في غزة لا يكفي أن تنجو من القصف لتنجو من الغياب، فهناك من خطفهم الليل من الأزقة والخيام وملاجئ النزوح المؤقتة، مئات المعتقلين الغزيين اقتيدوا بصمت، لا خبر عنهم، لا اسم في القوائم، لا تاريخ للاعتقال، ولا محام يطرق الأبواب، هناك فقط هواء الزنزانة وشبح الموت اليومي.
الإخفاء القسري: جريمة الحرب التي تُرتكب بصمت
منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، نفذ الاحتلال اعتقالات جماعية استهدفت مئات المدنيين، أغلبهم اقتيدوا من الشوارع أو مراكز الإيواء دون لوائح اتهام أو محاكمة أو السماح بالتواصل مع المحامين أو العائلات. ورغم تأكيد الاحتلال وجود 1846 معتقلا من غزة ضمن تصنيف المقاتلين غير الشرعيين إلا أن المئات ما زالوا في طي المجهول، ما يشكل وفقا للقانون الدولي اختفاء قسريا، وهو انتهاك خطير للقانون الإنساني.
مئات من معتقلي غزة يحتجزون في سجون الاحتلال ضمن تصنيف المقاتلين غير الشرعيين في ظروف تنعدم فيها أبسط مقومات الحياة والعدالة، فهم يحرمون من الرعاية الطبية الأساسية، ويتعرضون لتعذيب جسدي ونفسي ممنهج إلى جانب الحرمان من الملابس، النظافة الشخصية، الإضاءة، التهوية وحتى من التعرض لأشعة الشمس، كما يمنعون من التواصل مع ذويهم أو محاميهم في مخالفة صارخة لكافة القوانين الدولية.
الخطير أن هؤلاء المعتقلين لا يعرضون على المحاكم، ولا يخضع احتجازهم لأي مراجعة قضائية دورية، ما يجعلهم فعليا معلقين خارج نظام القضاء، بحسب توصيف منظمة "هموكيد" الحقوقية الإسرائيلية. أي أنهم محتجزون بلا لوائح اتهام، وبلا محاكمة، وبلا سقف زمني، في مشهد يعيد إلى الأذهان معتقل غوانتانامو الأمريكي، لكن على الطريقة الإسرائيلية: سجون سرية، احتجاز تعسفي، وانعدام كامل للمساءلة.
قانون المقاتل غير الشرعي: أداة تشريعية للإفلات من المحاسبة وانتهاك حقوق الأسرى
يستند الاحتلال في احتجاز معتقلي غزة إلى ما يعرف بقانون المقاتلين غير الشرعيين، الذي أقر عام 2002 بعد الانتفاضة الثانية، ويمنحه صلاحيات مطلقة لاحتجاز أي فلسطيني دون تهمة أو محاكمة، إذا اشتبه بمشاركته في أعمال معادية. هذا القانون يلغي:
- المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية: التي تحظر الاعتقال التعسفي.
- اتفاقية جنيف الرابعة المادة 147: التي تصنف الإخفاء القسري كجريمة حرب.
- القانون الدولي الإنساني: الذي يلزم بإبلاغ الأهل وتمكين المعتقل من محام ومحاكمة عادلة. حيث يمثل هذا القانون غطاء قانونيا زائفا للإخفاء والتعذيب والتصفية.
حيث وثقت مؤسسات الأسرى استشهاد 44 معتقلا من غزة داخل السجون، لكن معظمهم لم تكشف هوياتهم بعد، هؤلاء من بين 70 أسيرا استشهدوا منذ بداية الإبادة وهويات الكثير منهم لا تزال مجهولة، ما يرجح أن أعداد شهداء السجون من غزة أكبر بكثير.
المقاتل غير الشرعي: الغطاء القانوني لإلغاء الإنسان
لا يوجد توصيف قانوني أكثر غموضا وجدلا من مصطلح المقاتل غير الشرعي الذي استحدثه الاحتلال الإسرائيلي عام 2002، في ذروة انتفاضة الأقصى ليكون مظلة قانونية لاحتجاز الفلسطينيين دون محاكمة أو تهم واضحة متجاوزا بذلك كل ما كفلته المواثيق الدولية للأسرى والمدنيين تحت الاحتلال.
وبحسب تعريف القانون الإسرائيلي فإن "المقاتل غير الشرعي" هو أي شخص يشارك أو يشتبه بمشاركته في أعمال معادية ضد إسرائيل، ولا يستوفي شروط أسرى الحرب حسب اتفاقية جنيف الثالثة، ما يتيح احتجازه لأجل غير مسمى دون محاكمة وحرمانه من الحماية القانونية المقررة بموجب القانون الدولي.
قبل السابع من أكتوبر استخدم الاحتلال هذا القانون بشكل محدود نسبيا واستهدف به في الغالب أسرى من غزة خلال الحروب السابقة، لكن في معظم الحالات كان يتم تحويل المعتقلين إلى الاعتقال الإداري أو المحاكمة العادية. أما بعد اندلاع الحرب الشاملة في السابع من أكتوبر 2023 أصبح هذا القانون أداة مركزية في سياسة القمع، حيث تم تطبيقه بشكل جماعي على مئات المدنيين الغزيين الذين اعتقلوا خلال الاجتياحات البرية أو من مراكز الإيواء دون تمييز بين مدني أو مقاتل، مريض أو طفل، نازح أو مقاوم.
وبذلك ألغى الاحتلال فعليا كل أنظمة الحماية القانونية، وجعل من المعتقل رقما في ملف سري، لا يعرض على القضاء، ولا يمكّن من الدفاع عن نفسه، ولا يعرف ذويه عنه شيئا، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية "إضفاء صبغة قانونية على الإخفاء القسري والتعذيب والتصفية الجسدية".
مناشدات حقوقية دولية
بينت منظمة العفو الدولية أن قانون "المقاتل غير الشرعي" يمنح سلطات الاحتلال صلاحيات مطلقة لتوقيف الفلسطينيين دون إجراءات قانونية عادلة، ويشكل مخالفة صارخة للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص في مادته التاسعة على أن لكل إنسان الحق في الحرية والأمان الشخصي، ولا يجوز اعتقاله أو احتجازه تعسفا.
وأكدت هيومن رايتس ووتش أن هذا القانون يسمح بالاحتجاز المطول دون مراجعة قضائية حقيقية، وهو أقرب إلى نموذج غوانتانامو مما هو إلى أي نظام قضائي ديمقراطي، محذرة من أن استخدامه ضد مئات المدنيين في غزة بعد 7 أكتوبر يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.
وشددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أن أي احتجاز خاصة في سياق نزاع مسلح يجب أن يخضع للمعايير الدولية التي تضمن الكرامة الإنسانية والحد الأدنى من الضمانات القانونية وعبرت عن قلقها البالغ من حرمان المعتقلين من التواصل مع عائلاتهم أو محاميهم.
أما مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة وصف في عدة تقارير هذا القانون بأنه وسيلة للتهرب من الالتزامات الدولية مطالبا إسرائيل بإلغائه فورا باعتباره يفتح الباب على مصراعيه لانتهاكات ممنهجة تشمل الاحتجاز التعسفي، الإخفاء القسري، والتعذيب.
وفي تقارير خاصة للأمم المتحدة تم تصنيف استخدام هذا القانون ضمن أنماط ممنهجة من الإخفاء القسري، ما يعني أن إسرائيل كقوة احتلال قد تكون ارتكبت جريمة ضد الإنسانية حسب نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية.
وفي مواجهة هذا الجدار الصامت من الغياب، ورفع الصوت في وجه القانون الذي يشرعن الجريمة ويلغي الإنسان تطالب مؤسسة العهد الدولية اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن تقوم بدورها في الكشف عن أماكن احتجاز المعتقلين الغزيين، وتوفير قوائم بأسمائهم وظروف احتجازهم، وزيارتهم بشكل عاجل، ومحاسبة الاحتلال على منع الوصول إليهم.
وتناشد الأمم المتحدة ممثلة في مجلس حقوق الإنسان ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بفتح تحقيق فوري في جرائم الإخفاء القسري التي ارتكبت ولا تزال ترتكب تحت مظلة ما يسمى بـقانون المقاتل غير الشرعي والذي يشكل بنظر القانون الدولي أداة إبادة قانونية مغلفة.
كما تطالب الاتحاد الأوروبي والبرلمانات الدولية ومجالس حقوق الإنسان الوطنية بعدم الصمت واتخاذ مواقف عملية لإلغاء هذا القانون ومحاسبة إسرائيل على استغلاله في تبرير جرائم الحرب.
إن ما يجري هو نظام متكامل من الإخفاء القسري والاحتجاز غير القانوني الذي يهدف إلى تدمير المعتقل نفسيا وجسديا ويشكل جريمة مستمرة ضد الإنسانية في زمن تمتهن فيه القوانين ويحتجز فيه الإنسان بين غيابين، غياب الجسد تحت الركام وغياب الاسم في السجن لذلك كل من يصمت شريك في هذه الجريمة.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...