بينما كان آلاف المواطنين في مدينة غزة وشمالها يسلكون طريق المساعدات بحثا عن رغيف خبز يسد رمق الجوع، تحولت نقاط توزيع الطحين إلى ساحات مجازر ودوائر فقدان، اختفى على إثرها عشرات الشبان، ولم يعرف مصيرهم حتى اليوم.
من دوار الكويت إلى دوار النابلسي، تركت المجاعة أثرها الدموي، وترك الاحتلال بصمته الأكثر وحشية باستهداف المتجمعين حول الشاحنات بالرصاص والقذائف في جريمة وثقتها عدسات المدنيين، ولم تقابل بعد بأي مساءلة دولية جدية.
سياسة تجويع ممنهجة
مع الساعات الأولى للعدوان على غزة أعلن وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت وقف إدخال الغذاء والماء والوقود، في قرار فعلي بفرض حصار خانق شل الحياة في القطاع خاصة شماله. ومنذ ذلك الوقت، تحولت المساعدات الغذائية إلى شحنات نادرة، محفوفة بالخطر، لا تصل إلّا بقدر لا يلبي حتى 1٪ من الاحتياجات.
وفي في 31 أكتوبر 2023، بدأ الاجتياح البري الإسرائيلي للشمال، وأعقبه انسحاب للمنظمات الإنسانية، ما ترك أكثر من 700 ألف مواطن بلا طعام ولا مأوى، ومعزولين عن العالم وسط تحذيرات متكررة من كارثة إنسانية وشيكة.
وفي ظل انعدام الغذاء، بدأ السكان بالبحث في البيوت المدمرة، وخلع أبواب المحال التجارية المهجورة، في مشهد مؤلم يجسد انهيار الوضع الإنساني.
نقاط المساعدات : أفخاخ موت وغياب ومصير مجهول
تعمد الاحتلال فتح نقاط عبور محددة في دواري الكويت والنابلسي جنوبي مدينة غزة، وجعلها مصائد جماعية، حيث يقع دوار الكويت عند تقاطع شارع صلاح الدين في حي الزيتون، بينما يمتد دوار النابلسي على شارع الرشيد الساحلي، وكلاهما يشكلان النقاط الأخيرة التي يمكن لسكان غزة الوصول إليها أملا في الحصول على مساعدات إنسانية. لكن هذه النقاط كانت فخاخا مفتوحة حيث تم استهداف المواطنين العزّل بشكل مباشر عبر إطلاق النار والقذائف، وحتى الطائرات المسيّرة، ما أدى إلى استشهاد المئات وفقدان آخرين، وأن عددا كبيرا من الشبان اختفوا خلال محاولتهم الوصول إلى المساعدات ولا تزال عائلاتهم تبحث عن أي أثر لهم في ظل غياب آليات التوثيق أو الوصول الآمن للمناطق المستهدفة.
شهادات دولية: ما يحدث جريمة إنسانية
وصفت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي ما حدث بأنه "جريمة قتل جماعي"، مؤكدة أن غالبية الضحايا سقطوا برصاص الجيش الإسرائيلي، لا بسبب التدافع كما زعمت الرواية الرسمية.
بدورها، قالت سيندي ماكين، المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي: "الناس في غزة يتضورون جوعا حتى الموت، إنها مجاعة من صنع البشر".
فيما أشار الهلال الأحمر الفلسطيني إلى أن استهداف فرق الإغاثة تم بشكل متعمد في محاولة لمنع وصول المساعدات إلى السكان.
وأكدت مؤسسة العهد الدولية في تقاريرها أن كثيرا من الشهادات التي رصدتها تشير إلى تعمد قوات الاحتلال استهداف التجمعات المدنية بالرصاص الحي والقذائف خلال توزيع المساعدات، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين شهيد وجريح ومفقود، بعضهم لا تزال جثثهم مجهولة المصير.
المجاعة والإخفاء سلاح الاحتلال
في ظل الانهيار الإنساني الحاد، برزت ظاهرة الإخفاء القسري بشكل لافت، حيث فُقدت آثار العشرات من الشبان بعد خروجهم بحثا عن الطحين، ولم يعرف إن كانوا قد استشهدوا، أم جرحوا، أم أسروا، أم لا يزالون تحت الأنقاض.
هذه المأساة المزدوجة بين الجوع والغياب تحتاج إلى تحقيق دولي عاجل ومحاسبة جدّية، لضمان كشف مصير المفقودين ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم.
مفقودون في متاهات الحرب
في مشهد يتكرر عند كل أزمة إنسانية، وفي ظل الحصار المطبق ومنع دخول المساعدات، لجأ المواطنون إلى تلك النقاط علهم يحصلون على كيس طحين يسد الرمق، لكن الاحتلال جعل من الطحين طُعماً في فخاخ الموت، ليتحول الدقيق إلى رمز للدم، والفقد والغياب.
رصدت مؤسسة العهد الدولية عدة شهادات موثقة حول مجزرتي دواري الكويت والنابلسي، حيث استمعت إلى ناجين من المجازر، إضافة إلى عائلات المفقودين الذين ما زالوا يجهلون مصير أبنائهم.
وقد وثقت المؤسسة روايات ميدانية مؤلمة وقاسية تكشف حجم المأساة التي تعرض لها المدنيون أثناء انتظارهم شاحنات المساعدات، في ظل الحصار الخانق ومنع إدخال المواد الإغاثية إلى قطاع غزة.
علي القصاص (15 عاماً) خرج إلى دوار الكويت في ليلة رمضانية، ولم يعد. تروي والدته، إيمان القصاص، كيف ودعها صغيرها متمنياً أن يحمل لهم طحينًا يكفي ليومين. مرّت الأيام، ولم يعد، ولم يُعرف له أثر. "ذهب علي، وبقي الجوع"، تقول والدته بحرقة "لقد بتنا نكره اسم الدوار.. نكره الطحين.. لم نعد نتذوقه، فكل رغيف فيه طعم الفقد، وكل كيس فيه رائحة شهيد، أو خبر غائب لم يُعَد"
في مشهد مشابه، غادر علي الطائي (16 عاماً) منزله في حي الزيتون في 14 مارس 2024، ولم يعد. تقول والدته: "بحثت في كل مكان، تواصلت مع كل من يمكن أن يساعدني، لا أثر، لا خبر، لا جثمان، فقط صمت يقتلني كل يوم".
وفي 9 مارس 2025، فُقد فيصل خضر أبو لبن (17 عاماً) بعد توجهه لدوار الكويت حيث أبلغ أحد الشبان والدته أنهم وجدوه مغمى عليه تحت القصف، ولم يستطيعوا إنقاذه بسبب استمرار إطلاق النار. ومنذ ذلك اليوم لا أثر له، وها هي والدته تبحث عن طيفه بين جدران البيت المحطم.
دقيق مغمس بالفقد والغياب
تقول إحدى السيدات الناجيات من مجزرة الطحين قبل عدة أيام : "كنا ننتظر الطحين في شارع الرشيد وفجأة بدأ إطلاق النار، رأيت شابا يسقط أمامي، كان يحمل كيسا على كتفه، اختلط الطحين بدمه، وصرنا نركض بلا اتجاه، لا نعلم إن كنا سنعود أم نُفقد مثل غيرنا."
ويضيف آخر كان ينتظر المساعدات في شارع صلاح الدين قائلا : "من ينجو لا يعود بكيس طحين وإنما بحفنة خوف وندبة على كتف نجت من رصاصة، ويعود ليجد جاره أو أخاه قد فُقد أو قُتل أو أُسر"
في غزة، صار الطحين مرادفا للدم، والمساعدات فخا، والدوار ذاكرة مثقوبة بأسماء لم تُسجل بعد، لأشخاص غابوا ولم يعودوا.
بين شارع صلاح الدين وشارع الرشيد لا تزال قافلة الجوعى تمضي نحو المجهول، يطاردهم القصف، ويتربص بهم القنص، وتخطفهم يد الغياب.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...