الثلاثاء 9 يونيو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الأسرى الفلسطينيون...معركة كسر العزلة

9 يونيو 2026 قراءة 7 دقيقة

حين خرج بعض معتقلي غزة من السجون الإسرائيلية خلال صفقات التبادل الأخيرة، لم يكن كثير منهم يعرف إن كانت عائلاته ما تزال على قيد الحياة. بعضهم علم بعد الإفراج أن منزله دُمّر، وآخرون اكتشفوا مقتل آبائهم أو زوجاتهم أو أطفالهم بعد شهور من العزل الكامل داخل المعتقلات، دون أي وسيلة لمعرفة ما يجري خارج الزنازين.

هذه الشهادات لم تعد مجرد روايات فردية لأسرى سابقين، بل تحولت خلال الشهور الأخيرة إلى أحد المحركات الأساسية لحملات تضامن دولية تحاول إعادة قضية الأسرى الفلسطينيين إلى الواجهة العالمية، بعد سنوات بقي فيها هذا الملف محصورًا غالبًا داخل الدوائر الفلسطينية والحقوقية الضيقة.

من “الأشرطة الحمراء” إلى حملة “أنقذوا الأسرى”، ومن الوقفات الشعبية إلى حملات الترجمة الرقمية والضغط الحقوقي، تتسع محاولات تدويل قضية الأسرى في وقت تصفه المؤسسات الحقوقية بأنه من أكثر المراحل قسوة في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية.

لكن خلف صور التضامن والحضور المتزايد في الساحات العالمية، يبقى السؤال حاضرًا: هل نجحت هذه الحملات فعلًا في حماية الأسرى، أم أنها ما تزال تحاول فقط منع العالم من نسيانهم؟

أرقام تكشف حجم التحول داخل السجون

حتى مطلع إبريل 2026، أفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين بأن عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب داخل السجون الإسرائيلية تجاوز 9600 أسير، بينهم 86 أسيرة و350 طفلًا، إضافة إلى 3376 معتقلًا إداريًا محتجزين دون تهمة أو محاكمة، في واحدة من أعلى نسب الاعتقال الإداري منذ سنوات.

كما تصنف إسرائيل 1251 معتقلًا من غزة ضمن فئة “المقاتلين غير الشرعيين”، وهو رقم لا يشمل المحتجزين داخل المعسكرات العسكرية الإسرائيلية، وسط اتهامات حقوقية باستمرار إخفاء معلومات تتعلق بمصير عدد من معتقلي غزة.

 

وتكشف هذه المعطيات حجم التحول الذي شهدته السجون بعد السابع من أكتوبر 2023، إذ كان عدد الأسرى قبل الحرب يقل عن 5250 أسيرًا، قبل أن تتوسع حملات الاعتقال بصورة غير مسبوقة في غزة والضفة الغربية.

وفي موازاة ذلك، وثقت مؤسسات حقوقية فلسطينية استشهاد 94 أسيرًا فلسطينيًا على الأقل داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، بينما ارتفعت حصيلة شهداء الحركة الأسيرة المعلومة هوياتهم إلى 326 أسيرًا منذ عام 1967.

وتقول مؤسسات حقوقية إن هذه المرحلة تشهد تصاعدًا غير مسبوق في شهادات التعذيب والتجويع والعزل والإهمال الطبي، بالتزامن مع تراجع شبه كامل للرقابة الدولية الفعلية على أوضاع المعتقلين.

حملات خرجت من داخل السجون

وسط هذا التصاعد، بدأت عائلات الأسرى ومجموعات التضامن بإطلاق حملات هدفت إلى إخراج قضية الأسرى من الإطار المحلي الفلسطيني إلى مساحة دولية أوسع.

وتقول غفران زامل، المنسقة الإعلامية للحملة العالمية للأسرى “أنقذوا الأسرى”، إن الحملة انطلقت أساسًا من عائلات الأسرى، خصوصًا بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، “في ظل بقاء أعداد كبيرة من الأسرى القدامى والمحكومين بالمؤبدات داخل السجون، بينما كان العالم منشغلًا بالحرب”.

وتضيف أن الحملة جاءت أيضًا بالتزامن مع تقدم مشروع “قانون إعدام الأسرى” داخل الكنيست الإسرائيلي، ما دفع القائمين عليها إلى إطلاق مرحلة أولى بعنوان “قانون إعدام الأسرى في السجون”، بهدف إعادة تسليط الضوء على خطورة ما يجري داخل المعتقلات.

وبحسب زامل، فإن الحملة اعتمدت على خطة تمتد لستة أشهر، خُصص كل شهر منها لتسليط الضوء على ملف محدد، من الأسرى الأطفال والأسيرات، إلى شهداء الحركة الأسيرة وأسرى غزة بعد الحرب.

وفي الوقت نفسه، ظهرت حملات أخرى استخدمت أدوات بصرية ورقمية مختلفة، كان أبرزها “الأشرطة الحمراء”، التي تحولت إلى رمز متداول في عدد من الفعاليات والمظاهرات الدولية.

وبحسب معطيات منظميها، شهدت الحملة تنظيم 144 فعالية في 19 دولة حتى مطلع إبريل 2026، ضمن جهود هدفت إلى إعادة قضية الأسرى إلى مركز النقاش الحقوقي والإعلامي الدولي.

ويقول عدنان حميدان، منسق حملة “الأشرطة الحمراء”، إن الاحتلال حاول لعقود “تحويل الأسرى إلى مجرد أرقام وملفات أمنية”، بينما تسعى الحملات الحالية إلى إعادة تقديم الأسير الفلسطيني بوصفه “عنوانًا للكرامة الوطنية والعدالة الإنسانية”.

ويرى القائمون على هذه الحملات أن التحولات التي رافقت الحرب على غزة، والاهتمام العالمي المتزايد بالرواية الفلسطينية، فتحت نافذة غير مسبوقة لوصول قضية الأسرى إلى جمهور دولي لم يكن يتابع هذا الملف سابقًا، خصوصًا عبر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل.

 

شهادات التعذيب تدفع الحراك إلى الاتساع

لم تعد الحملات تستند فقط إلى الخطاب التضامني، بل إلى تصاعد التقارير الحقوقية والشهادات القادمة من داخل السجون، خصوصًا من معتقلي غزة بعد الحرب.

وتقول زامل إن أسرى غزة كانوا “الأكثر تعرضًا للتنكيل والتعذيب الجسدي والنفسي وحتى الاعتداءات الجنسية”، مشيرة إلى أن المعتقلين الذين احتُجزوا داخل معسكرات تابعة للجيش الإسرائيلي، مثل “سيدي تيمان” و”نفتالي”، تعرضوا “لحلقات متواصلة من التعذيب منذ لحظة الاعتقال وحتى الإفراج”.

وتضيف أن شهادات الأسرى المفرج عنهم تحدثت عن “الإهمال الطبي والتجويع والضرب والصعق الكهربائي وأساليب تعذيب غريبة مثل التابوت والديسكو”، معتبرة أن الأخطر هو “استمرار التعتيم على مصير أعداد من معتقلي غزة وعدم تقديم بيانات واضحة بشأنهم”.

وفي السياق نفسه، تلقى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال دورته الثامنة والخمسين، تقارير توثق وفاة عشرات الأسرى الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز منذ بداية الحرب، إلى جانب شهادات تتعلق بالتعذيب والحرمان من العلاج.

كما نشرت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية تقريرًا استند إلى شهادات 55 أسيرًا فلسطينيًا تحدثوا عن انتهاكات جسيمة بعد السابع من أكتوبر 2023، شملت الضرب والتجويع والإذلال والعزل لفترات طويلة.

وفي مارس 2025، نقلت صحيفة “الغارديان” شهادات لأسرى مفرج عنهم من غزة تحدثوا عن شهور من العزل الكامل، دون معرفة مصير عائلاتهم أو إبلاغهم بمقتل أقارب لهم خلال الحرب.

ويصف حميدان ما يُكشف من شهادات حول الاعتداءات الجنسية والانتهاكات الجسدية بأنه “الأخطر والأكثر صدمة”، مشيرًا إلى أن الحملة تتابع “بمنتهى الجدية والخطورة” إفادات متقاطعة تتحدث عن استخدام الاعتداءات الجنسية كأداة إذلال وكسر نفسي داخل مراكز الاحتجاز.

كما يشير إلى ما تتعرض له الأسيرات الفلسطينيات من “إهانات وتفتيش عارٍ وتحرش وانتهاكات ذات طابع جنسي”، معتبرًا أن هذه الممارسات “لا تستهدف الجسد فقط، بل تستهدف كرامة الإنسان الفلسطيني ومحاولة تحطيمه نفسيًا ومعنويًا”.

وفي موازاة ذلك، تواصل إسرائيل توسيع استخدام الاعتقال الإداري، الذي يسمح باحتجاز الفلسطينيين استنادًا إلى “ملفات سرية” لا يسمح للمحامين أو المعتقلين بالاطلاع عليها، وهو ما تعتبره المؤسسات الحقوقية انتهاكًا لاتفاقية جنيف الرابعة والمعايير الدولية الخاصة بمعاملة المعتقلين.

 

صمت دولي وعجز عن الحماية

ورغم تصاعد التقارير الحقوقية والشهادات، تقول مؤسسات الأسرى إن الاستجابة الدولية ما تزال محدودة، ولم ترتقِ إلى مستوى ما يجري داخل السجون.

وتتهم مؤسسات فلسطينية اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالعجز عن فرض رقابة فعلية على أوضاع الأسرى، خصوصًا معتقلي غزة الذين احتُجز كثير منهم لأشهر طويلة دون زيارات أو أي معلومات واضحة لعائلاتهم، في وقت بقيت فيه عشرات العائلات تبحث عن إجابة واحدة: هل أبناؤهم أحياء أصلًا أم لا؟

كما يواجه الصليب الأحمر انتقادات متزايدة بسبب محدودية تدخله العلني، واكتفائه غالبًا بالتحركات الدبلوماسية غير المعلنة، رغم تصاعد التقارير المتعلقة بالتعذيب والإخفاء القسري والحرمان من العلاج.

وفي الوقت نفسه، يرى حقوقيون أن المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، اكتفت حتى الآن بإصدار تقارير وتحذيرات دون ترجمتها إلى إجراءات ضاغطة أو آليات مساءلة حقيقية، ما سمح باستمرار الانتهاكات داخل السجون دون تغيير ملموس على أرض الواقع.

وتقول زامل إن الحملة سعت منذ بدايتها إلى مخاطبة الحراكات الغربية بلغات متعددة، عبر ترجمة المواد المتعلقة بالأسرى إلى الإنجليزية والألمانية والإسبانية والتركية، بعد ملاحظة تأثير الحراكات الشعبية خلال حرب غزة على مواقف بعض الحكومات.

وتضيف أن الحملة تأمل في أن تتحول هذه التحركات إلى “مواقف رسمية ضاغطة”، مشيرة إلى مؤشرات تعتبرها “قابلة للبناء عليها”، مثل قرار فرنسي بمنع دخول وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى فرنسا.

لكن القائمين على الحملات يقرون في الوقت نفسه بأن التفاعل الدولي ما يزال دون مستوى ما يجري داخل السجون.

وبينما تتوسع حملات التضامن وتتعدد أشكالها، يبقى الواقع داخل الزنازين أكثر قسوة من أن تغيّره الشعارات وحدها. فالحملات نجحت في إعادة الأسرى الفلسطينيين إلى جزء من المشهد العالمي، ونجحت في كسر جزء من العزلة المفروضة عليهم، لكنها لم تنجح بعد في وقف الموت البطيء خلف أبواب السجون الإسرائيلية.

مواد مشابهة

حرية تحت الركام

تتزايد شهادات الأسرى المحررين من قطاع غزة حول ما تصفه مؤسسات حقوقية بامتداد آثار الاعتقال إلى ما بعد الإفراج،...

21 مايو 2026 اقرأ