابرة رغم كونها حاملا في شهرها السابع . 

  إلى جانب الاحتلال لم يسلم الصحفيين من اعتداءات المستوطنين ، حيث كشف بيان خاص بلجنة الحريات بنقابة الصحفيين الفلسطينيين ، أن هناك 26 من الصحفيين تعرضوا لاعتداءات وحشية من قبل المستوطنين في الضفة الغربية، بوجود شرطة وجيش الاحتلال دون تدخل منهم لحماية الصحفيين، أبرزهم ما حدث مع مراسلة وكالة فلسطين بوست الصحفية شروق عيسى للتهديد بالقتل بعد أن اشهر مستوطن إسرائيلي سلاح بندقيته اتجاهها أثناء تغطيتها لأحداث في بلدة بيت أمر شمال الخليل والضرب والتحطيم بهدف القتل، كما حدث مع المصور الصحفي جوزيف حنضل أثناء مروره على حاجز "الكونتير" العسكري شرق بيت لحم حيث تعرض إلى اعتداء بالضرب وبتكسير مركبته بالحجارة والعصي من قبل مجموعة مستعمرين، وكذلك برش غاز الفلفل السام بوجهه، ما أدى إلى إصابته بجروح وكسور. 

وفي مدينة القدس المحتلة ، تعرضت مجموعة كبيرة من الصحفيين لاعتداء المستعمرين بالضرب والحرق، مثلما حدث مع الصحفي سيف القواسمي الذي أصيب بحروق في يده نتيجة تعمد المستعمرين إطفاء السجائر في يديه، وكذلك مراسلة صحيفة الحياة الجديدة ديالا جويحان التي تعرضت للضرب والاعتداء، وزميلتها الصحفية ملاك عروق، ومراسلة قناة العربية براءة أبو رموز ومجموعة كبيرة من الزميلات والزملاء. 

إلى جانب ذلك أكّدت لجنة الحريات في بيانها السابق وجود 152 إصابة في صفوف الصحفيين بقنابل الغاز، منها 140 باستنشاق الغاز السام ومنها 19 ارتطام قنبلة الغاز في جسد الصحفيين، كما حدث مع الصحفي صدقي ريان الذي أصيب بقنبلة غاز بالرأس عقب استهداف الاحتلال للصحفيين في جبل صبيح المقامة عليه البؤرة الاستيطانية "افيتار" ببلدة بيتا نابلس، مؤكدا أن هناك 396 حالة من احتجاز أفراد وطواقم صحفية ومنعهم من العمل وملاحقتهم بالتهديد اللفظي والوعيد بإطلاق النار والاعتقال في حالة عدم الاستجابة. 

اضافة إلى كل ما سبق ، لا ننسى أن الاحتلال يواصل فرض جريمة الإخفاء القسري بحقّ  عدد من الصحفيين، كحالة الزميل المصور الصحفي نضال الوحيدي والزميل المصور الصحفي هيثم عبد الواحد منذ السابع من أكتوبر 2023 ، الذي يرفض الاحتلال الإفصاح عن مصيرهما، تقديم أي معلومات عن مكان وجودهما كما هو الحال مع آلاف الأسرى الذين تم اعتقالهم من غزة وترفض سلطات الاحتلال السماح لمحاميهم والمنظمات الدولية بزيارتهم. 

كل صحفي يُعتقل، هو كاميرا تُطفأ، وقلم يُكسر، ونافذة تُغلق أمام العالم لمعرفة الحقيقة 

في شهادات حية لعدد من الصحفيين الغزّيّين الذين تعرضوا للاعتقال في حرب الإبادة ، تحدّث الكثير منهم عن الانتهاكات والظروف القاسية التي مروا بها في الاعتقال فتناول الصحفي خضر عبد العال تجربته الشخصية وظروف اعتقاله، وقال : اعتقلت تقريباً سنة كاملة، وبمجرد اعتقالي تم التحقيق معي وسألوني عن الجهات التي أعمل معها ، وتابع أنّ مجرد العمل في الصحافة تهمة عندهم بدعوى أنها تهدد أمن "إسرائيل" حسب اعتقادهم.. لا أدري كيف ؟" وبيّن أن سلطات الاحتلال استخدمت شتى أشكال التعذيب ضد الصحفيين سواء الشبح أو الضرب بالعصي " لا لشيء سوى أن الصحفي يكشف جرائم إسرائيل"، وقال: " كان معي عدد من الصحفيين في الأسر وجميعهم تعرضوا للتعذيب، وتم إعلامهم أنهم يهددوا أمن دولة "إسرائيل" بالكلمة"، موضحاً أن عمل الصحفي "واضح، وليس عليه غبار، ويتمثل بنقل أخبار وكشف حقائق ونقل معاناة الناس وكيف يتعرضوا لإبادة ولتعذيب وقصف ودمار خلال الحرب. 

وأضاف الصحفي عبد العال : " نحن كصحفيين منزوعي الحقوق داخل سجون الاحتلال، وبينما أتيح لي فرصة اللقاء بمحامي حُرم غالبية المعتقلين من ذلك . كما قدّم الصحفي المحرر أحمد شقورة من وكالة فلسطين اليوم شهادته حول واقع الأسر، وأضاف أنّ الصحفيين الفلسطينيين في سجون الاحتلال لا ذنب لهم سوى حمل أمانة الكلمة التي يدفعون ثمنها باهظا لأنهم يفضحون جرائم الاحتلال ويوثقوا معاناة الشعب الفلسطيني وينقلوا صوته للعالم، وقد أكّد المحرر شقوره تعرض جميع الصحفيين المعتقلين للتنكيل بشكل دائم بسبب عملهم الصحفي و نقلهم الحقيقة . 

أما فيما يتعلق بمعاناة الصحفيين من الضفة الغربية ، فقد نقلت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، في تقاريرها الدورية بشأن عمليات الاعتقال التي يشنها الاحتلال ضد الفلسطينيين، شهادات لصحفيين فلسطينيين تعرضوا للتعذيب داخل سجون الاحتلال، بينهم الصحفي معاذ إبراهيم عمارنة، الذي فقد عينه اليسرى أثناء تغطيته المواجهات الشعبية السلمية في قرية صوريف شمال غرب الخليل عام 2019 بسبب استهداف مباشر من قوات الاحتلال الإسرائيلي ، وقد تعرض أيضاً للاعتقال من قبل قوات الاحتلال في 16 أكتوبر 2023، وخلال شهادته يقول معاذ عمارنة: "عندما وصلت إلى سجن مجدو، تعرضت لعنف شديد واعتداء جسدي، ضربوني على رأسي حتى فقدت الوعي، وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي أمام ضابط إسرائيلي يحاول إيقاظي ، طلبت أن يتم نقلي إلى المستشفى بسبب إصابة قديمة في رأسي واحتياجي للعلاج من السكري ، تم رفض طلبي، وتركوا لي الألم ليشتد ، في لحظة ما ، كنت أخشى أن أجد نفسي في "الحقيبة السوداء"، قبل أن أتمكن من رؤية الطبيب لأول مرة بعد أربعة أشهر. 

شهادة أخرى كانت للصحفية المقدسية روز الزرو، التي تعرضت للاعتقال من قبل قوات الاحتلال ، حيث اقتحمت قوات الاحتلال منزلها بصورة سبّبت حالة من الترويع والترهيب للعائلة وخاصة لطفلها الصغير، كما قالت أن الجنود الاحتلال قاموا بتكسير المنزل بعد أن حاصروه بعدد كبير من أفراد الشرطة الإسرائيلية، وأشارت أن الاحتلال صادر كل بطاقات الصحافة التي كانت بحوزتها ، وجواز سفرها ، وتم نقلها إلى معتقل المسكوبية حيث أمضت يوما كاملا في تحقيق قاس، لتقرر بعدها شرطة الاحتلال الإفراج عنها بكفالة مالية 6000 شيكل، وشروط الحبس المنزلي لمدة 8 أيام. 

  كما كشفت سابقاً الصحفية المقدسية لما غوشة، عن تجربتها القاسية في الحبس المنزلي، قائلة : بعد 10 أيام من اعتقالي حولنى شرطة الاحتلال لسجن الدامون، وعندما وصلت لسجن الدامون برفقة الأسيرات الفلسطينيات هناك، عرفت عن قرار الإفراج المشروط عني وبدأت مرحلة جديدة من الحبس المنزلي المفتوح بدون سقف زمني، وكان الشرط دفع غرامة مالية بقيمة 50 ألف شيكل، ومنعي من الاتصال والتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي واستخدام الإنترنت، حتى أن وجود أجهزة مثل الهواتف الذكية والتلفاز الذكي في البيت كان ممنوعا، ولأنني كنت أعيش في كفر عقب، وهي منطقة جغرافية لا توجد فيها سيطرة أمنية كاملة، قرروا نقلي إلى بيت أهلي في الشيخ جراح، نظرًا لأن الشيخ جراح منطقة ذات سيطرة أمنية عالية، تم التأكد من أن والدي ووالدتي، اللذين هما متقاعدان، يمكنهما التواجد في البيت لمدة 24 ساعة كمراقبين نيابة عن الاحتلال . 

فيما أكّدت  الصحفية سمية عزام جوابرة، المقيمة في نابلس بالضفة الغربية ، وكانت حامل في الشهر السابع ، أنّها تعرضت للاعتقال للاعتقال في 5 نوفمبر 2023 بسبب منشوراتها على موقع التواصل الاجتماعي، حتى تمّ الافراج عنها  بشروط حبس منزلي مفتوح وغير محدد بسقف زمني، وبشرط عدم استخدام الإنترنت، كما أنّ الإجراءات القانونية ضدها لا تزال مستمرة. 

لا خطوط حمراء في استهداف الصحفيين الفلسطينيين 

حسب تقرير لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، تعرّض أكثر من 144 صحفيا فلسطينيا وأجنبيا، لاعتداءات جيش الاحتلال خلال تغطيتهم الأحداث بفلسطين المحتلة، خلال السنوات ما بين 2018 و2022، بما في ذلك إطلاق النار عليهم، ورشقهم بقنابل الغاز والقنابل الصوتية، والضرب بالعصي، والسحل، مما خلَّف إصابات بليغة نتج عن أغلبها عاهات دائمة، كفقدان الأطراف والأعين، والتشوهات في الوجه ، كما حدث مع المصور الصحفي في قطاع غزة سامي مصران، الذي فقد عينا بعد أن أصيب بالرصاص في 2019 ، ومراسل وكالة الأناضول علي جاد الله، الذي استُهدف أكثر من مرة بالرصاص المطاطي من قبل الاحتلال ، وكذلك تعرُّض الزميل الصحفي منتصر نصار مراسل قناة الجزيرة ومصور القناة أحمد عمرو، للضرب المبرح في 29 ديسمبر/كانون الأول 2023 خلال تغطيتهم عملية دهس جنوبي الخليل . 

وقال الصحفي نصاّر : "رغم ارتدائنا أدوات السلامة التي تشير إلى عملنا الصحفي، ووجود شعار الجزيرة، تم تحطيم معداتنا والاستيلاء عليها لعدة ساعات". 

 العديد من الصحفيين في الضفة الغربية تعرض للاعتقال على يد الاحتلال في مهمة لاسكات الحقيقة ومنهم علي السّمودي ، الذي اعتقلته قوات الاحتلال فجر يوم الثلاثاء 29 ابريل 2025 ، بعد مداهمة منزله في جنين شمالي الضفة الغربية ، ويعمل السمودي مراسلًا لصحيفة القدس المحلية، وصحفيا متعاونا مع وكالات أنباء وقنوات بينها قناة الجزيرة، وتعرض للعديد من الإصابات في انتفاضة الأقصى، كما أصيب برصاص الاحتلال يوم استشهاد الصحفية شيرين أبو عاقلة في جنين، في 11 مايو/ أيار 2022 ، وأصيب عام 2023 بشظايا رصاص حي في الرأس داخل مخيم جنين أثناء تغطيته لاقتحام قوات الاحتلال للمخيم. 

 عند اعتقاله وعلى مدار 72 ساعة ، تعرض الصحفي السمودي لعمليات تنكيل متواصلة، احتجز في بداية اعتقاله في ثكنة عسكرية في جنين، ثم نقل إلى مركز تحقيق (الجلمة) ثم أعيد مجددا إلى الثكنة العسكرية، ونقل مجددا إلى (الجلمة)، وأخيرا إلى سجن (مجدو)، وهو يعاني من عدة مشكلات صحية، إلا أنّ الاحتلال لم يقدم له الرعاية الصحية اللازمة كما يحرمه من الحصول على أدويته . 

  الصحفي علاء الريماوي ، والذي أفرج عنه بعد قضاء عامين من الاعتقال الإداري ، قال في شهادته: "كنتُ ممنوعًا من رؤية محاميّ، وتعرضت للتحقيق 22 ساعة يوميًا . أما صحفيي غزة وخاصة ممن تم اعتقالهم من بعد السابع من أكتوبر ، عبّروا عن رحلة العذاب التي مروا بها أثناء الاعتقال ، فروى الصحفي المفرج عنه ضياء الكحلوت، تفاصيل "الرحلة الشاقة والصعبة" التي بدأت باعتقاله من قبل قوات الجيش الإسرائيلي مع عشرات المواطنين بينهم عدد من أفراد عائلته، بتاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول 2023 من شمال قطاع غزة . 

  وقال الكحلوت "انتقلنا إلى مواقع عسكرية إسرائيلية بعد الاعتقال وأحد هذه المواقع كان عبارة عن معتقل لسكان قطاع غزة الأسرى بعد 7 أكتوبر، حيث كانت رحلة شاقة وصعبة ، مشيرا إلى أنه لا توجد خطوط حمراء لدى الجيش الإسرائيلي في التعامل مع المعتقلين من غزة. 

وأضاف الكحلوت "تم التحقيق معي حول تقارير نشرتها في موقعي الجزيرة نت والعربي الجديد خلال السنوات الماضية، وواجهنا معاملة صعبة داخل السجن الإسرائيلي فعلى مدار 25 يوما كنا جالسين بوضعية تعذيب". 

وتابع الكحلوت أن الرحلة الأصعب كانت التنقلات بين السجون، حيث يتعرض فيها الأسرى للضرب والإهانة، إلى جانب التحقيقات الصعبة التي ينفذها الشاباك مع المعتقلين. وكان الشاباك يحقق مع الصحفي الكحلوت حول عمله الصحفي ومصادر الأخبار وآلية العمل. 

أنماط الانتهاكات والاعتداءات بحق الصحفيين الفلسطينيين 

لا تقتصر الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصحفيين الفلسطينيين على الاستهداف المباشر بالرصاص أو القصف، بل تتخذ أشكالًا متعددة تعكس محاولة ممنهجة لاسكات الصوت الفلسطيني ومنها الاستهداف المباشر أثناء التغطية حيث يتم إطلاق النار بشكل متعمّد على صحفيين يحملون زيًّا صحفيًا واضحًا، كما حدث مع الصحفية شيرين أبو عاقلة في جنين، ومع معاذ عمارنة الذي فقد عينه برصاص قنّاص ، كما يتعرض الصحفيين للضرب من قبل جنود الاحتلال خلال تغطية المسيرات أو اقتحامات المدن ، إضافةً إلى اقتحام المنازل أو المكاتب ومصادرة الكاميرات، الحواسيب، والهواتف ، ناهيك عن التحريض ضدّ الصحفيين الفلسطينيين من خلال وصفهم بأنهم " ناشطون " أو "محرّضون"، في محاولة لنزع الصفة المهنية عنهم ، واعتقالهم دون تهم واضحة، تحت ذريعة "التحريض الإعلامي" أو "الانتماء لتنظيمات معادية"، واتهام الاحتلال لبعض  الصحفيين الأسرى بالتحريض عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل مثل الزميلة الصحفية في وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" رشا حرز الله والزميل الصحفي علي دار علي مراسل تلفزيون فلسطين. 

 إضافةً إلى ذلك يتفنن الاحتلال الإسرائيلي بالعديد من أشكال الاعتداءات على الصحفيين ومنها ملاحقتهم والتضييق عليهم واستهدافهم مثل المنع من السفر والاستيلاء على المقتنيات الشخصية والمهنية، والاستدعاء للتحقيق، والمحاكم العسكرية الجائرة، والغرامات المالية، والتهديد، والتحريض، والحبس المنزلي. 

أما داخل السجون وفي مراحل الاعتقال والتحقيق فقد لفتت مؤسسات الأسرى أنّ الصحفيين يتعرضون لكافة الجرائم الممنهجة التي يواجهها الأسرى، ابتداءاً من الاعتقال التعسفي واحتجازه إدارياً تحت ذريعة " الملف السّري " والذي يسمح بسجن الصحفيين لأشهر طويلة دون توجيه تهمة أو محاكمة كما جرى مع الأسير الصحفي نضال أبو عكر من مخيم الدهيشه شرق مدينة بيت لحم ، والتي تُعتبر حالته من أبرز الحالات التي يواصل الاحتلال استهدافها عبر جريمة الاعتقال الإداريّ تحت ذريعة وجود (ملف سرّي)، حيث وصل مجموع سنوات اعتقاله السابقة أكثر من 18 عامًا، قضى منها أكثر من 13 عامًا رهن الاعتقال الإداريّ . 

  وأُعيد اعتقال الأسير الصحفي أبو عكر منذ ما يزيد عن 3 سنوات وهو حتى اللحظة رهن الاعتقال الإداري بعد أن جدّد له الاحتلال لمدة 3 شهور إضافية ، رافضاً الإفراج عنه ، حيث يُساومه الاحتلال ما بين البقاء في السجون مع تجديد الحكم الإداري في كل مرة أو الإبعاد عن الوطن . 

   لحظة الاعتقال الصعبة التي يمُرّ بها الصحفي الفلسطيني يعقبها المرور بالتحقيق القاسي والتعذيب داخل أقبية التحقيق ، كما حدث مع الأسيرة المفرج عنها الصحفية بشرى الطويل التي تعرّضت للتحقيق الوحشي والضرب المبرح أثناء اعتقالها، ووضعت في اعتقال إداري طويل دون تهم. كما يتعرض الصحفيون للحرمان من النوم لفترات طويلة ، والمنع من لقاء المحامين والصليب الأحمر كبقية الأسرى والمعتقلين والحرمان من العلاج ، كحالة الصحفي علاء الطيطي المصاب بديسك في الظهر وحُرم من تقديم العلاج المناسب له فترة اعتقاله. 

ومما وصلت إليه جرائم الاحتلال ضد الصحفيين الفلسطينيين، تورط جنودها في التحرش بالصحفيات الأسيرات في سجون الاحتلال، وهو ما نقلته نقابة الصحفيين الفلسطينيين خلال تقريرها عن شهادة الصحفية إخلاص صوالحة التي أكدت أنها تعرضت للتفتيش العاري مرتين في سجن رامون، وفي سجن دامون خضعت لتفتيش عارٍ خمس مرات، سواء عند الدخول أو الخروج من السجن، بالإضافة إلى تعرضها لتفتيش عار أربع مرات أخرى أثناء عمليات النقل من سجن لآخر، وهناك فتيات صغيرات خضعن للتفتيش العاري بشكل جماعي في سجن هشارون، حيث يطلب جنود الاحتلال من الأسيرات منهم التعري، وفي إحدى المرات، ضربتها المجندة وهي عارية بحذائها المطعم بقطع من الحديد. 

  "يُعامل الصحفيون العاملون في مهمات مهنية خطيرة في مناطق النزاع كمواطنين مدنيين ويجب حمايتهم من أي شكل من أشكال الاعتداء، ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية." 

المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1977). 

  القانون الدولى يحمى الصحفيين في وقت النزاعات، هذا ما يؤكد عليه قرار رقم 1738 لمجلس الأمن الدولي الذي أدان الهجمات المتعمدة ضد الصحفيين وموظفي وسائل الإعلام والأفراد المرتبطين بهم أثناء النزاعات المسلحة، بجانب نصه على اعتبار الصحفيين والمراسلين المستقلين مدنيين يجب احترامهم ومعاملتهم بهذه الصفة، ومساواة سلامة وأمن الصحفيين ووسائل الإعلام والأطقم المساعدة في مناطق النزاعات المسلحة بحماية المدنيين هناك. 

ورغم ذلك ، لم يُحاسب الاحتلال يومًا على استهدافه للصحفيين، بما في ذلك جرائم القتل العمد – كما حدث مع شيرين أبو عاقلة ، وسامر أبو دقة وحمزه الدحدوح  ، ولم يُحاسب على اعتقال المئات من الصحفيين في انتهاك واضح وصريح للاتفاقيات الدولية التي كفلت الحماية الخاصة للصحفيين في النزاعات المسلحة والحماية من التعذيب والاعتقال التعسفي . 

 إن الاعتقال لا يُنهي فقط مهمة صحفية، بل يخنق رواية شعب ، ويمنح الجلاد فرصة أن يُمارس جرائمه في الظلام، دون توثيق ولا شهادة 

في بيانها الصادر في يناير 2024 بعد حملة اعتقالات واسعة شملت صحفيين في الضفة الغربية ، أشارت منظمة  "مراسلون بلا حدود " أنّ الاحتلال يُمارس سياسة ممنهجة لتكميم الأفواه عبر اعتقال الصحفيين الفلسطينيين ، ويحتل الاحتلال مركزًا متقدمًا في قائمة الدول الأكثر خطرًا على الصحفيين ،  وقد دعت المنظمة " في تقاريرها الأخيرة إلى إطلاق سراح جميع الصحفيين المعتقلين، مؤكدة أن "استهداف الإعلاميين انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني". 

في ظل غياب إطار قانوني دولي يفرض حماية فعلية للصحفيين الفلسطينيين، يتضح أن ما يتعرّض له الصحفي الفلسطيني ليس حالة فردية أو طارئة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى كتم الصوت، وكسر الصورة، ومحو الحقيقة من ذاكرة العالم. 

فمن شيرين أبو عاقلة التي اغتيلت أمام عدسات الكاميرات، إلى الصحفيات بشرى الطويل واخلاص صوالحه وأسماء هريش اللواتي حُرمن من حرّيتهن لأشهر طويلة في الاعتقال التعسفي و دون محاكمة، مروراً  بضياء الكحلوت ومحمد قاعود ومعاذ عمارنه الذين خرجوا من معسكرات التعذيب شهوداً على سادية المحتل ، إلى " 47 " صحفياً مازالوا يقبعون تحت سياط السّجان ، جميعهم يجسّدون ثمن الحقيقة في فلسطين ، وهذا يدعو إلى تحرك دولي فوري من مؤسسات حقوق الإنسان، ولجان حماية الصحفيين، لفتح ملفات الاعتقال الإداري، والتعذيب داخل السجون، وتقديم شكاوى لمحكمة الجنايات الدولية ، وتقديم الدعم للمؤسسات الإعلامية الفلسطينية ومراسليها في الميدان، لتمكينهم من مواصلة العمل رغم الخطر. 

فحماية الصحافة الفلسطينية ليست فقط دفاعًا عن حُرّاس الكلمة، بل هي صونٌ للعدالة، ووفاءٌ للضحايا، وتمسّكٌ بالحق في أن تُروى القصة كما هي، من أرضها، وبصوت أهلها. 

 

مواد مشابهة